وفي انتظار قيام الجماعة بتزويج الأيامى يأمرهم بالاستعفاف حتى يغنيهم الله بالزواج : ( وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله ) . . ( والله واسع عليم ) . . لا يضيق على من يبتغي العفة ، وهو يعلم نيته وصلاحه .
وهكذا يواجه الإسلام المشكلة مواجهة عملية ؛ فيهيئ لكل فرد صالح للزواج أن يتزوج ؛ ولو كان عاجزا من ناحية المال . والمال هو العقبة الكؤود غالبا في طريق الإحصان .
ولما كان وجود الرقيق في الجماعة من شأنه أن يساعد على هبوط المستوى الخلقي ، وأن يعين على الترخص والإباحية بحكم ضعف حساسية الرقيق بالكرامة الإنسانية . وكان وجود الرقيق ضرورة إذ ذاك لمقابلة أعداء الإسلام بمثل ما يعاملون به أسرى المسلمين . لما كان الأمر كذلك عمل الإسلام على التخلص من الأرقاء كلما واتت الفرصة . حتى تتهيأ الأحوال العالمية لإلغاء نظام الرق كله ، فأوجب إجابة الرقيق إلى طلب المكاتبة على حريته . وذلك في مقابل مبلغ من المال يؤديه فينال حريته :
( والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم . إن علمتم فيهم خيرا ) . .
وآراء الفقهاء مختلفة في هذا الوجوب . ونحن نراه الأولى ؛ فهو يتمشى مع خط الإسلام الرئيسي في الحرية وفي كرامة الإنسانية . ومنذ المكاتبة يصبح مال الرقيق له ، وأجر عمله له ، ليوفي منه ما كاتب عليه ؛ ويجب له نصيب في الزكاة : ( وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ) . ذلك على شرط أن يعلم المولى في الرقيق خيرا . والخير هو الإسلام أولا . ثم هو القدرة على الكسب . فلا يتركه كلا على الناس بعد تحرره . وقد يلجأ إلى أحط الوسائل ليعيش ، ويكسب ما يقيم أوده . والإسلام نظام تكافل . وهو كذلك نظام واقع . فليس المهم أن يقال : إن الرقيق قد تحرر . وليست العنوانات هي التي تهمه . إنما تهمه الحقيقة الواقعة . ولن يتحرر الرقيق حقا إلا إذا قدر على الكسب بعد عتقه ؛ فلم يكن كلا على الناس ؛ ولم يلجأ إلى وسيلة قذرة يعيش منها ، ويبيع فيها ما هو أثمن من الحرية الشكلية وأغلى ، وهو أعتقه لتنظيف المجتمع لا لتلويثه من جديد ؛ بما هو أشد وأنكى .
وأخطر من وجود الرقيق في الجماعة ، احتراف بعض الرقيق للبغاء . وكان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة أرسلها تزني ؛ وجعل عليها ضريبة يأخذها منها - وهذا هو البغاء في صورته التي ما تزال معروفة حتى اليوم - فلما أراد الإسلام تطهير البيئة الإسلامية حرم الزنا بصفة عامة ؛ وخص هذه الحالة بنص خاص :
( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء . إن أردن تحصنا . لتبتغوا عرض الحياة الدنيا . ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ) .
فنهى الذين يكرهون فتياتهم على هذا المنكر ، ووبخهم على ابتغاء عرض الحياة الدنيا من هذا الوجه الخبيث . ووعد المكرهات بالمغفرة والرحمة ، بعد الإكراه الذي لا يد لهن فيه .
قال السدي : أنزلت هذه الآية الكريمة في عبد الله بن أبي بن سلول ، رأس المنافقين ، وكانت له جارية تدعى معاذة . وكان إذ نزل به ضيف أرسلها إليه ليواقعها ، إرادة الثواب منه ، والكرامة له . فأقبلت الجارية إلى أبي بكر - رضي الله عنه - فشكت إليه ذلك ؛ فذكره أبو بكر للنبي [ صلى الله عليه وسلم ] فأمره بقبضها . فصاح عبد الله بن أبي : من يعذرنا من محمد ? يغلبنا على مملوكتنا ! فأنزل الله فيهم هذا .
هذا النهي عن إكراه الفتيات على البغاء - وهن يردن العفة - ابتغاء المال الرخيص كان جزءا من خطة القرآن في تطهير البيئة الإسلامية ، وإغلاق السبل القذرة للتصريف الجنسي . ذلك أن وجود البغاء يغري الكثيرين لسهولته ؛ ولو لم يجدوه لانصرفوا إلى طلب هذه المتعة في محلها الكريم النظيف .
ولا عبرة بما يقال من أن البغاء صمام أمن ، يحمي البيوت الشريفة ؛ لأنه لا سبيل لمواجهة الحاجة الفطرية إلا بهذا العلاج القذر عند تعذر الزواج . أو تهجم الذئاب المسعورة على الأعراض المصونة ، إن لم تجد هذا الكلأ المباح !
إن في التفكير على هذا النحو قلبا للأسباب والنتائج . فالميل الجنسي يجب أن يظل نظيفا بريئا موجها إلى إمداد الحياة بالأجيال الجديدة . وعلى الجماعات أن تصلح نظمها الاقتصادية بحيث يكون كل فرد فيها في مستوى يسمح له بالحياة المعقولة وبالزواج . فإن وجدت بعد ذلك حالات شاذة عولجت هذه الحالات علاجا خاصا . . وبذلك لا تحتاج إلى البغاء ، وإلى إقامة مقاذر إنسانية ، يمر بها كل من يريد أن يتخفف من أعباء الجنس ، فيلقي فيها بالفضلات ، تحت سمع الجماعة وبصرها !
إن النظم الاقتصادية هي التي يجب أن تعالج ، بحيث لا تخرج مثل هذا النتن . ولا يكون فسادها حجة على ضرورة وجود المقاذر العامة ، في صور آدمية ذليلة .
وهذا ما يصنعه الإسلام بنظامه المتكامل النظيف العفيف ، الذي يصل الأرض بالسماء ، ويرفع البشرية إلى الأفق المشرق الوضيء المستمد من نور الله .
{ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( 33 ) } .
33 - وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ . . . الآية .
لا يجدون : لا يتمكنون من وسائله ، وهي المال وغيره .
