هذا الدرس جولة مع النصارى من أهل الكتاب ، كما كان الدرس الماضي جولة مع اليهود منهم وهؤلاء وهؤلاء من أهل الكتاب ، الموجه إليهم هذا الخطاب .
وفي الدرس الماضي أنصف القرآن عيسى بن مريم وأمه الطاهرة من افتراءات اليهود ، وأنصف العقيدة الصحيحة في حكاية صلب المسيح - عليه السلام - وأنصف الحق نفسه من يهود ، وأفاعيل يهود ، وعنت يهود !
وفي هذا الدرس يتجه السياق إلى إنصاف الحق والعقيدة ، وإنصاف عيسى بن مريم كذلك من غلو النصارى في شأن المسيح - عليه السلام - ومن الأساطير الوثنية التي تسربت إلى النصرانية السمحة من شتى الأقوام ، وشتى الملل ، التي احتكت بها النصرانية ؛ سواء في ذلك أساطير الإغريق والرومان ، وأساطير قدماء المصريين ، وأساطير الهنود !
ولقد تولى القرآن الكريم تصحيح عقائد أهل الكتاب التي جاء فوجدها مليئة بالتحريفات مشحونة بالأساطير ؛ كما تولى تصحيح عقائد المشركين ، المتخلفة من بقايا الحنيفية دين إبراهيم - عليه السلام - في الجزيرة العربية ومن ركام فوقها من أساطير البشر وترهات الجاهلية !
لا بل جاء الإسلام ليتولى تصحيح العقيدة في الله للبشر أجمعين ؛ وينقذها من كل انحراف وكل اختلال ، وكل غلو ، وكل تفريط ، في تفكير البشر أجمعين . . فصحح - فيما صحح - اختلالات تصور التوحيد في أراء أرسطو في أثينا قبل الميلاد ، وأفلوطين في الإسكندرية بعد الميلاد ؛ وما بينهما وما تلاهما من شتى التصورات في شتى الفلسفات التي كانت تخبط في التيه ، معتمدة على ذبالة العقل البشري ، الذي لا بد أن تعينه الرسالة ، ليهتدي في هذا التيه !
والقضية التي يعرض لها السياق في هذه الآيات ، هي قضية " التثليث " وما تتضمنه من أسطورة " بنوة المسيح " لتقرير وحدانية الله سبحانه على الوجه المستقيم الصحيح .
ولقد جاء الإسلام والعقيدة التي يعتنقها النصارى - على اختلاف المذاهب - هي عقيدة أن الإله واحد في أقانيم ثلاثة : الآب ، والابن ، والروح القدس . والمسيح هو " الابن " . . ثم تختلف المذاهب بعد ذلك في المسيح . هل هو ذو طبيعة لاهوتية وطبيعة ناسوتية ؟ أم هل هو ذو طبيعة واحدة لاهوتية فقط . وهل هو ذو مشيئة واحدة مع اختلاف الطبيعتين ؟ وهل هو قديم كالآب أو مخلوق . . إلى آخر ما تفرقت به المذاهب ، وقامت عليه الاضطهادات بين الفرق المختلفة . . ( وسيأتي شيء من تفصيل هذا الإجمال في مناسبته في سياق سورة المائدة ) .
والثابت من التتبع التاريخي لأطوار العقيدة النصرانية ، أن عقيدة التثليث ، وكذلك عقيدة بنوة المسيح لله - سبحانه - ( ومثلها عقيدة ألوهية أمه مريم ، ودخولها في التثليثات المتعددة الأشكال ) كلها لم تصاحب النصرانية الأولى . إنما دخلت إليها على فترات متفاوتة التاريخ ، مع الوثنيين الذين دخلوا في النصرانية ، وهم لم يبرأوا بعد من التصورات الوثنية والآلهة المتعددة . والتثليث بالذات يغلب أن يكون مقتبساً من الديانات المصرية القديمة ، من تثليث " أوزوريس وإيزيس ، وحوريس " والتثليثات المتعددة في هذه الديانة . .
