وبعد بيان هذا الأدب اللائق في حق اللّه وحق رسوله ، تطوعاً ورضا وإسلاماً ، يقرر أن الأمر -مع ذلك - ليس أمر الرسول ؛ إنما هو أمر اللّه وفريضته وقسمته ، وما الرسول فيها إلا منفذ للفريضة المقسومة من رب العالمين . فهذه الصدقات - أي الزكاة - تؤخذ من الأغنياء فريضة من اللّه ، وترد على الفقراء فريضة من اللّه . وهي محصورة في طوائف من الناس يعينهم القرآن ، وليست متروكة لاختيار أحد ، حتى ولا اختيار الرسول :
( إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل اللّه وابن السبيل . فريضة من اللّه واللّه عليم حكيم ) . .
وبذلك تأخذ الزكاة مكانها في شريعة اللّه ، ومكانها في النظام الإسلامي ، لا تطوعاً ولا تفضلا ممن فرضت عليهم . فهي فريضة محتمة . ولا منحة ولا جزافاً من القاسم الموزع . فهي فريضة معلومة . إنها إحدى فرائض الإسلام تجمعها الدولة المسلمة بنظام معين لتؤدي بها خدمة اجتماعية محددة . وهي ليست إحساناً من المعطي وليست شحاذة من الآخذ . . كلا فما قام النظام الاجتماعي في الإسلام على التسول ، ولن يقوم !
إن قوام الحياة في النظام الإسلامي هو العمل - بكل صنوفه وألوانه - وعلى الدولة المسلمة أن توفر العمل لكل قادر عليه ، وأن تمكنه منه بالإعداد له ، وبتوفير وسائله ، وبضمان الجزاء الأوفى عليه ، وليس للقادرين على العمل من حق في الزكاة ، فالزكاة ضريبة تكافل اجتماعي بين القادرين والعاجزين ، تنظمها الدولة وتتولاها في الجمع والتوزيع ؛ متى قام المجتمع على أساس الإسلام الصحيح ، منفذاً شريعة اللّه ، لا يبتغي له شرعاً ولا منهجاً سواه .
عن ابن عمر - رضي اللّه عنهما - قال : قال رسول اللّه - [ ص ] - : " لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي " .
وعن عبداللّه بن عدي بن الخيار أن رجلين أخبراه أنهما أتيا النبي - [ ص ] - يسألانه من الصدقة ، فقلب فيهما البصر ، فرآهما جلدين ، فقال : " إن شئتما أعطيتكما . ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب " .
إن الزكاة فرع من فروع نظام التكافل الاجتماعي في الإسلام . وهذا النظام أشمل وأوسع كثيراً من الزكاة ؛ لأنه يتمثل في عدة خطوط تشمل فروع الحياة كلها ، ونواحي الارتباطات البشرية بأكملها ، والزكاة خط أساسي من هذه الخطوط :
والزكاة تجمع بنسبة العشر ونصف العشر وربع العشر من أصل المال حسب أنواع الأموال . وهي تجمع من كل من يملك حوالي عشرين جنيهاً فائضة عن حاجته يحول عليها الحول . وبذلك يشترك في حصيلتها معظم أفراد الأمة . ثم تنفق في المصارف التي بينتها الآية هنا ، وأول المستحق لها هم الفقراء والمساكين . والفقراء هم الذين يجدون دون الكفاية ، والمساكين مثلهم ولكنهم هم الذين يتجملون فلا يبدون حاجتهم ولا يسألون .
وإن كثيراً ممن يؤدون الزكاة في عام ، قد يكونون في العام التالي مستحقين للزكاة . بنقص ما في أيديهم عن الوفاء بحاجاتهم . فهي من هذه الناحية تأمين اجتماعي . وبعضهم يكون لم يؤد شيئا في حصيلة الزكاة ولكنه يستحقها . فهي من هذه الناحية ضمان اجتماعي . . وهي قبل هذا وذاك فريضة من اللّه ، تزكو النفس بأدائها وهي إنما تعبد بها اللّه ، وتخلص من الشح وتستعلي عليه في هذا الأداء .
( إنما الصدقات للفقراء والمساكين ) . . وقد سبق بيانهما .
