( فتقبلها ربها بقبول حسن ، وأنبتها نباتا حسنا ) . .
جزاء هذا الإخلاص الذي يعمر قلب الأم ، وهذا التجرد الكامل في النذر . . وإعدادا لها أن تستقبل نفخة الروح ، وكلمة الله ، وأن تلد عيسى - عليه السلام - على غير مثال من ولادة البشر .
أي جعل كفالتها له ، وجعله أمينا عليها . . وكان زكريا رئيس الهيكل اليهودي . من ذرية هارون الذين صارت إليهم سدانة الهيكل .
ونشأت مباركة مجدودة . يهيىء لها الله من رزقه فيضا من فيوضاته :
( كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا . قال : يا مريم أنى لك هذا ؟ قالت : هو من عند الله . إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ) . .
ولا نخوض نحن في صفة هذا الرزق كما خاضت الروايات الكثيرة . فيكفي أن نعرف أنها كانت مباركة يفيض من حولها الخير ويفيض الرزق من كل ما يسمى رزقا . حتى ليعجب كافلها - وهو نبي - من فيض الرزق . فيسألها : كيف ومن أين هذا كله ؟ فلا تزيد على أن تقول في خشوع المؤمن وتواضعه واعترافه بنعمة الله وفضله ، وتفويض الأمر إليه كله :
و من عند الله . إن الله يرزق من يشاء بغير حساب . .
وهي كلمة تصور حال المؤمن مع ربه ، واحتفاظه بالسر الذي بينه وبينه . والتواضع في الحديث عن هذا السر ، لا التنفج به والمباهاة ! كما أن ذكر هذه الظاهرة غير المألوفة التي تثير عجب نبي الله زكريا . هي التمهيد للعجائب التي تليها في ميلاد يحيى وميلاد عيسى . .
{ فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكلفها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب }
فتقبلها : أي قبل مريم في النذر مكان الذكر .
أنبتها : أي رباها تربية طيبة .
و كلفها زكريا : وجعل زكريا كافلا وضامنا لها وزكريا من ولد سليمان بن داود عليهما السلام .
المحراب : المحراب هنا هو المسمى عند أهل الكتاب بالمذبح وهو مقصورة في مقدم المعبد لها باب يصعد إليه بسلم ذي درج قليلة يكون من فيه محجوبا عمن في المعبد .
أني لك هذا : أي من أين هذا والأيام أيام قحط وجدب .
بغير حساب : أي بغير عد ولا إحصاء لكثرته .
37- { فتقبلها ربها بقبول حسن . . . } أي فتقبل مريم من أمها ورضى أن تكون للعبادة وخدمة بيته على صغرها وأنوثتها وكان التحرير لا يجوز إلا لغلام عاقل قادر على خدمة البيت . :
{ وأنبتها نبتا حسنا } . أي رباها تربية حسنة كما يربي النبات في الأرض ونماها صلاحا وعفة وسداد رأي .
{ وكلفها زكريا } . أي جعل زكريا كافلا لها لتقتبس منه العلوم والمعارف لتمضي على سنته من الصلاح ، وكان زوج أختها كما ورد في الصحيح " فإذا بيحيى وعيسى وهما ابنا الخالة " ويحيى ابن زكريا عليهما السلام .
وهكذا تهيأت لها البيئة الصالحة كما تهيأت لها الوراثة الصالحة فكانت سيدة نساء العالمين .
{ كلما دخل عليهما زكريا المحراب وجد عندها رزقا } وجد ألوانا من الطعام لم تكن توجد في مثل تلك الأحيان .
{ قال يا مريم أني لك هذا } ؟ أي من أين لك هذا والأيام أيام جدب وقحط أو من أين لك هذا ولا كافل لك سواي ؟
{ قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب } . الله يرزق الناس جميعا بتسخير بعضهم لبعض وقد جرى العرف في كل زمان بإضافة الرزق إلى الله وليس في هذا دلالة أنه من خوارق العادات .
و يحتمل أن يكون جملة : { إن الله يرزق من يشاء بغير حساب } . من كلام الله تعالى وليس من كلا مهما سيقت : للإيذان أنه لا ينبغي أن تعجب من هذا الرزق فإن الله يرزق من يشاء بغير حساب .
والرزق قد يكون حسيا وقد يكون معنويا يشمل الهدى والتقى والربكة والتوفيق لصالح الأعمال . وفي الحديث الشريف : " ما رزق المرء بعد تقوى الله خيرا من المرأة الصالحة " .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.