الكتاب : والمكاتبة ، كالعتاب والمعاتبة ، يراد بها شرعا : إعتاق المملوك بعد أداء شيء من المال منجما ، أي : في موعدين أو أكثر ، فيقول له : كاتبتك على كذا درهم ، ويقبل المملوك ذلك ، فإذا أداه عتق وصار أحق بما كسبه ، كما صار أحق بنفسه .
الفتيات : واحدهن فتاة ، ويراد بالفتى والفتاة لغة : العبد والأمة .
لتبتغوا : لتطلبوا عرض الحياة ، أي : الكسب ، وبيع الأولاد .
هذه الآية حلقة من سلسة الأحكام التي جاءت بها سورة الأحزاب وأكملتها سورة النور . فقد حثت الآية السابقة على الزواج ، وأمرت بتيسير سبله ، والمعاونة على إتمامه وإنجاحه ، حتى يتم الأمن والاستقرار للفرد وللأسرة وللمجتمع .
وهنا يحث القرآن من عجز عن الزواج لأي سبب من الأسباب ، أن يبحث عن العفة ، وأن يتمسك بأسبابها ، ومن أسباب العفة غض البصر ، والبعد عن أسباب الفتنة والإثارة ، وشغل الذهن بعمل نافع كتلاوة القرآن والبحث العلمي والعمل المفيد .
وفي ( إحياء علوم الدين ) يذكر أبو حامد الغزالي خمس وسائل لتدريب الإنسان على الاستقامة ، وهي المشارطة ، والمراقبة ، والمعاتبة ، والمحاسبة ، والمعاقبة .
فالمشارطة : أن يشرط على نفسه صباح كل يوم أن يستقيم ، ويبتعد عن أسباب المعصية ومهيجاتها .
والمراقبة : أن يكون رقيبا على نفسه ، وأن يشعرها برقابة الله عليها . روي أن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – سار في الصحراء فاشتد به الجوع ، فوجد عبدا يرعى أغناما ، فقال له : بعنا شاة نتغذى بها .
فقال العبد : إن الشياه ليست لي ولكنها لسيدي ، فقال له عمر : قل له : أكلها الذئب ، فقال العبد : يا هذا ، فأين الله ؟ فاشتراه عمر وأعتقه ، وقال له : هذه كلمة أعتقتك في الدنيا ، وأرجو أن تعتقك يوم القيامة .
والمعاتبة : أن يعاتب نفسه إذا قصرت في واجبها ، أو انحرفت عن طريق الحق .
والمحاسبة : أن يحاسب نفسه كل ليلة فإن وجد خيرا حمد الله ، وإن وجد أنه ارتكب معصية أو تقصيرا في حق الله لام نفسه ، وأشعر قلبه الندم ، وجدد العزم على التوبة والاستقامة .
والمعاقبة : هي عقوبة الإنسان لنفسه على الذنب ، بالصيام أو القيام أو التلاوة ، أو أي عقوبة يراها مناسبة .
وهذه المعاني يستشهد لها الغزالي بآيات من كتاب الله ، وأحاديث نبوية ، وآثار من هدى السلف ، فالمراقبة يستشهد لها بقوله تعالى : إن الله كان عليكم رقيبا . ( النساء : 1 ) . وبقوله سبحانه : مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . ( المجادلة 7 ) . وقد أقسم الله بالنفس اللوامة ، وهي التي تلوم صاحبها على الذنب وتحثه على التوبة ، قال تعالى : لا أقسم بيوم القيامة * ولا أقسم بالنفس اللوامة . ( القيامة : 1 ، 2 ) .
ويقول سبحانه : اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا . الإسراء : 14 )
وفي الأثر : ( حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوها قبل أن توزنوا )184 .
ويقول تعالى : أحصاه الله ونسوه . . . ( المجادلة : 6 ) .
ويقول تعالى : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ . ( الزلزلة : 7 ، 8 ) .
العفة سلوك عملي في الحياة للفرد والجماعة ، وهي مرتبطة بالتربية الإسلامية ، وباحترام القيم والمبادئ التي جاء بها الإسلام ، ومن هذه المبادئ ما يأتي :
1 – الإيمان بالله واليوم الآخر : وهذا الإيمان وحده ينبعث عنه أكمل الصفات الإنسانية والاجتماعية : من الإيثار ، والتضحية ، والحب ، والرحمة ، وإسداء الجميل ، والتعاون على البر والتقوى ، واحتمال مشاق الجهاد ، والبذل في سبيل الحق والخير ، وإقرار المثل العليا في أرض الله185 .
2 – الالتزام بآداب الإسلام وأداء فرائضه والتمسك بأحكامه ، فالإسلام نظام شامل يشمل البيت والمدرسة والمسجد والحياة كلها .
وتنحصر نواحي الإصلاح التي جاء بها الإسلام في هذه الأصول .
( ب ) التسامي بالنفس الإنسانية .
( ج ) إعلان الأخوة بين الناس .
( ح ) النهوض بالرجل والمرأة جميعا ، وإعلان التكافل والمساواة بينهما ، وتحديد مهمة كل منهما تحديدا دقيقا .
( خ ) تأمين المجتمع بتقرير حق الحياة والملك والعمل والصحة ، والحرية والعلم والأمن لكل فرد ، وتحديد موارد الكسب .
( د ) ضبط الغريزتين : غريزة حفظ النفس ، وغريزة حفظ النوع ، وتنظيم مطالب الفم والفرج .
( ذ ) تأكيد وحدة الأمة ، والقضاء على كل مظاهر الفرقة وأسبابها186 .
1 – ( استعفف ) وزنه استفعل ، ومعناه : طلب أن يكون عفيفا ، فأمر الله تعالى بهذه الآية كل من تعذر عليه النكاح ، ولا يجده بأي وجه ، أن يستعفف ، ثم لما كان أغلب الموانع عن النكاح عدم المال ، وعد بالإغناء من فضله ، فيرزقه ما يتزوج به ، أو يجد امرأة ترضى باليسير من الصداق ، أو تزول عنه شهوة النساء .
2 – ظن جماعة من المفسرين أن المأمور بالاستعفاف هو من عدم المال الذي يتزوج به ، وفي هذا القول تخصيص المأمورين بالاستعفاف ، وذلك ضعيف ، بل الأمر بالاستعفاف موجه لكل من تعذر عليه النكاح بأي وجه تعذر ، والله تعالى أعلم .