( والعاملين عليها ) . . أي الذين يقومون على تحصيلها .
( والمؤلفة قلوبهم ) . . وهم طوائف ، منهم الذين دخلوا حديثاً في الإسلام ويراد تثبيتهم عليه . ومنهم الذين يرجى أن تتألف قلوبهم فيسلموا . ومنهم الذين أسلموا وثبتوا ويرجى تأليف قلوب أمثالهم في قومهم ليثوبوا إلى الإسلام حين يرون إخوانهم يرزقون ويزادون . . وهناك خلاف فقهي حول سقوط سهم هؤلاء المؤلفة قلوبهم بعد غلبة الإسلام . . ولكن المنهج الحركي لهذا الدين سيظل يواجه في مراحله المتعددة كثيراً من الحالات ، تحتاج إلى إعطاء جماعة من الناس على هذا الوجه ؛ إما إعانة لهم على الثبات على الإسلام إن كانوا يحاربون في أرزاقهم لإسلامهم ، وإما تقريباً لهم من الإسلام كبعض الشخصيات غير المسلمة التي يرجى أن تنفع الإسلام بالدعوة له والذب عنه هنا وهناك . ندرك هذه الحقيقة ، فنرى مظهراً لكمال حكمة اللّه في تدبيره لأمر المسلمين على اختلاف الظروف والأحوال .
( وفي الرقاب ) . . ذلك حين كان الرق نظاماً عالمياً ، تجري المعاملة فيه على المثل في استرقاق الأسرى بين المسلمين وأعدائهم . ولم يكن للإسلام بد من المعاملة بالمثل حتى يتعارف العالم على نظام آخر غير الاسترقاق . . وهذا السهم كان يستخدم في إعانة من يكاتب سيده على الحرية في نظير مبلغ يؤديه له ، ليحصل على حريتهبمساعدة قسطه من الزكاة . أو بشراء رقيق وإعتاقهم بمعرفة الدولة من هذا المال .
( والغارمين ) . . وهم المدينون في غير معصية . يعطون من الزكاة ليوفوا ديونهم ، بدلاً من إعلان إفلاسهم كما تصنع الحضارة المادية بالمدينين من التجار مهما تكن الأسباب ! فالإسلام نظام تكافلي ، لا يسقط فيه الشريف ، ولا يضيع فيه الأمين ، ولا يأكل الناس بعضهم بعضاً في صورة قوانين نظامية ، كما يقع في شرائع الأرض أو شرائع الغاب !
( وفي سبيل اللّه ) . . وذلك باب واسع يشمل كل مصلحة للجماعة ، تحقق كلمة اللّه .
( وابن السبيل ) . . وهو المسافر المنقطع عن ماله ، ولو كان غنياً في بلده .
هذه هي الزكاة التي يتقول عليها المتقولون في هذا الزمان ، ويلمزونها بأنها نظام تسول وإحسان . . هذه هي فريضة اجتماعية ، تؤدى في صورة عبادة إسلامية . ذلك ليطهر اللّه بها القلوب من الشح ؛ وليجعلها وشيجة تراحم وتضامن بين أفراد الأمة المسلمة ، تندّي جو الحياة الإنسانية ، وتمسح على جراح البشرية ؛ وتحقق في الوقت ذاته التأمين الاجتماعي والضمان الاجتماعي في أوسع الحدود . وتبقى لها صفة العبادة التي تربط بين القلب البشري وخالقه ، كما تربط بينه وبين الناس :
( فريضة من اللّه ) الذي يعلم ما يصلح لهذه البشرية ، ويدبر أمرها بالحكمة :
{ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ( 60 ) } .
للفقراء : جمع فقير وهو من لا مال له ، أو له مال لا يقع موقعا من كفايته .
والمساكين : جمع مسكين ، وهو من لا مال له ، أو له مال يقع موقعا من كفايته ، فالفقير أسوأ حالا من المسكين وبالعكس .
60 – { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } .
جاءت هذه الآية وسط الحديث عن المنافقين ؛ ذلك أن المنافقين كانوا ينتظرون أن توزع عليهم الزكاة ، فإذا أعطاهم النبي منها ؛ رضوا وشكروا ، وإذ لم يعطهم ؛ غضبوا وسخطوا .
