وفي انتظار قيام الجماعة بتزويج الأيامى يأمرهم بالاستعفاف حتى يغنيهم الله بالزواج : ( وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله ) . . ( والله واسع عليم ) . . لا يضيق على من يبتغي العفة ، وهو يعلم نيته وصلاحه .
وهكذا يواجه الإسلام المشكلة مواجهة عملية ؛ فيهيئ لكل فرد صالح للزواج أن يتزوج ؛ ولو كان عاجزا من ناحية المال . والمال هو العقبة الكؤود غالبا في طريق الإحصان .
ولما كان وجود الرقيق في الجماعة من شأنه أن يساعد على هبوط المستوى الخلقي ، وأن يعين على الترخص والإباحية بحكم ضعف حساسية الرقيق بالكرامة الإنسانية . وكان وجود الرقيق ضرورة إذ ذاك لمقابلة أعداء الإسلام بمثل ما يعاملون به أسرى المسلمين . لما كان الأمر كذلك عمل الإسلام على التخلص من الأرقاء كلما واتت الفرصة . حتى تتهيأ الأحوال العالمية لإلغاء نظام الرق كله ، فأوجب إجابة الرقيق إلى طلب المكاتبة على حريته . وذلك في مقابل مبلغ من المال يؤديه فينال حريته :
( والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم . إن علمتم فيهم خيرا ) . .
وآراء الفقهاء مختلفة في هذا الوجوب . ونحن نراه الأولى ؛ فهو يتمشى مع خط الإسلام الرئيسي في الحرية وفي كرامة الإنسانية . ومنذ المكاتبة يصبح مال الرقيق له ، وأجر عمله له ، ليوفي منه ما كاتب عليه ؛ ويجب له نصيب في الزكاة : ( وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ) . ذلك على شرط أن يعلم المولى في الرقيق خيرا . والخير هو الإسلام أولا . ثم هو القدرة على الكسب . فلا يتركه كلا على الناس بعد تحرره . وقد يلجأ إلى أحط الوسائل ليعيش ، ويكسب ما يقيم أوده . والإسلام نظام تكافل . وهو كذلك نظام واقع . فليس المهم أن يقال : إن الرقيق قد تحرر . وليست العنوانات هي التي تهمه . إنما تهمه الحقيقة الواقعة . ولن يتحرر الرقيق حقا إلا إذا قدر على الكسب بعد عتقه ؛ فلم يكن كلا على الناس ؛ ولم يلجأ إلى وسيلة قذرة يعيش منها ، ويبيع فيها ما هو أثمن من الحرية الشكلية وأغلى ، وهو أعتقه لتنظيف المجتمع لا لتلويثه من جديد ؛ بما هو أشد وأنكى .
وأخطر من وجود الرقيق في الجماعة ، احتراف بعض الرقيق للبغاء . وكان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة أرسلها تزني ؛ وجعل عليها ضريبة يأخذها منها - وهذا هو البغاء في صورته التي ما تزال معروفة حتى اليوم - فلما أراد الإسلام تطهير البيئة الإسلامية حرم الزنا بصفة عامة ؛ وخص هذه الحالة بنص خاص :
( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء . إن أردن تحصنا . لتبتغوا عرض الحياة الدنيا . ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ) .
فنهى الذين يكرهون فتياتهم على هذا المنكر ، ووبخهم على ابتغاء عرض الحياة الدنيا من هذا الوجه الخبيث . ووعد المكرهات بالمغفرة والرحمة ، بعد الإكراه الذي لا يد لهن فيه .
قال السدي : أنزلت هذه الآية الكريمة في عبد الله بن أبي بن سلول ، رأس المنافقين ، وكانت له جارية تدعى معاذة . وكان إذ نزل به ضيف أرسلها إليه ليواقعها ، إرادة الثواب منه ، والكرامة له . فأقبلت الجارية إلى أبي بكر - رضي الله عنه - فشكت إليه ذلك ؛ فذكره أبو بكر للنبي [ صلى الله عليه وسلم ] فأمره بقبضها . فصاح عبد الله بن أبي : من يعذرنا من محمد ? يغلبنا على مملوكتنا ! فأنزل الله فيهم هذا .
هذا النهي عن إكراه الفتيات على البغاء - وهن يردن العفة - ابتغاء المال الرخيص كان جزءا من خطة القرآن في تطهير البيئة الإسلامية ، وإغلاق السبل القذرة للتصريف الجنسي . ذلك أن وجود البغاء يغري الكثيرين لسهولته ؛ ولو لم يجدوه لانصرفوا إلى طلب هذه المتعة في محلها الكريم النظيف .