وقد ظل النصارى الموحدون يقاومون الاضطهادات التي أنزلها بهم الأباطرة الرومان ، والمجامع المقدسة الموالية للدولة ( الملوكانيون ) إلى ما بعد القرن السادس الميلادي على الرغم من كل ما لاقوه من اضطهاد وتغرب وتشرد بعيدا عن أيدي السلطات الرومانية !
وما تزال فكرة " التثليث " تصدم عقول المثقفين من النصارى ، فيحاول رجال الكنيسة أن يجعلوها مقبولة لهم بشتى الطرق ، ومن بينها الإحالة إلى مجهولات لا ينكشف سرها للبشر إلا يوم ينكشف الحجاب عن كل ما في السماوات وما في الأرض !
يقول القس بوطر صاحب رسالة : " الأصول والفروع " أحد شراح العقيدة النصرانية ، في هذه القضية :
" قد فهمنا ذلك على قدر طاقة عقولنا . ونرجو أن نفهمه فهما أكثر جلاء في المستقبل ، حين ينكشف لنا الحجاب عن كل ما في السماوات والأرض " .
ولا نريد هنا أن ندخل في سرد تاريخي للأطوار وللطريقة التي تسللت بها هذه الفكرة إلى النصرانية . وهي إحدى ديانات التوحيد الأساسية . فنكتفي باستعراض الآيات القرآنية الورادة في سياق هذه السورة ، لتصحيح هذه الفكرة الدخيلة على ديانة التوحيد !
( يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ، ولا تقولوا على الله إلا الحق . إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ، وكلمته ألقاها إلى مريم ، وروح منه . فآمنوا بالله ورسله ، ولا تقولوا ثلاثة . انتهوا خيرا لكم . إنما الله إله واحد . سبحانه أن يكون له ولد . له ما في السماوات وما في الأرض ، وكفى بالله وكيلاً ) . .
فهو الغلو إذن وتجاوز الحد والحق ، هو ما يدعو أهل الكتاب هؤلاء إلى أن يقولوا على الله غير الحق ؛ فيزعموا له ولدا - سبحانه - كما يزعمون أن الله الواحد ثلاثة . .
وقد تطورت عندهم فكرة البنوة ، وفكرة التثليث ، حسب رقي التفكير وانحطاطه . ولكنهم قد اضطروا أمام الاشمئزاز الفطري من نسبة الولد لله ، والذي تزيده الثقافة العقلية ، أن يفسروا البنوة بأنها ليست عن ولادة كولادة البشر . ولكن عن " المحبة " بين الآب والابن . وأن يفسروا الإله الواحد في ثلاثة . . بأنها " صفات " لله سبحانه في " حالات " مختلفة . . وإن كانوا ما يزالون غير قادرين على إدخال هذه التصورات المتناقضة إلى الإدراك البشري . فهم يحيلونها إلى معميات غيبية لا تنكشف إلا بانكشاف حجاب السماوات والأرض .
والله - سبحانه - تعالى عن الشركة ؛ وتعالى عن المشابهة . ومقتضى كونه خالقا يستتبع . . بذاته . . أن يكون غير الخلق . . وما يملك إدراك أن يتصور إلا هذا التغاير بين الخالق والخلق . والمالك والملك . . وإلى هذا يشير النصر القرآني :
( إنما الله إله واحد . سبحانه ! أن يكون له ولد ؟ له ما في السماوات وما في الأرض )
وإذا كان مولد عيسى - عليه السلام - من غير أب عجيبا في عرف البشر ، خارقا لما ألفوه ، فهذا العجب إنما تنششه مخالفة المألوف . والمألوف للبشر ليس هو كل الموجود . والقوانين الكونية التي يعرفونها ليست هي كل سنة الله . والله يخلق السنة ويجريها ، ويصرفها حسب مشيئته . ولا حد لمشيئته .
