في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ} (102)

93

وبعد هذا التحذير من التلقي عن أهل الكتاب وطاعتهم واتباعهم ينادي الله الجماعة المسلمة ويوجهها إلى القاعدتين الأساسيتين اللتين تقوم عليهما حياتها ومنهجها . واللتين لا بد منهما لكي تستطيع أن تضطلع بالأمانة الضخمة التي ناطها الله بها ، وأخرجها للوجود من أجلها . . هاتان القاعدتان المتلازمتان هما : الإيمان . والأخوة . . الإيمان بالله وتقواه ومراقبته في كل لحظة من لحظات الحياة . والأخوة في الله ، تلك التي تجعل من الجماعة المسلمة بنية حية قوية صامدة ، قادرة على أداء دورها العظيم في الحياة البشرية ، وفي التاريخ الإنساني : دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وإقامة الحياة على أساس المعروف وتطهيرها من لوثة المنكر :

( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون . واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ، واذكروا نعمة الله عليكم : إذ كنتم أعداء ، فألف بين قلوبكم ، فأصبحتم بنعمته إخوانا . وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها . كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون . ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ، ويأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ، وأولئك هم المفلحون . ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ، وأولئك لهم عذاب عظيم . يوم تبيض وجوه وتسود وجوه . فأما الذين اسودت وجوههم : أكفرتم بعد إيمانكم ؟ فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون . وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون ) . .

إنهما ركيزتان تقوم عليهما الجماعة المسلمة ، وتؤدي بهما دورها الشاق العظيم . فإذا انهارت واحدة منهما لم تكن هناك جماعة مسلمة ، ولم يكن هنالك دور لها تؤديه :

ركيزة الإيمان والتقوى أولا . . التقوى التي تبلغ أن توفي بحق الله الجليل . . التقوى الدائمة اليقظة التي لا تغفل ولا تفتر لحظة من لحظات العمر حتى يبلغ الكتاب أجله :

( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ) . .

اتقوا الله - كما يحق له أن يتقى - وهي هكذا بدون تحديد تدع القلب مجتهدا في بلوغها كما يتصورها وكما يطيقها . وكلما أوغل القلب في هذا الطريق تكشفت له آفاق ، وجدت له أشواق . وكلما اقترب بتقواه من الله ، تيقظ شوقه إلى مقام أرفع مما بلغ ، وإلى مرتبة وراء ما ارتقى . وتطلع إلى المقام الذي يستيقظ فيه قلبه فلا ينام !

( ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) . .

والموت غيب لا يدري إنسان متى يدركه . فمن أراد ألا يموت إلا مسلما فسبيله أن يكون منذ اللحظة مسلما ، وأن يكون في كل لحظة مسلما . وذكر الإسلام بعد التقوى يشي بمعناه الواسع : الاستسلام . الاستسلام لله ، طاعة له ، واتباعا لمنهجه ، واحتكاما إلى كتابه . وهو المعنى الذي تقرره السورة كلها في كل موضع منها ، على نحو ما أسلفنا .

هذه هي الركيزة الأولى التي تقوم عليها الجماعة المسلمة لتحقق وجودها وتؤدي دورها . إذ أنه بدون هذه الركيزة يكون كل تجمع تجمعا جاهليا . ولا يكون هناك منهج لله تتجمع عليه أمة ، إنما تكون هناك مناهج جاهلية . ولا تكون هناك قيادة راشدة في الأرض للبشرية ، إنما تكون القيادة للجاهلية .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ} (102)

{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف الله بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون }

المفردات :

حق تقاته : أي حق تقواه .

التفسير :

102- { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } .

التقوى هي الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والاستعداد ليوم الرحيل .

وقيل التقوى : هي ألا يراك حيث نهاك ولا يفقدك حيث أمرك .

ومعنى الآية : راقبوا الله تعالى وأطيعوا أمره واجتنبوا مخالفته بحيث يطاع ولا يعصى ويذكر ولا ينسى ويشكر ولا يكفر به .

{ ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } أي لا تقابلوا ربكم إلا وأنتم على حالة الإسلام الصحيح .

والمراد : داوموا على التخلق بأخلاق الإسلام لان من شب على شيء شاب عليه ومن شاب على شيء مات عليه والمراد ومن مات على شيء بعث عليه .

قال الزمخشري في الكشاف : ولا تموتن معناه ولا تكونن على حال سوي حال الإسلام إذا أدرككم الموت وذلك كأن تقول لمن تستعين به على لقاء العدو لا تاتي إلا وانت على حصان فأنت لا تنهاه عن الإتيان ولكنك تنهاه عن خلاف الحال التي شرطت عليه وقت الإتيان .

وذهب بعض المفسرون إلى أن هذه الآية منسوخة نسختها الآية الكريمة : { فاتقوا الله ما استطعتم } ( التغابن 16 ) والجمهور على انها غير منسوخة .

قال النيسابوري :

لما حذر الله المؤمنين من فتن أهل الكتاب أمرهم بمجامع الطاعات ومعاقد الخيرات فأولها لزوم سيرة التقوى .

وعن ابن عباس : لما نزلت { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته } هو ان يطاع فلا يعصى طرفة عين ، وان يشكر فلا يكفر وان يذكر فلا ينسى أو هو القيام بالواجبات كلها بالابتعاد عن المحارم بأسرها وان لا يأخذه في الله لومة لائم ويقوم بالقسط ولو على نفسه أو الوالدين أو الأقربين شق ذلك على المسلمين فنزلت { فاتقوا الله ما استطعتم } والجمهور على انها غير منسوخة لان معنى حق تقاته واجب تقواه وكما يحق أن يتقى وهو أن يجتنب جميع معاصيه . . فلم يبق فرق بين الآيتين27 .

والمراد من قوله تعالى : فاتقوا الله حق تقاته هو عين المراد من قوله تعالى { فاتقوا الله ما استطعتم } ( التغابن 16 ) لان الله لا يكلف نفسا إلا وسعها .

والاستثناء مفرغ في قوله : { ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } أي لا تموتن إلا على حالة من الأحوال إلا على هذه الحالة الحسنة التي هي حال المداومة على التمسك بالإسلام وتعاليمه وآدابه .