إننا ننظر فإذا نحن أمام حقل قد تهيأ للإخصاب . فهو حرث . ثم إذا العاصفة تهب . إنها عاصفة باردة ثلجية محرقة ! تحرق هذا الحرث بما فيها من صر . واللفظة ذاتها كأنها مقذوف يلقى بعنف ، فيصور معناه بجرسه النفاذ . وإذا الحرث كله مدمر خراب !
إنها لحظة يتم فيها كل شيء . يتم فيها الدمار والهلاك . وإذا الحرث كله يباب ! ذلك مثل ما ينفق الذين كفروا في هذه الدنيا - ولو كان ينفق فيما ظاهره الخير والبر - ومثل ما بأيديهم من نعم الأولاد والأموال . . كلها إلى هلاك وفناء . . دون ما متاع حقيقي ودون ما جزاء . .
( وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون ) .
فهم الذين تنكبوا المنهج الذي يجمع مفردات الخير والبر ، فيجعلها خطا مستقيما ثابتا وأصلا . له هدف مرسوم ، وله دافع مفهوم ، وله طريق معلوم . . فلا يترك للنزوة العارضة ، والرغبة الغامضة ، والفلتة التي لا ترجع إلى منهج ثابت مستقيم . .
هم الذين اختاروا لأنفسهم الشرود والضلال والانفلات من عصمة الحبل الممدود . فإذا ذهب عملهم كله هباء - حتى ما ينفقونه فيما ظاهره الخير - وإذا أصاب حرثهم كله الدمار ، فلم يغن عنهم مال ولا ولد . . فما في هذا ظلم من الله - تعالى - لهم . إنما هو ظلمهم لأنفسهم ، بما اختاروه لأنفسهم من تنكب وشرود .
وهكذا يتقرر أن لا جزاء على بذل وأن لا قيمة لعمل إلا أن يرتبط بمنهج الإيمان وإلا أن يكون باعثه الإيمان . . يقول الله هذا ويقرره فلا تبقى بعده كلمة لإنسان ؛ ولا يجادل في هذا القرار إلا الذين يجادلون في آيات الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير . .
117- مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون }
قال أكثر المفسرين : الصر : البرد الشديد .
وفي الصحاح : الصر بالكسر برد يضر بالنبات والحرث .
وقيل الصر : السموم الحارة وعن ابن عباس فيها صر أي نار وعلى القولين الغرض من التشبيه حاصل سواء كان بردا مهلكا أو حرا محرقا65 .
وقوله تعالى : { إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا } . . { شيئا } منصوب على أنه مفعول أي لن تغني عنهم أموالهم ولا أوالدهم شيئا من الإفناء والدفع وتنكير شيئا للتقليل .
وفي تفسير ابن كثير " صر " أي برد شديد وقال عطاء برد وجليد أو فيها صر أي نار وهو يرجع إلى القول الأول فإن البرد الشديد ولاسيما الجليد يحرق الزرع والثمار كما يحرق الشيء بالنار .
وترسم الآية مشهدا حسيا ينبض بالحركة يصور ضياع أعمال الكافرين وذهاب ما ينفقون في حياتهم الدنيا من أموال .
قال النيسابوري : والظاهر ان الضمير في ينفقون عائد إلى جميع الكفار وذلك أن إنفاقهم إما ان يكون لمنافع الدنيا فلا يبقى له أثر في الآخرة في حق المسلم فضلا عن الكافر وإما ان يكون لمنافع الآخرة فالكفر مانع عن الانتفاع به ولعلهم كانوا ينفقون في الخيرات كالإحسان إلى الضعفاء والأرامل راجين خيرا كثيرا في المعاد لكنهم إذا قدموا الآخرة رأوا كفرهم مبطلا لآثار تلك الخيرات فكان كمن زرع زرعا وتوقع منه نفعا كبيرا فأصابته جائحة فلا يبقى معه إلا الحزن والأسف .
ولعلهم كانوا ينفقون فيما ظنوه خيرا وهو معصية كإنفاق الأموال في إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم وفي تخريب ديار المسلمين .
ولا يبعد أيضا تفسير الآية بخيبتهم في الدنيا فإنهم أنفقوا أموالا كثيرة في تجهيز الجيوش والإغارة على المسلمين وتحملوا المتاعب ثم انقلب الامر عليهم واظهر الله الإسلام وأعز أهله فلم يبق مع الكفار من ذلك الإنفاق إلا الحيرة والحسرة وقيل المراد بالإنفاق ههنا هو جميع أعمالهم التي يرجون الانتفاع بها في الآخرة66 .
( وتنظر فإذا نحن أمام حقل تهيأ للإخصاب ثم إذا العاصفة تهب إنها عاصفة باردة ثلجية تحرق هذا الحرث بما فيها من صر واللفظة ذاتها كأنما هي مقذوف يلقى بعنف فيصور معناه بجرسه النفاذ وإذا الحرث كله مدمر خرب .
إنها لحظة تم فيها كل شيء تم فيها الدمار والهلاك وإذا الحرث كله يباب . . . ذلك مثل ما ينفق الذين كفروا في هذه الدنيا ومثل ما بأيديهم من نعم الأموال والأولاد . . كله إلى هلاك وفناء دون متعة حقة ودون ما جزاء67 .
وقوله تعالى : { أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته } أي أصابت زرع قوم ظلموا أنفسهم بالكفر وارتكاب المعاصي فدمرته وأهلكت ما فيه من ثمار وهم أحوج ما يكونون إلى هذا الزرع وتلك الثمار .
وما ظلمهم الله . بإحباط الأجر وذهاب الثواب على ما أنفقوا ولكن أنفسهم يظلمون ولكنهم هم الذين ظلموا أنفسهم بإيثارهم الكفر على الإيمان أو بترك النظر في الآيات البينات بعدما ظهرت لهم او بالجحود بعد النظر ونهوض الحجة68 .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.