ولمسة أخرى من حقيقة الألوهية . . لمسة القوة القاهرة فوق العباد . والرقابة الدائمة التي لا تغفل . والقدر الجاري الذي لا يتقدم ولا يتأخر ، والمصير المحتوم الذي لا مفر منه ولا مهرب . والحساب الأخير الذي لا يني ولا يمهل . . وكله من الغيب الذي يلف البشر ويحيط بالناس :
( وهو القاهر فوق عباده ، ويرسل عليكم حفظة ، حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون . ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ، ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين )
فهو صاحب السلطان القاهر ؛ وهم تحت سيطرته وقهره . هم ضعاف في قبضة هذا السلطان ؛ لا قوة لهم ولا ناصر . هم عباد . والقهر فوقهم . وهم خاضعون له مقهورون . .
وهذه هي العبودية المطلقة للألوهية القاهرة . . وهذه هي الحقيقة التي ينطق بها واقع الناس - مهما ترك لهم من الحرية ليتصرفوا ، ومن العلم ليعرفوا ، ومن القدرة ليقوموا بالخلافة - إن كل نفس من أنفاسهم بقدر ؛ وكل حركة في كيانهم خاضعة لسلطان الله بما أودعه في كيانهم من ناموس لا يملكون أن يخالفوه . وإن كان هذا الناموس يجري في كل مرة بقدر خاص حتى في النفس والحركة !
لا يذكر النص هنا ما نوعهم . . وفي مواضع أخرى أنهم ملائكة يحصون على كل إنسان كل ما يصدر عنه . . أما هنا فالمقصود الظاهر هو إلقاء ظل الرقابة المباشرة على كل نفس . ظل الشعور بأن النفس غير منفردة لحظة واحدة ، وغير متروكة لذاتها لحظة واحدة . فهناك حفيظ عليها رقيب يحصي كل حركة وكل نأمة ؛ ويحفظ ما يصدر عنها لا يند عنه شيء . . وهذا التصور كفيل بأن ينتفض له الكيان البشري ؛ وتستيقظ فيه كل خالجة وكل جارحة .
( حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ) . .
الظل نفسه ، في صورة أخرى . . فكل نفس معدودة الأنفاس ، متروكة لأجل لا تعلمه - فهو بالنسبة لها غيب لا سبيل إلى كشفه - بينما هو مرسوم محدد في علم الله ، لا يتقدم ولا يتأخر . وكل نفس موكل بأنفاسها وأجلها حفيظ قريب مباشر حاضر ، لا يغفو ولا يغفل ولا يهمل - فهو حفيظ من الحفظة - وهو رسول من الملائكة - فإذا جاءت اللحظة المرسومة الموعودة - والنفس غافلة مشغولة - أدى الحفيظ مهمته ، وقام الرسول برسالته . . وهذا التصور كفيل كذلك بأن يرتعش له الكيان البشري ؛ وهو يحس بالقدر الغيبي يحيط به ؛ ويعرف أنه في كل لحظة قد يقبض ، وفي كل نفس قد يحين الأجل المحتوم .
61- وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليهم حفظة حتى إذا جاء احدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون .
تصور الآية قدرة الله وهي فوق جميع القدر .
فهو سبحانه صاحب السلطان القاهر ، وهم تحت سيطرته وقهره ، هم ضعاف في قبضة هذا السلطان لا قوة لهم ولا ناصر ، هم عباد والقهر فوقهم . وهم خاضعون له مقهورون .
وهذه هي العبودية المطلقة للألوهية القاهرة .
إن الله تعالى هو الغالب على عباده والمتصرف فيهم إيجادا وإعداما وإحياء وإماتة ، وتعذيبا وتنعيما إلى غير ذلك من شؤون القهر والسلطان : لا يشركه فيها شريك ولا يرده عن مراده أحد .
ويرسل عليهم حفظة أي : ويرسل عليكم ملائكة تحفظ أعمالكم وتحصيها ، وتسجل ما تعملونه من خير أو شر .
قال تعالى : وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين . ( الإنفطار : 10 ، 11 ) .
وقال سبحانه : ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد . ( ق : 18 ) .
وجاء في كتاب الجوهرة ، وهي منظومة فنية في علم التوحيد :
بكل عبد حافظون وكلوا وكاتبون خيرة لن يهملوا
من امره شيئا ولو ذهل حتى الأنين في المرض كما نقل
وتفيد الآية رقابة الحق سبحانه على كل نفس ، وشعور النفس بأنها غير منفردة لحظة واحدة ، وغير متروكة : لذاتها لحظة واحدة ، فهناك حفيظ عليها رقيب يحصي كل حركة .
قال الزمخشري في تفسير الكشاف :
فإن قلت إن الله تعالى غني بعلمه عن كتابة الملائكة . فما فائدتها .
قلت فيها لطف للعباد لأنهم إذا علموا أن الله رقيب عليهم ، والملائكة الذين هم أشرف خلق موكلون بهم يحفظون عليهم أعمالهم ، ويكتبونها في صحائف تعرض على رؤوس الأشهاد في موقف القيامة ، كان ذلك أزجر لهم عن القبيح وأبعد عن السوء ( 98 ) .
حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون . أي حتى إذا احتضر أحدكم ، وحان أجله قبضت روحه ملائكتنا الموكلون بذلك حال كونهم لا يتوانون ولا يتأخرون في أداء مهمتهم .
نقل الدكتور محمد سيد طنطاوي عن حاشية الجمل ما يأتي :
فإن قلت إن هناك آية تقول : الله يتوفى الأنفس حين موتها . وثانية تقول : قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون .
والآية التي معنا تقول توفته رسلنا .
فالجواب على ذلك أن المتوفي في الحقيقة هو الله ، فإذا حضر أجل العبد أمر الله ملك الموت بقبض روحه ، ولملك الموت أعوان من الملائكة ، فيأمرهم بنزع روح ذلك العبد من جسده ، فإذا وصلت إلى الحلقوم تولى قبضها ملك الموت نفسه ، فقيل المراد من قوله توفته رسلنا . ملك الموت وحده ، وإنما ذكر بلفظ الجمع تعظيما له ( 99 ) .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.