والله - سبحانه - يقول - وقوله الحق - في المسيح :
( إنما المسيح عيسى ابن مريم ، رسول الله ، وكلمته ألقاها إلى مريم ، وروح منه ) . .
فهو على وجه القصد والتحديد : ( رسول الله ) . .
شأنه في هذا شأن بقية الرسل . شأن نوح وإبراهيم وموسى ومحمد ، وبقية الرهط الكريم من عباد الله المختارين للرسالة على مدار الزمان . .
وأقرب تفسير لهذه العبارة ، أنه سبحانه ، خلق عيسى بالأمر الكوني المباشر ، الذي يقول عنه في مواضع شتى من القرآن : إنه ( كن . . فيكون ) . . فلقد ألقى هذه الكلمة إلى مريم فخلق عيسى في بطنها من غير نطفة أب - كما هو المألوف في حياة البشر غير آدم - والكلمة التي تخلق كل شيء من العدم ، لا عجب في أن تخلق عيسى - عليه السلام - في بطن مريم من النفخة التي يعبر عنها بقوله :
وقد نفخ الله في طينة آدم من قبل من روحه . فكان " إنسانًا " . . كما يقول الله تعالى : ( إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين . فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) . . وكذلك قال في قصة عيسى : ( والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا ) فالأمر له سابقة . . والروح هنا هو الروح هناك . . ولم يقل أحد من أهل الكتاب - وهم يؤمنون بقصة آدم والنفخة فيه من روح الله - إن آدم إله ، ولا أقنوم من أقانيم الإله . كما قالوا عن عيسى ؛ مع تشابه الحال - من حيث قضية الروح والنفخة ومن حيث الخلقة كذلك . بل إن آدم خلق من غير أب وأم : وعيسى خلق مع وجود أم . . وكذلك قال الله : ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ، ثم قال له كن فيكون ) . .
ويعجب الإنسان - وهو يرى وضوح القضية وبساطتها - من فعل الهوى ورواسب الوثنية التي عقدت قضية عيسى عليه السلام هذا التعقيد كله ، في أذهان أجيال وأجيال وهي - كما يصورها القرآن - بسيطة بسيطة ، وواضحة مكشوفة .
إن الذي وهب لآدم . . من غير أبوين . . حياة إنسانية متميزة عن حياة سائر الخلائق بنفخة من روحه ، لهو الذي وهب عيسى . . من غير أب . . هذه الحياة الإنسانية كذلك . . وهذاالكلام البسيط الواضح أولى من تلك الأساطير التي لا تنتهي عن ألوهية المسيح ، لمجرد أنه جاء من غير أب . وعن ألوهية الأقانيم الثلاثة كذلك ! . . تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا :
( فآمنوا بالله ورسله . ولا تقولوا : ثلاثة . انتهوا خيرا لكم ) . .
وهذه الدعوة للإيمان بالله ورسله - ومن بينهم عيسى بوصفه رسولا ، ومحمد بوصفه خاتم النبيين - والانتهاء عن تلك الدعاوى والأساطير ، تجيء في وقتها المناسب بعد هذا البيان الكاشف والتقرير المريح . . ( إنما الله إله واحد ) . . تشهد بهذا وحده الناموس . . ووحدة الخلق . ووحدة الطريقة : كن . . فيكون . . ويشهد بذلك العقل البشري ذاته . فالقضية في حدود إدراكه . فالعقل لا يتصور خالقا يشبه مخلوقاته ، ولا ثلاثة في واحد . ولا واحدا في ثلاثة :
والولادة امتداد للفاني ومحاولة للبقاء في صورة النسل . . والله الباقي غني عن الامتداد في صورة الفانين ؛ وكل ما في السماوات وما في الأرض ملك له سبحانه على استواء :
( له ما في السماوات وما في الأرض ) . .