وفي الآية 58 من سورة التوبة : { ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون } .
قال الشوكاني في تفسيره : " لما لمز المنافقون رسول الله صلى الله عليه وسلم في قسمة الصدقات ؛ بين الله لهم مصرفها ؛ دفعا لطعنهم وقطعا لشغبهم . عن زيادة بن الحرث قال : " أتى النبي رجل فقال : أعطني من الصدقة فقال له : " إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات ، حتى حكم هو فيها ؛ فجزأها ثمانية أصناف ، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك " . اه .
وكنت ألّفت كتابا في فقه العبادات ، أصدرته الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1971 م ، وصدرت منه عدة طبعات بعد ذلك تحدثت فيه عن الزكاة وذكرت فقرة عن مصارف الزكاة ، رأيت أن أنقلها في هذا المكان .
لم يترك الإسلام أمر الزكاة إلى تقدير ولى الأمر بل بين المصارف وعينها بالنص القرآني الذي لا يقبل التأويل قال تعالى : { إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم } . ( التوبة : 60 ) . هذا هو النص القرآني المحكم الذي عدد أصناف المستحقين للزكاة102 ولنبين كل صنف بكلمة موضحة :
أولا : الفقراء : وهم الذين لا يملكون أموالا يزكون عنها ، أي : أن أموالهم لا تبلغ النصاب وإنما لديهم قليل من المال لا يكفي لكل حاجاتهم ، وقيل : من لا يملكون قوت يوم وليلة .
ثانيا : المساكين : قيل في تفسير المسكين : السائل . وقيل : بأن المسكين أشد حاجة من الفقير ، وروى عن عكرمة مولى عبد الله بن عباس : إن الفقراء فقراء المسلمين والمساكين فقراء أهل الكتاب ، ويزكى هذا الرأي أن عمر بن الخطاب فسر المساكين : بضعفاء أهل الكتاب ، فإنه يروى أنه رأى ذميا مكفوفا مطروحا على باب المدينة فقال له عمر رضي الله عنه : ملك ؟ قال : استكرهوني في هذه الجزية ، حتى إذا كف بصري تركوني وليس لي أحد يعود على شيء ! فقال الفاروق : ما أنصفت إذن ! وأجرى له ما يقوته وما يصلحه ، وقال : هذا من الذين قال الله فيهم : { إنما الصدقات للفقراء والمساكين } . وهم زمني أهل الكتاب أي : ذوو العاهات المانعة من الكسب ، والمرضى بمرض لا يرجى البرء منه .
ونرى من هذا أن الزكاة على هذا التفسير تعطي لمساكين أهل الذمة العاجزين عن الكسب ؛ وهو غير ما عليه جمهور الفقهاء الذين يرون أن الزكاة لا تعطى لغير المسلمين .
ثالثا : { العاملين عليها } : وهم الذين يعملون في الزكاة في جمعها من أربابها وتوزيعها على مستحقيها وهم يعطون على قدر أعمالهم ، وكفاية أمثالهم ، ولأن العمل في الزكاة له أجر والأجير يأخذ سواء أكان غنيا أم فقيرا .
رابعا : { المؤلفة قلوبهم } : وهم قوم يعطون من الزكاة ؛ تأليفا لقلوبهم أو قلوب ذويهم ، أو تمكينا للإسلام في قلوبهم . أو قلوب ذويهم ، وقد قال أبو يعلى في الأحكام السلطانية : " والمؤلفة قلوبهم أربعة أصناف : صنف منهم تتألف قلوبهم ؛ لمعونة المسلمين ، وصنف تتألف قلوبهم ؛ للكف عن المسلمين ، وصنف تتألف قلوبهم ؛ لترغيبهم في الإسلام ، وصنف تتألف قلوبهم ؛ ترغيبا لقومهم وعشائرهم في الإسلام فيجوز أن يعطى كل واحد من هذه الأصناف من سهم المؤلفة قلوبهم مسلما كان أو مشركا " .
