وقبل أن يوجههم هنا إلى هذا التدبر في تصميم الكون ذاته ، يلمس قلوبهم لمسة عنيفة بمصرع قوم تبع والتبابعة من ملوك حمير في الجزيرة العربية . ولا بد أن القصة التي يشير إليها كانت معروفة للسامعين ، ومن ثم يشير إليها إشارة سريعة للمس قلوبهم بعنف ، وتحذيرها مصيراً كهذا المصير :
( أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين ) . .
قوم تبع : تبع الحميري الأكبر ملك اليمن ، الذي جيش الجيوش وفتح المدن ، وكان مؤمنا وقومه كافرين ، وتبع لقب لملك سبأ ، كلقب كسرى لملك الفرس ، ولقب قيصر لملك الروم .
37- { أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين } .
تأتي هذه الآية لتفتح عيونهم على واقع مشاهد ، هو أن الله أهلك قوم تبع في بلاد اليمن المجاورة لهم ، وكانوا أكثر حضارة وقوة ومنعة ، كما أهلك كثيرا من المكذبين ، مثل عاد وثمود وفرعون ، أهلكهم الله لإجرامهم وعتوهم .
وفي هذا المعنى يقول سبحانه : { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ( 6 ) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ( 7 ) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ( 8 ) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ( 9 ) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ ( 10 ) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ( 11 ) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ( 12 ) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ( 13 ) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ( 14 ) } . ( الفجر : 6-14 ) .
أي : فكما أهلك الله هؤلاء المكذبين ، فهو قادر على إهلاكهم ومعاقبتهم إذا استمروا في كفرهم وعنادهم .
تُبّع : لقبٌ لملوك اليمن القدماء مثل فرعون لدى قدماء المصريين .
ثم بين الله لهم على طريق السؤال : هل كفّار مكةَ خيرٌ في القوة والمنعة والسلطان أم قوم تُبَّع ومن سبقَهم من الجبابرة ! إن قومك يا محمد ، ليسوا بقوّتهم وَمنْعَتِهم وسلطانهم ، وقد أهلكناهم في الدنيا بكُفرهم وإجرامهم ، فليَعْتبر قومك من مصير غيرهم .
{ أهم خير أم قوم تبع } كان تبع ملك من حمير وكان مؤمنا وقومه كفارا فذم الله قومه ولم يذمه ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما أدري أكان تبع نبيا أو غير نبي " ومعنى الآية أقريش أشد وأقوى أم قوم تبع والذين من قبلهم من الكفار ، وقد أهلكنا قوم تبع وغيرهم لما كفروا فكذلك نهلك هؤلاء ، فمقصود الكلام تهديد .
{ والذين من قبلهم } عطف على قوم تبع : وقيل : هو مبتدأ فيوقف على ما قبله والأول أصح .
ولما أخبروا على هذه العظمة تنطعاً{[57587]} لأنها لو وقعت لم يكن بأدل على ثبوت النبوة المستلزمة لتصديق كل ما يقول لهم الرسول صلى الله عليه وسلم وما يأتيهم به من الآيات ، غير خائفين من الله وهم يعلمون{[57588]} قدرته وإهلاكه للماضين لأجل تكذيب الرسل عليهم الصلاة والسلام ، وكأنهم يدعون خصوصيته في مكنة من عين أو معنى ينجون بها من مساواة من قبلهم في ذلك ، فقال تعالى منكراً عليهم : { أهم خير } أي في الدين والدنيا { أم قوم تبع } أي الذين ملك بهم تبع الأرض بطولها والعرض وحيرالحيرة وبنى قصر سمرقند وكان مؤمناً ، وقومه حمير ومن تبعهم أقرب المهلكين{[57589]} إلى قريش زماناً ومكاناً . وكان له بمكة المشرفة ما ليس لغيره من الآثار ، وقال الرازي في اللوامع : هو أول من كسا البيت ونحر بالشعب ستة آلاف بدنة وأقام به ستة أيام{[57590]} وطاف به وحلق .
وقال البغوي{[57591]} بعد أن ذكر قصته مع الأنصار لما قتل ابنه غيلة بالمدينة{[57592]} الشريفة وما وعظته به اليهود في الكف عن إحراب المدينة لأنها مهاجر نبي [ من-{[57593]} ] قريش : فصدقهم وتبع دينهم ، وذلك قبل نسخه ، وقال عن الرقاشي : آمن تبع بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث بسبعمائة{[57594]} عام ، وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : لا تسبوا تبعاً فإنه كان رجلاً صالحاً .
ولما كان ذلك{[57595]} في سياق التهديد بالإهلاك{[57596]} لأجل مخالفتهم ، وكان الإهلاك لذلك إنما كان لبعض من تقدم زمانهم لا لجميع الخلق ، أدخل الجار فقال : { والذين من قبلهم } أي [ من-{[57597]} ] مشاهير الأمر كمدين وأصحاب الأيكة والرس وثمود وعاد .
ولما كان كأنه قيل : ما لهؤلاء الأمم ؟ قيل : { أهلكناهم }{[57598]} أي بعظمتنا{[57599]} وإن كانوا عظماء لا يعسرهم{[57600]} هؤلاء فيما{[57601]} لهم من المكنة لقطعهم من أمر الله به أن يوصل من الرسل وأتباعهم ، وتكذيبهم بما أتوا به ، ولذلك علل الإهلاك تحذيراً للعرب بقوله مؤكداً لظنهم أن هلاكهم{[57602]} إنما هو على عادة الدهر : { إنهم كانوا } أي جبلة وطبعاً { مجرمين * } أي عريقين في الإجرام ، فليحذر هؤلاء إذا{[57603]} ارتكبوا مثل أفعالهم{[57604]} من مثل حالهم {[57605]}وأن يحل بهم ما حل بهم{[57606]} .