ويكفي البشر أن يرتبطوا كلهم بالله ارتباط العبودية للمعبود ؛ وهو يرعاهم أجمعين ، ولا حاجة لافتراض قرابة بينهم وبينه عن طريق ابن له منهم ! فالصلة قائمة بالرعاية والكلاءة : ( وكفى بالله وكيلا ) . .
وهكذا لا يكتفي القرآن ببيان الحقية وتقريرها في شأن العقيدة . إنما يضيف إليها أراحة شعور الناس من ناحية رعاية الله لهم ؛ وقيامه - سبحانه - عليهم وعلى حوائجهم ومصالحهم ؛ ليكلوا إليه أمرهم كله في طمأنينة . .
لاتغلوا : الغلو ؛ مجاوزة الحد . غلو النصارى في دينهم : إفراطهم في تعظيم عيسى ، حتى جعلوه إلها أو ابنا الله ، وغلو اليهود : مبالغتهم في الطعن في عيسى حتى اتهموه وأمه بما لا يليق .
المسيح : أصل المسيح ؛ الممسوح ، وسمي به عيسى .
كلمته : المراد بها : عيسى_ عليه السلام_ وأطلقت الكلمة عليه ؛ لأنه جاء بكلمة : كن . . بدون أب .
روح منه : رحمة منه ؛ لأنه رحمة من الله لمن آمن به .
أنصف القرآن عيسى . فقد اتهم أمة بالزنى ، كما أنصفه من ادعاء النصارى بأنه إله أو نصف إله . والمسيحية ديانة من ديانات التوحيد .
( الثابت من البحث العلمي في تطور العقائد المسيحية أن عقيدة التثليث لم تصاحب المسيحية الأولى ، إنما دخلت إليها بعد فترة ، ودخلت إليها في خطوات متدرجة ودخلت إليها مع الوثنيين الذين دخلوا في المسيحية ولم يبرأوا بعد من التطورات الوثنية والآلهة المتعددة ، وقد ظل الموحدون المسيحيون يقامون إلى ما بعد القرن الخامس الميلادي على الرغم من كل ما لقوه من اضطهاد .
وما تزال فكرة التثليث تصدم عقول المثقفين من المسيحيين ، فيحاول رجال الكنيسة أن يجعلوها مقبولة لهم بشتى الطرق وبالإحالة إلى مجهودات لا ينكشف سرها للبشر إلا يوم يكشف الحجاب عن كل ما في السماوات وما في الأرض . {[160]}
171- يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ . وأهل الكتاب لفظة تعم اليهود والنصارى ، ولكن سياق النص هنا ، يخصصها بالنصارى .
وغلو النصارى في دينهم : أنهم أفرطوا في تقديس عيسى عليه السلام- حتى أخرجوه من مرتبة البشرية واتخذوه إلها من دون الله وجعلوه ابنا له .
قوله تعالى : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ . . . ينهى- سبحانه- أهل الكتاب عن الغلو والإطراء ، وهذا كثير في النصارى ، فإنهم تجاوزا الحد في عيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها ، فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلها من دون الله ، يعبدونه كما يعبدون الله .
وفي الصحيح عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم ، فإنما أنا عبده ، قولوا : عبد الله ورسوله " . {[161]}
وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ . أي : ولا تفتروا على الله كذبا لا أساس له ، ولا دلل يعتمد عليه ، وهو قول النصارى : المسيح ابن الله . ( التوبة 30 ) .
وهذا قول يناقض الدليل الواضح والقول الثابت إذ الإله لا يلد ، ولا يولد ، فإن ذلك أمارة الحدوث ، وعلامة الاحتياج .
إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ . أي : إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ، أرسله سبحانه لهداية الناس إلى الحق ، وليس إلها من دون الله ، ولا ابنا الله كما تدعون . وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ . أي : أنه تكون في بطن أمة ، وجد بسبب كلمة الله وأمره : ( كن ) كما قال تعالى : إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَل آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ . ( آل عمران : 59 ) .
