ويستطرد في بيان ما أحل لهم من الطعام ويلحق به ما أحل لهم من النكاح :
( اليوم أحل لكم الطيبات . وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم . وطعامكم حل لهم . والمحصنات من المؤمنات . والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم . إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ) . .
وهكذا يبدأ ألوان المتاع الحلال مرة أخرى بقوله :
فيؤكد المعنى الذي أشرنا إليه ؛ ويربط بينه وبين الألوان الجديدة من المتاع . فهي من الطيبات
وهنا نطلع على صفحة من صفحات السماحة الإسلامية ؛ في التعامل مع غير المسلمين ، ممن يعيشون في المجتمع الإسلامي " في دار الإسلام " ، أو تربطهم به روابط الذمة والعهد ، من أهل الكتاب . .
إن الإسلام لا يكتفي بأن يترك لهم حريتهم الدينية ؛ ثم يعتزلهم ، فيصبحوا في المجتمع الإسلامي مجفوين معزولين - أو منبوذين - إنما يشملهم بجو من المشاركة الاجتماعية ، والمودة ، والمجاملة والخلطة . فيجعل طعامهم حلا للمسلمين وطعام المسلمين حلا لهم كذلك . ليتم التزاور والتضايف والمؤاكلة والمشاربة ، وليظل المجتمع كله في ظل المودة والسماحة . . وكذلك يجعل العفيفات من نسائهم - وهن المحصنات بمعنى العفيفات الحرائر - طيبات للمسلمين ، ويقرن ذكرهن بذكر الحرائر العفيفات من المسلمات . وهي سماحة لم يشعر بها إلا أتباع الإسلام من بين سائر أتباع الديانات والنحل . فإن الكاثوليكي المسيحي ليتحرج من نكاح الأرثوذكسية ، أو البروتستانتية ، أو المارونية المسيحية . ولا يقدم على ذلك إلا المتحللون عندهم من العقيدة !
وهكذا يبدو أن الإسلام هو المنهج الوحيد الذي يسمح بقيام مجتمع عالمي ، لا عزلة فيه بين المسلمين وأصحاب الديانات الكتابية ؛ ولا حواجز بين أصحاب العقائد المختلفة ، التي تظلها راية المجتمع الإسلامي . فيما يختص بالعشرة والسلوك [ أما الولاء والنصرة فلها حكم آخر سيجيء في سياق السورة ] .
وشرط حل المحصنات الكتابيات ، هو شرط حل المحصنات المؤمنات :
( إذا آتيتموهن أجورهن محصنين ، غير مسافحين ، ولا متخذي أخدان ) .
ذلك أن تؤدى المهور ، بقصد النكاح الشرعي ، الذي يحصن به الرجل امرأته ويصونها ، لا أن يكون هذا المال طريقا إلى السفاح أو المخادنة . . والسفاح هو أن تكون المرأة لأي رجل ؛ والمخادنه أن تكون المرأة لخدين خاص بغير زواج . . وهذا وذلك كانا معروفين في الجاهلية العربية ، ومعترفا بهما من المجتمع الجاهلي . قبل أن يطهره الإسلام ، ويزكيه ، ويرفعه من السفح الهابط إلى القمة السامقة . .
ويعقب على هذه الأحكام تعقيبا فيه تشديد ، وفيه تهديد : ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله ، وهو في الآخرة من الخاسرين . . إن هذه التشريعات كلها منوطة بالإيمان ؛ وتنفيذها كما هي هو الإيمان ؛ أو هو دليل الإيمان . فالذي يعدل عنها إنما يكفر بالإيمان ويستره ويغطيه ويجحده . والذي يكفر بالإيمان يبطل عمله ويصبح ردا عليه لا يقبل منه ، ولا يقر عليه . . والحبوط مأخوذ من انتفاخ الدابة وموتها إذا رعت مرعى ساما . . وهو تصوير لحقيقة العمل الباطل . فهو ينتفخ ثم ينعدم أثره كالدابة التي تتسمم وتنتفخ وتموت . . وفي الآخرة تكون الخسارة فوق حبوط العمل وبطلانه في الدنيا . .