وعطاء هؤلاء من قبيل الدفاع عن الإسلام له ، فإعطاء المؤلفة قلوبهم هو من قبيل ما نسميه اليوم( الدعاية ) ، ولذلك كان حقا أن نجعل من مصارف الزكاة تمويل الدعاية للإسلام ، وبيان مزاياه ، وخواصه ؛ ليعلم حقيقته من لم يكن يعلم .
خامسا : { في الرقاب } : أي : في فك أسر الأرقاء ، فقد كان من عادة العرب أن يعين الواحد لرقيقه مالا إذا أداه له ؛ تحرر من أسره . فأمر الله الحكومة الإسلامية أن تمد هؤلاء الأسرى بأموال الزكاة ؛ ليتحرروا من رقهم ، وقد ذهب الرق تقريبا من العالم .
ونريد أن نسجل في هذا المقام أن الدولة الإسلامية هي أول دولة حاربت الرق في الوجود وحسبها أن جعلت جزءا من ميزانيتها لفك الرقاب ، ولم يذكر التاريخ أي نظام سياسي أو فلسفي سبق الإسلام في ذلك .
سادسا : { الغارمين } : وهم الذين ركبهم الدين ولا وفاء عندهم ، وهم ثلاثة أقسام :
1 – قسم يستدين في سفاهة وإسراف ؛ لينفق في المحلل والمحرم والأكثرون من الفقهاء يرون أن هذا يوفى عن دينه ، إلا إذا تاب وصار من أهل الصلاح والتقى والتدبير .
2 – من استدان لصالح نفسه كتاجر لزمته ديون في تجارته وهو يحسن تدبيرها ولكن اضطرب الميزان الاقتصادي ، وأحاط الدين بماله ولم يف ما عنده من المال بدينه فما بقي من ديون بعد ذلك عليه يسدد من الزكاة .
3 – من ركبه دين في مصلحة عامة لا لمصلحة نفسه ، كمن تحمل ديات للصلح بين الناس ، فقد قال الفقهاء : إنه يسدد عنه دينه ، ولو كان غنيا يبقى له بعد سداد الدين من ماله نصاب ، وهذا للتشجيع على المروءة والصلح بين الناس .
وإذا مات مدين وليس في تركته ما يفي بدينه يؤدى باقي دينه من مال الزكاة .
والجدير بالذكر : أن الإسلام يجعل الديون العادلة تؤدى من بيت مال الزكاة ، وبهذا سبق الشرائع الإنسانية كلها سبقا بعيدا ، وخصوصا الشرائع التي عاصرت نشأته ، وحسبك أنك تعلم أن القانون الروماني103 في بعض أدواره كان يسوغ للدائن أن يسترق المدين ، أما الإسلام فقد جعل دين المعسر تؤديه الدولة عنه وفي ذلك تشجيع للناس على المروءة والقرض الحسن ؛ لأن صاحب المال إن علم أن ماله لن يضيع أبدا ؛ أقرض القرض الحسن . ويصحب القياس على ذلك أن يقرض من مال الزكاة القرض الحسن ؛ لأنه إذا كانت الديون العادلة تؤدى فأولى أن تعطى منها القروض الخالية من الربا ؛ لترد إلى بيت المال .
سابعا : { ابن السبيل } : والمراد به : المسافر الذي لا يجد مالا يوصله إلى وطنه ، فإنه يعطى من مال الزكاة ما يوصله إلى وطنه .
وأما إذا كان غنيا فيعطيه بيت المال قرضا ليسترد ما أعطاه عند الرجوع إلى أهله وذويه .
ثامنا : { في سبيل الله } : والمراد به : الصرف على الغزاة والمرابطين لحماية الثغور فينفق من الزكاة على الجيش وكل ما يتصل به ما دام الجيش يجاهد في سبيل الله .
ولقد فسر بعض الفقهاء كلمة { في سبيل الله } بما يعم كل مصالح المسلمين ، فقد جاء في التفسير الكبير للفخر الرازي ما نصه :
" واعلم أن ظاهر اللفظ لا يوجب القصر على كل الغزاة ، فلهذا المعنى نقل " القفال " في تفسيره عن بعض الفقهاء : أنهم أجازوا صرف الصدقات إلى جميع وجوه الخير : من تكفين الموتى ، وبناء الحصون ؛ وعمارة المساجد ؛ لأن قوله تعالى : { في سبيل الله } عام في الكل " .