3 – من تاقت نفسه إلى النكاح فإن وجد الطول فالمستحب له أن يتزوج ، وإن لم يجد الطول فعليه بالاستعفاف ، فإن أمن بالصوم فإن الصوم وجاء187 ، ومن لم تتق نفسه إلى النكاح فالأولى له التخلي لعبادة الله تعالى وفي الخبر : ( خيركم الخفيف الحاذ188 الذي لا أهل له ولا ولد ) .
ولما لم يجعل الله بين العفة والنكاح درجة ، دل على أن ما عداهما محرم ، ولا يدخل في ذلك ملك اليمين ، لأنه بنص آخر مباح وهو قوله تعالى : أو ما ملكت أيمانكم . . . ( النساء : 3 ) فجاءت فيه زيادة ، ويبقى على التحريم الاسثمناء ردا على أحمد ، وكذلك يخرج عنه نكاح المتعة بنسخه ، وقد تقدم هذا في أول ( المؤمنون )189 .
وقال القرطبي في أول سورة ( المؤمنون ) :
1 – قوله تعالى : وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ . ( المؤمنون : 5 ) . قال ابن العربي : من غريب القرآن أن هذه الآيات العشر عامة في الرجال والنساء ، كسائر ألفاظ القرآن التي هي محتملة لهم فإنها عامة فيهم ، إلا قوله : وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ . فإنما خوطب الرجال خاصة دون الزوجات ، بدليل قوله تعالى : إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ . . . ( المؤمنون : 6 ) . وإنما عرف حفظ المرأة فرجها من أدلة أخر كآيات الإحصان عموما وخصوصا ، وغير ذلك من الأدلة .
قلت : وعلى هذا التأويل في الآية ، فلا يحل لامرأة أن يطأها من تملكه إجماعا من العلماء ، لأنها غير داخلة في الآية ، ولكنها لو أعتقته بعد ملكها له جاز له أن يتزوجها ، كما يجوز لغيره عند الجمهور190 .
2 – قال محمد بن عبد الحكم : سمعت حرملة بن العزيز قال : سألت مالكا عن الرجل يجلد عميرة ، فتلا هذه الآية : وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ . إلى قوله : العادون . وهذا لأنهم يكنون عن الذكر بعميرة ، وفيه يقول الشاعر :
إذا حللت بواد لا أنيس به *** فاجلد عميرة لا داء ولا حرج
ويسميه أهل العراق الاستمناء ، استفعال من المنى ، وأحمد بن حنبل على ورعه يجوزه ، ويحتج بأنه إخراج فضلة من البدن فجاز عند الحاجة ، أصله الفصد والحجامة ، وعامة العلماء على تحريمه .
وقال بعض العلماء : إنه كالفاعل بنفسه ، وهي معصية أحدثها الشيطان ، وأجراها بين الناس حتى صارت قيلة ، ويا ليتها لم تقل ، ولو قام الدليل على جوازها لكان ذو المروءة يعرض عنها لدناءتها ، فإن قيل : إنها خير من نكاح الأمة ، قلنا : نكاح الأمة – ولو كانت كافرة على مذهب بعض العلماء – خير من هذا ، ولو كان قد قال به قائل أيضا ، ولكن الاستمناء ضعيف في الدليل ، عار بالرجل الدنئ ، فكيف بالرجل الكبير .
لقد وضح القرآن طريق التسامي بالغرائز ، والعفة والبعد عن المحرمات واجتناب الشبهات ، وحث المؤمن على أن يجاهد نفسه وهواه ، وأن يصبر على ترك المعصية قال تعالى : وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ . . .
وقد رسم القرآن من قصة يوسف مثلا أعلى للعفة والنزاهة والصبر ، ثم جعل الله يوسف على خزائن الأرض . ولما تنبه إخوته له :
قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ . ( يوسف : 90 ) .
وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ . . .
أي : والمماليك الأرقاء الذين يرغبون في الكتبة – وهي العتق على مال معين – فينبغي أن تحقق رغبتهم في الحرية ، إذا كان العبد قادرا على الكسب عن طريق شريف .
ولقد جاء الإسلام والرق ظاهرة اجتماعية سائدة ، ولو ألغى الإسلام الرق لأدى ذلك إلى اضطراب في المجتمع ، لأن هؤلاء العبيد كانوا قد تعودوا على حياتهم ، ولأنه من الصعب أن يخسر المالك صفقة كبيرة من المال دفعة واحدة .
ولقد لجأ الإسلام إلى تشجيع المسلمين على تحرير الأرقاء ، فجعل عتق الرقبة كفارة لكثير من الأشياء ، مثل كفارة اليمين والظهار والفطر في نهار رمضان ، وحث المؤمن عل عتق الرقبة ابتداء تقربا لله ، قال تعالى : فلا اقتحم العقبة * وما أدراك ما العقبة * فك رقبة * أو إطعام في يوم ذي مسغبة . ( البلد : 11 – 14 ) .
والآية التي نفسرها تشجيع على المكاتبة ، وهي وسيلة عملية للتحرير .
الكتاب والمكاتبة سواء ، مفاعلة مما لا تكون إلا بين اثنين ، لأنها معاقدة بين السيد وعبده ، يقال : كاتب يكاتب كتابا ومكاتبة ، كما يقال : قاتل قتالا ومقاتلة . فالكتاب في الآية مصدر ، كالقتال والجلاد والدفاع . وقيل : الكتاب ها هنا هو الكتاب المعروف ، الذي يكتب فيه الشيء ، وذلك أنهم كانوا إذا كاتبوا العبد كتبوا عليه وعلى أنفسهم بذلك كتابا ، يطلبون العتق الذي يكتب به الكتاب فيدفع إليهم .
والمكاتبة أن يقول السيد : كاتبتك . أي : جعلت عتقك مكتوبا على نفسي ، بمال كذا تؤديه في نجوم كذا ، ويقبل العبد ذلك ، فيصير مالكا لمكاسبه ولما يوهب له ، وإنما وجب معه الإمهال ، لأن الكسب لا يتصور بدونه ، واشترط النجوم لئلا تخلو تلك المدة عن الخدمة وعوضها جميعا ، وقوله تعالى : إن علمتم فيه خيرا . . . أي : كالأمانة ، لئلا يؤدوا النجوم من المال المسروق ، والقدرة على الكسب والصلاح ، فلا يؤذى أحدا بعد العتق .