وروح منه . أي : ونفخة منه لأن عيسى حدث بسبب نفخة جبريل في درع مريم ، فكان عيسى بإذن الله فنسب إلى أنه روح من الله ؛ لأنه بأمره كان ، وسمى النفخ روحا ؛ لأنه ريح تخرج من الروح .
قال تعالى : وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ . ( الأنبياء : 91 ) .
وقيل : المراد بقوله : وروح منه . أي : وذو روح من أمر الله ؛ لأنه سبحانه خلقه كما يخلق سائر الأرواح .
وقيل : الروح هنا بمعنى : الرحمة ، كما في قوله تعالى : وأيدهم بروح منه . أي : برحمة منه ونعمة . أي : أن عيسى- عليه السلام- لما كان رحمة من الله لقومه ونعمة عظيمة منه عليهم ، من حيث إنه كان يرشدهم إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا ةالآخرة ، سمى روحا منه-سبحانه وتعالى- وكانت منه تشريفا وتعظيما له عليه السلام .
والمعنى : أن عيسى روح عظيم ، وهبة ، جليلة ، مبتدأة من الله .
قال الشيخ أبو زهرة رحمة الله عليه : وقوله : وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ . أي : خلقه بكلمة منه وهي كن كما خلق آدم ، وكان عيسى بهذا كلمة الله ؛ لأنه خلقه بها ، فقد خلق من غير بدر يبدر في رحم أمه ، فما كان تكوينه نماء لبذر وجد ، وللأسباب التي تجري بين الناس ، بل كان السبب هو إرادة الله وحده وكلمته كن وبذلك سمى كلمة الله .
وتعلق النصارى بأن كون عيسى كلمة الله دليل على ألوهيته- تعلق باطل- فما كانت الكلمة من الله إلها يعبد ، وإنما سمى بذلك ؛ لأنه أنشأه بروح مرسل منه وهو جبريل الأمين ، وقد يقال : إنه نشأ بروح منه سبحانه أي : أنه أفاض بروحه في جسمه كما أفاض بها على كل إنسان كما قال تعالى : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ ، ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ( السجدة : 7-9 )
والرأي الأول أولى ، وعلى ذلك يكون معنى قوله : أي : أنه نشأ بنفخ الله الروح فيه من غير توسيط سلالة بشرية ونطفة تتشكل إنسانا وذلك بالملك الذي أرسله وهو جبريل .
وسمى الله تعالى -عيسى- روحا باعتباره نشأ من الروح مباشرة ؛ ولأنه غلبت عليه الروحانية .
وبهذا يزول الوهم الذي سيطر على عقول من غالوا في شأن عيسى فنحلوه ما ليس له ، وما ليس من شأنه ، إذ جعلوه إلها ، أو ابن إله . {[162]}
إن كل مخلوق يوجد بكلمة من الله . إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . ( يس : 82 ) ، فالكلمة هي توجه الإدارة ، وليس عيسى بدعا في ذلك فهو كلمة الله ، وروح منه . هو هذا الروح الذي كان به آدم إنسانا ، وجسده لا يزيد عنصرا واحدا على عناصر التراب ، ولا يتميزإلا بهذا الروح الذي تلقاه من الله ، هذا الروح كذلك تلقته مريم- على نحو لا ندركه نحن ، ولم تدركه هي ، بل عجبت أن يكون لها ولد ولم يمسسها بشر- فكان منه عيسى كما كان منه آدم ، كلاهما تلقاه أول مرة فإذا هو إنسان حي لا عن ولادة معهودة ، ولكن عن طريق مباشر ، وكلاهما فيه سواء مع بعض الاختلاف . {[163]}
فآمنوا بالله ورسوله . أي : إذا كان ذلك هو الحق في شأن عيسى ، فآمنوا بالله إيمانا حقا بأن تفردوه بالألوهية والعبادة ، وآمنوا برسله جميعا بدون تفريق بينهم ، ولا تغالوا في أحد منهم بأن تخرجوه عن طبيعته وعن وظيفته .