وهذا التعقيب الشديد ، والتهديد المخيف ، يجيء على إثر حكم شرعي يختص بحلال وحرام في المطاعم والمناكح . . فيدل على ترابط جزئيات هذا المنهج ؛ وأن كل جزئية فيه هي " الدين " الذي لا هوادة في الخلاف عنه ، ولا قبول لما يصدر مخالفا له في الصغير أو في الكبير .
أخدان : جمع خدن . وهو : الصديق في السر . يطلق على الذكر والأنثى . والمراد من قوله : ولا متخذي أخذان . ولا مسرين بالزنى مع الصديقات .
5-الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ . . .
الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ . أي : أبيح لكم المستلذات من الذبائح وغيرها ، وفي هذا دليل على سماحة الإسلام ويسره ورغبة الله الكريم في أن يتمتع عباده بالطيبات من الحلال في الطعام . والثياب والزواج والمسكن والدابة وشئون الحياة في غير ما إسراف ولا خيلاء . وفي حديث النبوي الشريف : " كل ما شئت والبس ما شئت ما تجنبك اثنتان الإسراف والمخيلة " {[181]} .
وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ : أي ذبائح اليهود والنصارى حلال لكم .
وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ . أي : ذبائحكم حلال لهم فلا حرج أن تطعموهم وتبيعوه لهم .
وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ . أي : وأبيح لكم- أيها المؤمنون- زواج الحرائر العفيفات من المؤمنات .
وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ . أي : وزواج الحرائر من الكتابيات- يهوديات أو نصرانيات- وهذا رأي الجمهور ، وقال عطاء : قد أكثر الله المسلمات وإنما رخص لهم يومئذ .
إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ . أي : أعطيتموهن مهورهن ، وقيد حل المحصنات من المؤمنات ، ومن أهل الكتاب بإتيانهن لتأكيد وجوبها ، لا لتوقف الحل على إتيانها ، فإن الزواج يحل بالصداق المؤجل ، كما يحل إذا تم بدون مهر- وللزوجة مهر المثل .
وسمى الله المهور أجورا ؛ لأنها عوض عن الاستمتاع بهن كما قال أين عباس وغيره .
وتسمى صداقا لأنها مشعرة بصدق رغبة باذليها في الزواج وقد فرضت لذلك ؛ إعزازا للمرأة وتكريما لها .
وقد اوجب الله أن يكون الغرض من الزواج ، الإحصان والعفة ، فقال تعالى : مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ . .
يشترط القرآن أن يكون المهر سبيلا إلى الإحسان والزواج الحلال ، ولا يجوز أن يكون المال وسيلة للسفاح والزنى فاتخاذ العشيقة والزنى بها محرم على الرجل والمرأة على السواء ، والأخذان : جمع خذن وهو الصديق ذكرا كان أم أنثى ، هنا في صفوة التفاسير للصابوني .
مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ . أي : حال كونهم أعفاء بالنكاح غير مجاهرين بالزنى .
وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ . أي : وغير متخذين عشيقات وصديقات تزنون بهن سرا ، قال الطبري المعنى : ولا منفردا ببغيه قد خادنها وخادنته واتخذها لنفسه صديقة يفجر بها .
وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ . أي : ومن ينكر شرائع الإيمان وفروعه ، وقوانينه وأحكامه التي من جملتها : ما بين من الأحكام المتعلقة بالحل والحرمة .
فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ . فقد بطل عمله ، فلا يعتد به ، وضل سعيه ، وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ . ويكون في الآخرة من الهالكين .
وتعبير ومن يكفر بالإيمان فيه جدة وطرافة فالكفر في هذه المرة ليس بالله ولا باليوم الآخر ، ولا بالدين ولا بالشيء منه إنما هو الكفر بالإيمان ذاته . والتنكر لوجدان الإيمان ذاته ، ومن فارقه ؛ فقد حبط عمله ؛ لأنه انبت وابتعد عن الهدي والاعتقاد أصلا ، وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ .
" نطلع في هذه الآية على صفحة جديدة من صفحات السماحة الإسلامية ؛ فالإسلام لا يكتفي بأن يترك أهل الكتاب لما يعتقدون " .