في الآية مشروعية الكتابة ، وأنها مستحبة ، وقال أهل الظاهر : واجبة لظاهر الآية ، وأن لندبها أو وجوبها شرطين : طلب العبد لها ، وعلم الخير فيه ، وفسره مجاهد وغيره بالمال والحرفة والوفاء والصدق والأمانة .
4 – ظاهر الإطلاق في قوله تعالى : فكاتبوهم . جواز الكتابة سواء أكان البدل حالا أم مؤجلا بنجم واحد أو أكثر ، وإلى ذلك ذهب الحنفية ، ومنع الشافعية الكتابة على بدل حال ، قالوا : إن الكتابة تشعر بالتنجيم فتغني عن التقييد ، وأيضا لو عقدت الكتابة حالة توجهت المطالبة للمكاتب في الحال وليس له مال يؤدى منه ، فيعجز عن الأداء ؛ فيرد إلى الرق ولا يحصل مقصود الكتابة . وكذلك منع الشافعية الكتابة على أقل من نجمين ، وسندهم في ذلك أنه عقد إرفاق ومن تمام الإرفاق التنجيم ، ومع أن هذا الرأي مروى عن عمر وعثمان وابن عمر ، تراه خلاف ظاهر الآية ، ومستند الشافعية فيه ليس بالقوي191 .
وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ . . .
أي : أعطوا – أيها السادة – المكاتبين شيئا من مال الله الذي أعطاكم ، وليس لكم فضل فيه ، فإن الله ربكم ورب عبيدكم . وأعطوا – أيها الحكام – المكاتبين سهامهم ، التي جعلها الله لهم في بيت المال ، في مصارف الزكاة يقول الله تعالى : وفي الرقاب . . . ( التوبة : 60 ) أي : في تحرير الأرقاء ، وفيه الأمر لعامة المسلمين بأن يساعدوا بسعة قلوبهم ، أيما مكاتب يطلب منهم المعونة لأداء ما عليه من مال الكتابة .
وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ .
روى جابر بن عبد الله ، وابن عباس – رضي الله عنهم – أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن أبي ، وكانت له جاريتان ، إحداهما تسمى معاذة والأخرى مسيكة ، وكان يكرههما على الزنا ويضربهما عليه ابتغاء الأجر وكسب الولد ، فشكتا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؛ فنزلت الآية فيه وفيمن فعل فعله من المنافقين ، ومعاذة هذه أم خولة التي جادلت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في زوجها192 .
وقد وردت أكثر من رواية في سبب نزول الآية ، عن ابن عباس : أن أهل الجاهلية كانوا يكرهون إماءهم على الزنا ، ويأخذون أجورهم ، فنهوا عن ذلك في الإسلام ونزلت الآية . وقيل : نزلت في رجلين كانا يكرهان أمتين لهما على الزنا ، أحدهما عبد الله بن أبي ، وقيل : كان له ست جوار أكرههن على البغاء ، وضرب عليهن ضرائب ، فشكت اثنتان منهن ؛ فنزلت الآية .
ولا سبيل إلى تخصيص الآية بمن نزلت فيه ، بل هي عامة في سائر المكلفين ؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .
يطلق البغاء على الفجور ، أو بيع العرض وهو الزنا ، وكان البغاء في بلاد العرب على وجهين : البغاء في صورة النكاح ، والبغاء العام . ويمكن إلقاء ضوء عليهما فيما يأتي :
كانت تحترف به الجارية التي نالت حريتها وليس لها من يكفلها ، والحرة التي ليس لها بيت أو أسرة تضمها ، فكانت إحداهن تجلس في البيت ، وتعاهد في آن واحد عدة رجال على أن ينفقوا عليها ، ويقوموا بأمرها ، ويقضوا منها حاجاتهم ، فإذا حملت ووضعت ومر ليال بعد أن تضع حملها ، أرسلت إليهم حتى يجتمعوا عندها ؛ فتقول لهم : قد عرفتم الذي كان من أمركم ، وقد ولدت وهو ابنك يا فلان ، فتسمي من أحبت منهم باسمه ، فيلحق به ولدها ، فكان هذا وجها من وجوه النكاح التي يتناكح بها أهل الجاهلية قبل الإسلام ، وربما سمى زواج العشرة ، نسبة إلى عدد الرجال الذين يتعاهدون المرأة ويقضون منها حاجاتهم .
ومن أنواع الزواج في الجاهلية زواج البضع ، ومنه زواج الشغار ، وغير ذلك . فلما جاء الإسلام ؛ أبطل جميع وجوه النكاح الرائجة في أهل الجاهلية ، ولم يقر منها إلا الزواج المعروف ، الذي لا يكون للمرأة فيه إلا زوج واحد معلوم .
أما البغاء العام فإن معظمه كان يتم بواسطة الإماء ، وهو على وجهين أيضا :
الأول : أن الناس كانوا يفرضون على الإماء الشابات مبلغا كبيرا من المال يتقاضونه منهن في كل شهر ، فكن يكسبن بالفجور ، لأنه لم يكن في وجوههن طريق غيره لكسب هذا المبلغ الكبير .
الثاني : يتم بأن يجلس الناس الشابات من إمائهم في الغرفات ، وينصبوا على أبوابهن رايات تكون علما لمن أراد أن يقضي منهن حاجته ، فكان هؤلاء النساء يعرفن بالقليقيات ، ويقال لبيوتهن : المواخير ، فكان لكثير من الرؤساء والوجهاء في العرب ، مثل هذه البيوت قبل الإسلام . وهذا عبد الله بن أبي رأس النفاق ، كان له ست إماء شابات جميلات يكرههن على البغاء طلبا لكسبهن ، ورغبة في أولادهن ليكثر منهم خدمه وحشمه ، وكان يقدمهن لمن ينزل عليه من الضيوف ، إرادة الثواب منهم والكرامة لهم . وقد ورد في سبب نزول الآية : أن إحدى هؤلاء الجواري أسلمت وأرادت التوبة ، ولكن عبد الله بن أبي أجبرها على البغاء فأنزل الله – عز وجل – هذه الآية .
إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا . . .
لقد حرم الله البغاء في جميع الظروف والأحوال ، ولكنه نص على هذه الحالة مراعاة لسبب النزول وزيادة في تقبيح حالهم ، والتشنيع عليهم ، فإن ذا المروءة لا يرضى بفجور من يحويه بيته من إمائه ، فضلا عن أمرهن بذلك وإكراههن عليه ، ولا سيما عند إرادة التعفف والرغبة فيه .
لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا . . .
أي : لا تفعلوا ذلك رغبة في متاع زائل من عرض الحياة الدنيا ، والبغاء محرم أصلا سواء رغب في عرض الحياة الدنيا أم لم يرغب ، فليس هو مدار النهي ، ( بل ذكر هنا لأنه المعتاد فيما بينهم ، كما قبله ، جيء به تشنيعا لهم فيما هم عليه من احتمال الوزر الكبير ، لأجل النزر الحقير ، أي : لا تفعلوا ما أنتم عليه من إكراههن على البغاء لطلب المتاع السريع الزوال الوشيك الاضمحلال ، يعني من كسبهن وأولادهن )193 .
وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ .
أي : ومن يكرههن على البغاء فإن الله غفور رحيم لهن من بعد إكراههن ، والذنب على المكره لهن .
وكان الحسن إذا قرأ الآية قال : لهن والله ، لهن والله .
واختار بعض العلماء أن المعنى : فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ . لهم ، أي : للمكرهين ، وجعل ذلك مشروطا بالتوبة ، وهو تأويل ضعيف لأن فيه تهوين أمر الإكراه على الزنا ، والمقام مقام تهويل وتشنيع على المكرهين ، خاصة إذا أدركنا أن سبب النزول إسلام فتاة من فتيات عبد الله بن أبي ؛ ورغبتها في الطهارة ، ثم إكراهها على الزنا .
فكان الآية تأخذ بيد هذه الفتاة المسلمة ، وترفع عنها ذلة الإثم والمعصية ، وتشجعها على التوبة والاستقامة ، ما دامت صادقة الإيمان مستمسكة بالإسلام .
وردت أحاديث نبوية صحيحة ، تنهي عن البغاء وتحرم ثمنه ، وتحث على إغلاق أبواب هذه التجارة المحرمة ، وتلزم المسلم ألا يأكل من كسب الأمة إلا إذا كان كسبا حلالا ، وعملا شريفا . فالزنا في حد ذاته حرام ، ودفع المال للزانية حرام أيضا ، والإسلام بهذا يغلق الأبواب أمام هذا الشر المستطير ، حتى يبحث المؤمن عن الزوجة والأسرة وإشباع العاطفة عن طريق مشروع .
روى الجماعة ، والإمام أحمد في مسنده ، عن أبي مسعود عقبة بن عمرو : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حرم مهر البغي194 .
وروى أبو داود ، والترمذي ، وأحمد ، والنسائي ، عن رافع بن خديج : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال عن مهر البغي – أي أجرة الزانية - : ( إنه خبيث وشر المكاسب )195 .
وروى أبو داود في كتاب الإجارة ، عن رافع بن خديج أنه قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن كسب الأمة حتى يعلم من أين هو196 .
وروى أحمد ، وأبو داود في كتاب الإجارة ، عن طارق بن عبد الرحمن القرشي ، قال : جاء رافع بن رفاعة إلى مجلس الأنصار فقال : نهانا نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم اليوم ، فذكر أشياء ، ونهى عن كسب الأمة إلا ما عملت بيدها ، وقال هكذا بإصبعه نحو الخبز والغزل والنفش197 .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: "وليَسْتَعْفِف الّذِينَ لا يَجِدُون "ما ينكحون به النساء عن إتيان ما حرّم الله عليهم من الفواحش، "حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللّهُ مِنْ "سعة "فَضْلِهِ"، ويوسّع عليهم من رزقه.
وقوله: "وَالّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ"، يقول جلّ ثناؤه: والذين يلتمسون المكاتبة منكم من مماليككم، "فكاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهمْ خَيْرا".
واختلف أهل العلم في وجه مكاتبة الرجل عبده الذي قد علم فيه خيرا، وهل قوله: "فَكاتِبُوهُم إنْ عَلِمْتُمْ فيهِمْ خَيْرا" على وجه الفرض أم هو على وجه الندب؟ فقال بعضهم: فرض على الرجل أن يكاتب عبده الذي قد علم فيه خيرا إذا سأله العبد ذلك...
وقال آخرون: ذلك غير واجب على السيد، وإنما قوله: "فَكاتِبُوهُمْ": نَدْب من الله سادَة العبيد إلى كتابة من علم فيه منهم خير، لا إيجاب...
وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: واجب على سيد العبد أن يكاتبه إذا علم فيه خيرا وسأله العبد الكتابة، وذلك أن ظاهر قوله: "فَكاتِبُوهُمْ" ظاهر أمر، وأمر الله فرضٌ الانتهاء إليه، ما لم يكن دليلٌ من كتاب أو سنة على أنه ندب، لما قد بيّنا من العلة في كتابنا المسمى «البيان عن أصول الأحكام».
وأما الخير الذي أمر الله تعالى ذكره عباده بكتابة عبيدهم إذا علموه فيهم، فهو القُدْرة على الاحتراف والكسب لأداء ما كوتبوا عليه...
وقال آخرون: بل معنى ذلك: إن علمتم فيهم صدقا ووفاء وأداء... وقال آخرون بل معنى ذلك: إن علمتم لهم مالاً...
وأولى هذه الأقوال في معنى ذلك عندي قول من قال: معناه: فكاتبوهم إن علمتم فيهم قوّة على الاحتراف والاكتساب ووفاء بما أوجب على نفسه وألزمها وصدق لهجة. وذلك أن هذه المعاني هي الأسباب التي بمولى العبد الحاجةُ إليها إذا كاتب عبده مما يكون في العبد فأما المال وإن كان من الخير، فإنه لا يكون في العبد وإنما يكون عنده أو له لا فيه، والله إنما أوجب علينا مكاتبة العبد إذا علمنا فيه خيرا لا إذا علمنا عنده أو له، فلذلك لم نقل: إن الخير في هذا الموضع معنيّ به المال.
وقوله: "وآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللّهِ الّذِي آتاكُمْ" يقول تعالى ذكره: وأعطُوهم من مال الله الذي أعطاكم.
ثم اختلف أهل التأويل في المأمور بإعطائه من مال الله الذي أعطاه مَنْ هو؟ وفي المال أيّ الأموال هو؟
فقال بعضهم: الذي أمر الله بإعطاء المكاتب من مال الله هو مولَى العبد المكاتَب، ومال الله الذي أُمر بإعطائه منه هو مال الكِتابة، والقدر الذي أمر أن يعطيه منه الربع.