ويشمل في سبيل الله إعداد دعاة إلى الإسلام والإنفاق عليهم لإظهار جمال الإسلام وسماحته وتبليغ أحكامه والرد على خصومه ، والإنفاق على الكتب التي تتولى هذه المهمة .
ويجوز إعطاء الزكاة للمؤسسات الخيرية : كالمستوصفات الخيرية ، والمياتم ، والمدارس الخيرية ؛ لأن هذه المؤسسات جعلت لصالح الطبقة الفقيرة .
هل تصرف الزكاة على جميع مستحقيها ؟ يرى جمهور الفقهاء خلافا للشافعي أنه لا يلزم المزكى استيعاب كل مصارف الزكاة ، بل في أيها وضعت أجزأت ، ويلزم الإمام العناية بالأهم اجتماعيا فالمهم .
1 – الزكاة فريضة واجبة ، وسبيل إلى علاج الشح والبخل ، وارتقاء بالنفس والروح والوجدان ؛ حيث يعطى المؤمن ماله ، ويدخره لينفعه في قبره ، أو في يوم القيامة ؛ فهو فعلا ادخار في بنك الآخرة ، وتغذية لرصيدنا الحقيقي ؛ فإن مالك ما أنفقت ؛ ومال وارثك ما أبقيت .
2- الزكاة علاج متعيّن ؛ لإزالة حب الدنيا عن القلب ، وكسر شدة الميل إلى المال ، والمنع من انصراف النفس بالكلية إليه ، وهو المراد من قوله تعالى : { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } . ( التوبة : 103 ) .
3 – تربية النفس عن طريق الشعور بآلام الآخرين ، والإحسان إلى الناس ، والسعي في إيصال الخيرات إليهم ، ودفع الآفات عنهم ، وهذا من صفات الله وفي الحديث الشريف : " تخلّقوا بأخلاق الله " .
4 – توفير محبة الفقراء للأغنياء ، والدعاء لهم ببقاء النعمة ، عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها " 104 .
5 – الحد من ارتكاب الجرائم ، ومن اللحاق بالأعداء ، فلو لم ينفق الأغنياء على الفقراء ؛ لأقدم الفقراء على الأفعال المنكرة كالسرقة أو على الالتحاق بأعداء المسلمين .
{ إنما الصدقات للفقراء والمساكين } الآية : إنما هنا تقتضي حصر الصدقات وهي الزكاة في هذه الأصناف الثمانية فلا يجوز أن يعطى منها غيرهم ، ومذهب مالك أن تفريقها في هؤلاء الأصناف إلى اجتهاد الإمام ، فله أن يجعلها في بعض دون بعض ، ومذهب الشافعي أنه يجب أن تقسم على جميع هذه الأصناف بالسواء ، واختلف العلماء هل الفقير أشد حاجة من المسكين أو بالعكس ؟ فقيل : هما سواء ، وقيل : الفقير الذي يسأل الناس ويعلم حاله ، والمسكين ليس كذلك .
{ والعاملين عليها } أي : الذين يقبضونها ويفرقونها .
{ والمؤلفة قلوبهم } كفار يعطون ترغيبا في الإسلام ، وقيل هم مسلمون يعطون ليتمكن إيمانهم ، واختلف هل بقي حكمهم أو سقط للاستغناء عنهم .
{ وفي الرقاب } يعني : العبيد يشترون ويعتقون .
{ الغارمين } يعني : من عليه دين ويشترط أن يكون استدان في غير فساد ولا سرف .
{ وفي سبيل الله } يعني : الجهاد فيعطى منها المجاهدون ويشترى منها آلات الحرب واختلف هل تصرف في بناء الأسوار وإنشاء الأساطيل .
{ وابن السبيل } هو الغريب المحتاج .
{ فريضة } أي : حقا محدودا : ونصبه على المصدر ، فإن قيل : لم ذكر مصرف الزكاة في تضاعيف ذكر المنافقين فالجواب أنه حصر مصرف الزكاة في تلك الأصناف ليقطع طمع المنافقين فيها ، فاتصلت هذه الآية في المعنى بقوله : { ومنهم من يلمزك في الصدقات } الآية .