لا يكتفي بأن يترك لهم هذه الحرية ، إنما يشملهم بجو من المشاركة الاجتماعية ، والمودة والمجاملة والخلطة فيجعل طعامهم حلا للمسلمين ، وطعام المسلمين حلا لهم ، وكذلك يجعل العفيفات من نسائهم طيبات للمسلمين ، يقرن ذكرهن بالعفيفات المسلمات وهي سماحة لا يفيض بها إلا الإسلام من بين سائر الأديان .
فإن الكاثوليكي المسيحي ليتحرج من نكاح الأرثوذكسية أو البوتستانتينية أو المارونية المسيحية ولا يقدم على ذلك إلا المتحللون عندهم من العقيدة .
وهكذا يبدو أن الإسلام هو العقيدة الوحيدة التي تسمح بقيام مجتمع عالمي لا عزلة فيه بين المسلمين وأصحاب الديانات الكتابية الأخرى ، ولا حواجز بين أصحاب العقائد المختلفة التي تظلها راية المجتمع الإسلامي . {[182]} .
{ وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } معنى حل : حلال ، والذين أتوا الكتاب هم اليهود والنصارى ، واختلف في نصارى بني تغلب من العرب ، وفيمن كان مسلما ثم ارتد إلى اليهودية أو النصرانية ، هل يحل لنا طعامهم أم لا ، ولفظ الآية يقتضي الجواز لأنهم من أهل الكتاب ، واختلف في المجوس والصابئين ، هل هم أهل كتاب أم لا ؟ وأما الطعام ، فهو على ثلاثة أقسام : أحدها : الذبائح وقد اتفق العلماء على أنها مرادة في الآية ، فأجازوا كل ذبائح اليهود والنصارى ، واختلفوا فيما هو محرم عليهم في دينهم ، هل يحل لنا أم لا ، على ثلاثة أقوال :
الجواز ، والمنع ، والكراهة ، وهذا الاختلاف مبني على هل هو من طعامهم أم لا فإن أريد بطعامهم ما ذبحوه جاز ، وإن أريد به ما يحل لهم منع ، والكراهة توسط بين القولين .
القسم الثاني : ما لا محاولة لهم فيه : كالقمح والفاكهة فهو جائز لنا باتفاق . والثالث : ما فيه محاولة : كالخبز ، وتعصير الزيت ، وعقد الجبن وشبه ذلك مما يمكن استعمال النجاسة فيه ، فمنعه ابن عباس لأنه رأى أن طعامهم هو الذبائح خاصة ، ولأنه يمكن أن يكون نجسا ، وأجازه الجمهور ، لأنه رأوه داخلا في طعامهم ، هذا إذا كان استعمال النجاسة فيه محتملا ، فأما إذا تحققنا استعمال النجاسة فيه كالخمر والخنزير والميتة ، فلا يجوز أصلا وقد صنف الطرطوشي في تحريم جبن النصارى ، وقال : إنه ينجس البائع والمشتري والآلة ، لأنهم يعقدونه بأنفحة الميتة ، ويجري مجرى ذلك الزيت إذا علمنا أنهم يجعلونه في ظروف الميتة .
{ وطعامكم حل لهم } هذه إباحة للمسلمين أن يطعموا أهل الكتاب من طعامهم .
{ والمحصنات } عطف على الطعام المحلل ، وقد تقدم أن الإحصان له أربعة معان : الإسلام ، والتزوج ، والعفة ، والحرية . فأما الإسلام فلا يصح هنا لقوله :{ من الذين أوتوا الكتاب } ، وأما التزوج فلا يصح أيضا لأن ذات الزوج لا تحل لغيره ، ويحتمل هنا العفة والحرية ، فمن حمله على العفة أجاز نكاح المرأة الكتابية سواء كانت حرة أو أمة ، ومن حمله على الحرية أجاز نكاح الكتابية الحرة ومنع الأمة ، وهو مذهب مالك ، ولا تعارض بين هذه الآية ، وبين قوله :{ ولا تنكحوا المشركات } لأن هذه في الكتابيات ، والأخرى في المشركات ، وقد جعل بعض الناس هذه ناسخة لتلك ، وقيل : بالعكس ، وقد تقدم معنى { فآتوهن أجورهن } ومعنى الأخدان .