وقال آخرون: بل ما شاء من ذلك المولى... وقال آخرون: بل ذلك حضّ من الله أهل الأموال على أن يعطوهم سهمهم الذي جعله لهم من الصدقات المفروضة لهم في أموالهم بقوله: "إنّمَا الصّدَقاتُ للْفُقَرَاءِ وَالمَساكِينِ والعامِلِينَ عَلَيْها والمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهمْ وفِي الرّقابِ" قال: فالرّقاب التي جعل فيها أحد سُهْمان الصدقة الثمانية هم المكاتَبون، قال: وإياه عنى جلّ ثناؤه بقوله: "وآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللّهِ الّذِي آتاكُمْ": أي سَهمْهم من الصدقة...
وأولى القولين بالصواب في ذلك عندي القول الثاني، وهو قول من قال: عَنَى به إيتاءَهم سهمهم من الصدقة المفروضة.
وإنما قلنا ذلك أولى القولين لأن قوله: "وآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللّهِ الّذِي آتاكُمْ" أمر من الله تعالى ذكره بإيتاء المكاتَبِين من ماله الذي آتى أهل الأموال، وأمر الله فرض على عباده الانتهاءُ إليه، ما لم يخبرهم أن مراده الندْب، لما قد بيّنا في غير موضع من كتابنا. فإذ كان ذلك كذلك، ولم يكن أخبرنا في كتابه ولا على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أنه نَدْب، ففرض واجب. وإذ كان ذلك كذلك، وكانت الحجة قد قامت أن لا حقّ لأحد في مال أحد غيره من المسلمين إلاّ ما أوجبه الله لأهل سُهمان الصدقة في أموال الأغنياء منهم، وكانت الكتابة التي يقتضيها سيد المكاتَب من مكاتَبِه مالاً من مال سيد المكاتَب فيفاد أن الحقّ الذي أوجب الله له على المؤمنين أن يؤتوه من أموالهم هو ما فُرِض على الأغنياء في أموالهم له من الصدقة المفروضة، إذ كان لا حقّ في أموالهم لأحد سواها.
القول في تأويل قوله تعالى: "وَلْيَسْتَعْفِفِ الّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتّىَ يُغْنِيَهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَالّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مّن مّالِ اللّهِ الّذِيَ آتَاكُمْ وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصّناً لّتَبْتَغُواْ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَمَن يُكْرِههُنّ فِإِنّ اللّهِ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنّ غَفُورٌ رّحِيمٌ}.
يقول تعالى ذكره: زَوّجوا الصالحين من عبادكم وإمائكم ولا تُكْرهوا إماءَكم على البغاء، وهو الزنا إنْ أرَدْنَ تَحَصّنا يقول: إن أردن تعففا عن الزنا.
"لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ الدّنْيا" يقول: لتلتمسوا بإكراهكم إياهنّ على الزنا عَرَض الحياة، وذلك ما تعرِض لهم إليه الحاجة من رِياشها وزينتها وأموالها. "وَمَنْ يُكْرِهْهُنّ" يقول: ومن يُكْره فَتياته على البغاء، فإن الله من بعد إكراهه إياهن على ذلك، لهم "غَفُورٌ رَحِيمٌ"، ووِزْر ما كان من ذلك عليهم دونهن.
وذُكر أن هذه الآية أنزلت في عبد الله بن أبيّ ابن سَلَول حين أكره أمته مُسَيكة على الزنا...
النكت و العيون للماوردي 450 هـ :
والعفة في العرف الامتناع عن الزنى وإن جاز أن يستعمل في الامتناع من كل فاحشة... {الذين لا يجدون نكاحا} يعني لا يقدرون عليه مع الحاجة إليه لإعسار إما بصداق أو نفقة...
{حَتَّى يَغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ}...
{وَالَّذيَنَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِم خَيْراً} أما الكتاب المبتغى هنا هو كتابة العبد والأمة على مال إذا أدياه عتقا به وكانا قبله مالكين للكسب ليؤدى في العتق، فإن تراضى السيد والعبد عليها جاز، وإن دعا السيد إليها لم يجبر العبد عليها...
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير 456 هـ :
واختلف الناس في الخير؛ فقالت طائفة: المال، وقالت طائفة: الدين. فنظرنا في ذلك فوجدنا موضوع كلام العرب الذي به نزل القرآن، قال تعالى: {بلسان عربي مبين} أنه تعالى لو أراد المال لقال: أن علمتم لهم خيرا، أو عندهم خيرا، أو معهم خيرا؛ لأن بهذه الحروف يضاف المال إلى من هو له في لغة العرب. ولا يقال أصلا: في فلان مال، فلما قال تعالى: {إن علمتم فيهم خيرا} علمنا أنه تعالى لم يرد المال. فصح أنه الدين. اه
جهود ابن عبد البر في التفسير 463 هـ :
{وآتوهم من مال الله}، لم يرد به سيدي المكاتبين؛ وإنما هو خطاب عام للناس، مقصود به إلى من أتاه الله مالا تجب فيه زكاة. فأعلم الله عباده أن وضع الزكاة في العبد المكاتب جائز وإن كان لا يؤمن عليه العجز، وخصه من بين سائر العبيد بذلك، فجعل للمكاتبين حقا في الزكوات بقوله: {وفي الرقاب} قالوا: وهذا هو الوجه الذي يجب الاعتماد عليه في الإيتاء المذكور في الآية... ومعروف في نظام القرآن أن يسبق بضمير على غيره كما قال: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن}، والمأمور بالعضل: الأولياء لا المطلقون، ومثله قوله: {أولئك مبرءون مما يقولون}، والمبرؤون غير القائلين، وهذا كثير في القرآن.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
مَنْ تَقاصر وسعهُ عن الإنفاق على العيال فليصبر على مقاساة التحمل في الحال، فَعَنْ قريبٍ تجيبه نَفْسُه إلى سقوط الأرب، أو الحق -سبحانه- يجود عليه بتسهيل السبب من حيث لا يَحْتَسِب، ولا تخلو حالُ المتعفِّفِ عن هذه الوجوه...
{وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خْيرَاً وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الذي ءَاتاكُمْ}. أي إن سَمَحَتْ نفوسكم بإزالة الرِّقِّ عن المماليك -الذين هم في الدين إخوانكم- من غير عِوَضِ تلاحظون منهم فلن تخسروا على الله في صفقتكم. وإن أبيتم إلا العوض ودعوا إلى الكتابة، وعلمتم بغالب ظنكم صحة الوفاء بمال الكتابة من قِبَلِهم فكاتبوهم ثم تعاونوا على تحصيل المقصود بكل وجهٍ؛ من قدْرٍ يحط من مال الكتابة، وإعانةٍ لهم من فروض الزكاة، وإمهالٍ بِقَدر ما يحتمل المكاتب ليكون ترفيهاً له.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{وَلْيَسْتَعْفِفِ} وليجتهد في العفة وظلف النفس، كأن المستعف طالب من نفسه العفاف وحاملها عليه {لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً} أي استطاعة تزوج. ويجوز أن يراد بالنكاح: ما ينكح به من المال {حتى يُغْنِيَهُمُ الله} ترجية للمستعفين وتقدمة وعد بالتفضل عليهم بالغنى، ليكون انتظار ذلك وتأميله لطفاً لهم في استعفافهم، وربطاً على قلوبهم، وليظهر بذلك أن فضله أولى بالإعفاء وأدنى من الصلحاء، وما أحسن ما رتب هذه الأوامر: حيث أمر أولاً بما يعصم من الفتنة ويبعد [من] مواقعة المعصية وهو غضّ البصر، ثم بالنكاح الذي يحصن به الدين ويقع به الاستغناء بالحلال عن الحرام، ثم بالحمل على النفس الأمارة بالسوء وعزفها عن الطموح إلى الشهوة عند العجز عن النكاح إلى أن يرزق القدرة عليه.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
«استعف» وزنه استفعل ومعناه طلب أن يكون عفيفاً...وقالت جماعة من المفسرين «النكاح» في هذه الآية اسم ما يمهر وينفق في الزواج كاللحاف واللباس لما يلتحف به ويلبس...
{وآتوهم} للناس أجمعين في أن يتصدقوا على المكاتبين وأن يعينوهم في فكاك رقابهم.
أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إنْ كَانَ النِّكَاحُ فِي الْآيَةِ الْأُولَى مُخْتَلَفًا فِيهِ مَا بَيْنَ وُجُوبٍ وَنَدْبٍ وَإِبَاحَةٍ فَالِاسْتِعْفَافُ لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِهِ لِأَجْلِ أَنَّهُ إمْسَاكٌ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ؛ وَاجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ وَاجِبٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: لَمَّا لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ بَيْنَ الْعِفَّةِ وَالنِّكَاحِ دَرَجَةً دَلَّ عَلَى أَنَّ مَا عَدَاهُمَا مُحَرَّمٌ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ مِلْكُ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّهُ بِنَصٍّ آخَرَ مُبَاحٌ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}، فَجَاءَتْ فِيهِ زِيَادَةُ هَذِهِ الْإِبَاحَةِ بِآيَةٍ فِي آيَةٍ، وَيَبْقَى عَلَى التَّحْرِيمِ الِاسْتِمْنَاءُ رَدًّا عَلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَكَذَلِكَ يَخْرُجُ عَنْهُ نِكَاحُ الْمُتْعَةِ لِنَسْخِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْله تَعَالَى: {لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا} يَعْنِي يَقْدِرُونَ، وَعَبَّرَ عَنْ الْقُدْرَةِ بِالْوُجُودِ...
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
{وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} هذا حكم العاجز عن النكاح، أمره الله أن يستعفف، أن يكف عن المحرم، ويفعل الأسباب التي تكفه عنه، من صرف دواعي قلبه بالأفكار التي تخطر بإيقاعه فيه، ويفعل أيضا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء".
{الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا} أي: لا يقدرون نكاحا، إما لفقرهم أو فقر أوليائهم وأسيادهم، أو امتناعهم من تزويجهم [وليس لهم] من قدرة على إجبارهم على ذلك، وهذا التقدير، أحسن من تقدير من قدر "لا يجدون مهر نكاح"...
{إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ} أي: في الطالبين للكتابة {خَيْرًا} أي: قدرة على التكسب، وصلاحا في دينه، لأن في الكتابة تحصيل المصلحتين، مصلحة العتق والحرية، ومصلحة العوض الذي يبذله في فداء نفسه. وربما جد واجتهد، وأدرك لسيده في مدة الكتابة من المال ما لا يحصل في رقه، فلا يكون ضرر على السيد في كتابته، مع حصول عظيم المنفعة للعبد، فلذلك أمر الله بالكتابة على هذا الوجه أمر إيجاب، كما هو الظاهر، أو أمر استحباب على القول الآخر، وأمر بمعاونتهم على كتابتهم، لكونهم محتاجين لذلك، بسبب أنهم لا مال لهم، فقال: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} يدخل في ذلك أمر سيده الذي كاتبه، أن يعطيه من كتابته أو يسقط عنه منها، وأمر الناس بمعونتهم...
{مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} أي: فكما أن المال مال الله، وإنما الذي بأيديكم عطية من الله لكم ومحض منه، فأحسنوا لعباد الله، كما أحسن الله إليكم.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وفي انتظار قيام الجماعة بتزويج الأيامى يأمرهم بالاستعفاف حتى يغنيهم الله بالزواج: (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله).. (والله واسع عليم).. لا يضيق على من يبتغي العفة، وهو يعلم نيته وصلاحه.
وهكذا يواجه الإسلام المشكلة مواجهة عملية؛ فيهيئ لكل فرد صالح للزواج أن يتزوج؛ ولو كان عاجزا من ناحية المال. والمال هو العقبة الكؤود غالبا في طريق الإحصان.
ولما كان وجود الرقيق في الجماعة من شأنه أن يساعد على هبوط المستوى الخلقي، وأن يعين على الترخص والإباحية بحكم ضعف حساسية الرقيق بالكرامة الإنسانية. وكان وجود الرقيق ضرورة إذ ذاك لمقابلة أعداء الإسلام بمثل ما يعاملون به أسرى المسلمين. لما كان الأمر كذلك عمل الإسلام على التخلص من الأرقاء كلما واتت الفرصة. حتى تتهيأ الأحوال العالمية لإلغاء نظام الرق كله، فأوجب إجابة الرقيق إلى طلب المكاتبة على حريته. وذلك في مقابل مبلغ من المال يؤديه فينال حريته:
(والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم. إن علمتم فيهم خيرا)..