ولا تقولوا ثلاثة . ولم يقل : ولا تؤمنوا بثلاثة للإشارة إلى أن أمر الثلاثة قول يقولونه ، فإن سألتهم عن معناه تارة يقولون : الأب والابن والروح القدس ، أي : إنهم ثلاثة متفرقون ، وتارة يقولون : الأقانيم ( الصفات ) ثلاثة والذات واحدة .
جاء في تفسير الكشاف للزمخشري :
والذي يدل عليه القرآن التصريح منهم بأن الله والمسيح ومريم ثلاثة آلهة ، وأن المسيح ولد الله من مريم ، ألا ترى إلى قوله تعالى : أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ . ( المائدة : 116 ) .
وقالت النصارى المسيح ابن الله . والمشهور المستفيض عنهم أنهم يقولون في المسيح لاهوتية وناسوتية من جهة الأب والأم . {[164]}
وقد أفاض بعض العلماء في الرد على مزاعم أهل الكتاب في عقائدهم . {[165]}
انتهوا خيرا لكم . أي : انتهوا عن الشرك والتثليث يكن الانتهاء عن ذلك خيرا لكم ؛ لأنكم به تخرجون من العقيدة الناشئة عن الضلال والأوهام إلى العقيدة المبنية على الحجة والبرهان .
إنما الله إله واحد . أي : إنما الله واحد بالذات منزه عن التعدد بأي وجه من الوجوه ، متفرد في ألوهيته ، هو سبحانه الخالق لهذا الكون والمدبر لأمره .
سبحانه أن يكون له ولد . تنزه الله تنزيها عظيما ، لا حدود له ، عن أن يكون له ولد ؛ لأن اتخاذ الولد دليل الضعف وأمارة الحدوث ، وصفة العاجز المحتاج إلى من يعينه في حياته ، ويخلفه بعد مماته .
قال تعالى : ليس كمثله سيء وهو السميع البصير . ( الشورى : 11 )
له ما في السماوات وما في الأرض . أي : كل ما في السماوات وما في الأرض ملك إرادته فما هو محتاج ، ونسبة كل شيء إليه سبحانه هي نسبة الخلق إلى الخالق والمملوك إلى المالك ، يستوي في ذلك كل ما في الكون وكل من في الكون .
والتأمل يرى أنه سبحانه- في كل موضع نزه نفسه عن الولد ذكر كونه ملكا ومالكا لما في السماوات والأرض ؛ ليكون دليلا عليه ، إذ المعنى : تنزه الله عن أن يكون له ولد ؛ لأن له في السماوات وما في الأرض .
وكفى بالله وكيلا . أي : إن الله سبحانه ، كاف وحده في تدبير المخلوقات وفي حفظ هذا الكون فلا يحتاج إلى ولد يعينه ولا إلى إله آخر يدبر أمر الكون معه .
{ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم } هذا خطاب للنصارى لأنهم غلوا في عيسى حتى كفروا ، فلفظ أهل الكتاب عموم يراد به الخصوص في النصارى ، بدليل ما بعد ذلك والغلو هو الإفراط وتجاوز الحد .
{ وكلمته } أي مكون عن كلمته التي هي كن من غير واسطة أب ولا نطفة .
{ وروح منه } أي : ذو روح من الله ، فمن هنا لابتداء الغاية ، والمعنى من عند الله ، وجعله من عند الله لأن الله أرسل به جبريل عليه السلام إلى مريم .
{ ولا تقولوا ثلاثة } نهى عن التثليث ، وهو مذهب النصارى وإعراب ثلاثة خبر مبتدأ مضمر .
{ له ما في السماوات وما في الأرض } برهان على تنزيهه تعالى عن الولد ، لأنه مالك كل شيء .