فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ} (102)

( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ) أي التقوى التي تحق له وهي ان لا يترك العبد شيئا مما يلزمه فعله ، ولا يفعل شيئا مما يلزمه تركه ، ويبذل في ذلك جهده ومستطاعه .

قال القرطبي ذكر المفسرون انها لما نزلت هذه الآية قالوا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم من يقوى على هذا ، وشق عليهم ذلك فأنزل الله تعالى ( فاتقوا الله ما استطعتم ) فنسخت هذه الآية روي ذلك عن قتادة والربيع وابن زيد ، قال مقاتل وليس في آل عمران من المنسوخ شئ إلا هذا .

وقيل إن قوله اتقوا الله مبين لقوله ( فاتقوا الله ما استطعتم ) والمعنى اتقوا الله حق تقاته ما استطعتم ، قال وهذا أصوب لأن النسخ إنما يكون عند عدم الجمع ، والجمع ممكن فهو أولى .

قال ابن عباس في الآية هو أن يطاع فلا يعصى ؛ ويشكر فلا يكفر ويذكر فلا ينسى ؟ وقال مجاهد هو أن تجاهدوا في الله حق جهاده ولا تأخذكم في الله لومة لائم . وتقوموا لله بالقسط ولو على أنفسكم وآبائكم وأبنائكم .

قال أنس لا يتقي الله عبد حق تقاته حتى يخزن لسانه ؛ وقيل ( حق تقاته ) واجب تقواه وهو القيام بالواجب واجتناب المحارم ؛ وقيل غير ذلك ؛ وتقاة مصدر وهو من باب إضافة الصفة إلى موصوفها إذ الأصل اتقوا الله التقاة الحق أي الثابتة .

( ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) الاستثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا تكونوا على حال سوى حال الإسلام ؛ وجاءت الحال جملة اسمية لأنها ابلغ وآكد ؛ ولو قيل الا مسلمين لم يفد هذا التأكيد .

قال السيوطي في التحبير : من عجيب ما اشتهر في تفسير ( مسلمون ) قول العوام أي متزوجون وهو قول لا يعرف له أصل ولا يجوز الإقدام على تفسير كلام الله بمجرد ما يحدث في النفس أو يسمع ممن لا عمدة عليه انتهى .

وقد تقدم في البقرة مثل هذه الآية وهو نهي في الصورة عن موتهم إلا على هذه الحالة ، والمراد دوامهم على الإسلام وذلك ان الموت لا بد منه فكأنه قيل دوموا على الإسلام إلى الموت ، وقريب منه ما حكى عن سيبويه " لا أرينك ههنا أي لا تكن بالحضرة فيقع عليك رؤيتي " .

عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية فقال لو ان قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم ، فكيف بمن يكون طعامه ، أخرجه الترمذي وقال الترمذي وقال حديث حسن صحيح{[362]} .


[362]:ابن كثير 1/388. صحيح الجامع /5126.