وآراء الفقهاء مختلفة في هذا الوجوب. ونحن نراه الأولى؛ فهو يتمشى مع خط الإسلام الرئيسي في الحرية وفي كرامة الإنسانية. ومنذ المكاتبة يصبح مال الرقيق له، وأجر عمله له، ليوفي منه ما كاتب عليه؛ ويجب له نصيب في الزكاة: (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم). ذلك على شرط أن يعلم المولى في الرقيق خيرا. والخير هو الإسلام أولا. ثم هو القدرة على الكسب. فلا يتركه كلا على الناس بعد تحرره. وقد يلجأ إلى أحط الوسائل ليعيش، ويكسب ما يقيم أوده. والإسلام نظام تكافل. وهو كذلك نظام واقع. فليس المهم أن يقال: إن الرقيق قد تحرر. وليست العنوانات هي التي تهمه. إنما تهمه الحقيقة الواقعة. ولن يتحرر الرقيق حقا إلا إذا قدر على الكسب بعد عتقه؛ فلم يكن كلا على الناس؛ ولم يلجأ إلى وسيلة قذرة يعيش منها، ويبيع فيها ما هو أثمن من الحرية الشكلية وأغلى، وهو أعتقه لتنظيف المجتمع لا لتلويثه من جديد؛ بما هو أشد وأنكى.
وأخطر من وجود الرقيق في الجماعة، احتراف بعض الرقيق للبغاء. وكان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة أرسلها تزني؛ وجعل عليها ضريبة يأخذها منها -وهذا هو البغاء في صورته التي ما تزال معروفة حتى اليوم- فلما أراد الإسلام تطهير البيئة الإسلامية حرم الزنا بصفة عامة؛ وخص هذه الحالة بنص خاص:
(ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء. إن أردن تحصنا. لتبتغوا عرض الحياة الدنيا. ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم).
فنهى الذين يكرهون فتياتهم على هذا المنكر، ووبخهم على ابتغاء عرض الحياة الدنيا من هذا الوجه الخبيث. ووعد المكرهات بالمغفرة والرحمة، بعد الإكراه الذي لا يد لهن فيه.
قال السدي: أنزلت هذه الآية الكريمة في عبد الله بن أبي بن سلول، رأس المنافقين، وكانت له جارية تدعى معاذة. وكان إذ نزل به ضيف أرسلها إليه ليواقعها، إرادة الثواب منه، والكرامة له. فأقبلت الجارية إلى أبي بكر -رضي الله عنه- فشكت إليه ذلك؛ فذكره أبو بكر للنبي [صلى الله عليه وسلم] فأمره بقبضها. فصاح عبد الله بن أبي: من يعذرنا من محمد؟ يغلبنا على مملوكتنا! فأنزل الله فيهم هذا.
هذا النهي عن إكراه الفتيات على البغاء -وهن يردن العفة- ابتغاء المال الرخيص كان جزءا من خطة القرآن في تطهير البيئة الإسلامية، وإغلاق السبل القذرة للتصريف الجنسي. ذلك أن وجود البغاء يغري الكثيرين لسهولته؛ ولو لم يجدوه لانصرفوا إلى طلب هذه المتعة في محلها الكريم النظيف.
ولا عبرة بما يقال من أن البغاء صمام أمن، يحمي البيوت الشريفة؛ لأنه لا سبيل لمواجهة الحاجة الفطرية إلا بهذا العلاج القذر عند تعذر الزواج. أو تهجم الذئاب المسعورة على الأعراض المصونة، إن لم تجد هذا الكلأ المباح!
إن في التفكير على هذا النحو قلبا للأسباب والنتائج. فالميل الجنسي يجب أن يظل نظيفا بريئا موجها إلى إمداد الحياة بالأجيال الجديدة. وعلى الجماعات أن تصلح نظمها الاقتصادية بحيث يكون كل فرد فيها في مستوى يسمح له بالحياة المعقولة وبالزواج. فإن وجدت بعد ذلك حالات شاذة عولجت هذه الحالات علاجا خاصا.. وبذلك لا تحتاج إلى البغاء، وإلى إقامة مقاذر إنسانية، يمر بها كل من يريد أن يتخفف من أعباء الجنس، فيلقي فيها بالفضلات، تحت سمع الجماعة وبصرها!
إن النظم الاقتصادية هي التي يجب أن تعالج، بحيث لا تخرج مثل هذا النتن. ولا يكون فسادها حجة على ضرورة وجود المقاذر العامة، في صور آدمية ذليلة.
وهذا ما يصنعه الإسلام بنظامه المتكامل النظيف العفيف، الذي يصل الأرض بالسماء، ويرفع البشرية إلى الأفق المشرق الوضيء المستمد من نور الله.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
{إن علمتم فيهم خيراً} إن ظننتم أنهم لا يبتغون بذلك إلا تحرير أنفسهم ولا يبتغون بذلك تمكناً من الإباق، وذلك الخير بالقدرة على الاكتساب وبصفة الأمانة ولا يلزم أن يتحقق دوام ذلك لأنه إن عجز عن إكمال ما عليه رجع عبداً كما كان...
والظاهر أن الخطاب في قوله: {وآتوهم من مال الله الذي ءاتاكم} موجه إلى سادة العبيد ليتناسق الخطابان وهو أمر للسادة بإعانة مكاتبيهم بالمال الذي أنعم الله به عليهم فيكون ذلك بالتخفيف عنهم من مقدار المال الذي وقع التكاتب عليه...
وهذا التخفيف أطلق عليه لفظ (الإيتاء) وليس ثمة إيتاء ولكنه لما كان إسقاطاً لما وجب على المكاتب كان ذلك بمنزلة الإعطاء...وقال بعض المفسرين: الخطاب في قوله: {وءاتوهم} للمسلمين. أمرهم الله بإعانة المكاتبين. والأمر محمول على الندب عند أكثر العلماء، وحمله الشافعي على الوجوب...
وإضافة المال إلى الله لأنه ميسر أسباب تحصيله. وفيه إيماء إلى أن الإعطاء من ذلك المال شكر والإمساك جحد للنعمة قد يتعرض به الممسك لتسلب النعمة عنه.