ولا عبرة بما يقال من أن البغاء صمام أمن ، يحمي البيوت الشريفة ؛ لأنه لا سبيل لمواجهة الحاجة الفطرية إلا بهذا العلاج القذر عند تعذر الزواج . أو تهجم الذئاب المسعورة على الأعراض المصونة ، إن لم تجد هذا الكلأ المباح !
إن في التفكير على هذا النحو قلبا للأسباب والنتائج . فالميل الجنسي يجب أن يظل نظيفا بريئا موجها إلى إمداد الحياة بالأجيال الجديدة . وعلى الجماعات أن تصلح نظمها الاقتصادية بحيث يكون كل فرد فيها في مستوى يسمح له بالحياة المعقولة وبالزواج . فإن وجدت بعد ذلك حالات شاذة عولجت هذه الحالات علاجا خاصا . . وبذلك لا تحتاج إلى البغاء ، وإلى إقامة مقاذر إنسانية ، يمر بها كل من يريد أن يتخفف من أعباء الجنس ، فيلقي فيها بالفضلات ، تحت سمع الجماعة وبصرها !
إن النظم الاقتصادية هي التي يجب أن تعالج ، بحيث لا تخرج مثل هذا النتن . ولا يكون فسادها حجة على ضرورة وجود المقاذر العامة ، في صور آدمية ذليلة .
وهذا ما يصنعه الإسلام بنظامه المتكامل النظيف العفيف ، الذي يصل الأرض بالسماء ، ويرفع البشرية إلى الأفق المشرق الوضيء المستمد من نور الله .
{ وليستعفف } وليعف عن الحرام من لا يقدر على تزوج امرأة بأن لا يملك المهر والنفقة { حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون } يطلبون { الكتاب } المكاتبة { مما ملكت أيمانكم } من عبيدكم وهو أن يطلب من مولاه أن يبيعه منه بمال معلوم يؤديه إليه في مدة معلومة فإذا أدى ذلك عتق { فكاتبوهم } فأعطوهم ما يطلبون من الكتابة { إن علمتم فيهم خيرا } اكتسابا للمال يقدرون على أداء مال الكتابة { وآتوهم من مال الله الذي آتاكم } يعني حطوا عنهم من المال الذي كاتبتموهم عليه ويستحب ذلك للسيد وهو أن يحط عنه ربع المال وقيل المراد بهذا أن يؤتوا سهمهم من الزكاة { ولا تكرهوا فتياتكم } إماءكم { على البغاء } الزنا نزلت في عبد الله ابن أبي وكانت له جوار يكرههن على الزنا ويأخذ منهن أجرا معلوما { إن أردن تحصنا } قيل إن هذا راجع إلى قوله { وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم } إن أردن تحصنا وقيل إن بمعنى إذ والمعنى لا تكرهوهن على الزنا إذ أردن التعفف عنه { لتبتغوا عرض الحياة الدنيا } يعني ما يؤخذ من أجورهن { ومن يكرههن } على الزنا { فإن الله من بعد إكراههن } لهن { غفور رحيم } والوزر على المكره
{ وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله } أمر بالاستعفاف وهو الاجتهاد في طلب العفة من الحرام لمن لا يقدر على التزوج ، فقوله : { لا يجدون نكاحا } معناه لا يجدون استطاعة على التزوج بأي وجه تعذر التزوج ، وقيل : معناه لا يجدون صداقا للنكاح ، والمعنى الأول أعم ، والثاني أليق بقوله : { حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم } الكتاب هنا مصدر بمعنى الكتابة ، وهي مقاطعة العبد على مال منجم فإذا أداه خرج حرا ، وإن عجز بقي رقيقا ، وقيل : إن الآية نزلت بسبب حويطب بن عبد العزى سأل مولاه أن يكاتبه فأبى عليه ، وحكمها مع ذلك عام فأمر الله سادات العبيد أن يكاتبوهم إذا طلبوا الكتابة ، وهذا الأمر على الندب عند مالك والجمهور ، وقال الظاهرية وغيرهم هو على الوجوب وذلك ظاهر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأنس بن مالك حين سأله مملوكه سيرين الكتابة فتلكأ أنس ، فقال له عمر : لتكاتبنه أو لأوجعنك بالدرة ، وإنما حمله مالك على الندب لأن الكتابة كالبيع ، فكما لا يجبر على البيع لا يجبر عليها ، واختلف هل يجبر السيد عبده على الكتابة أم لا ؟ على قولين في المذهب .
{ إن علمتم فيهم خيرا } الخير هنا القوة على أداء الكتابة بأي وجه كان ، وقيل : هو المال الذي يؤدي منه كتابته من غير أن يسأل أموال الناس ، وقيل : هو الصلاح في الدين .
{ وآتوهم من مال الله الذي آتاكم } هذا أمر بإعانة المكاتب على كتابته واختلف فيمن المخاطب بذلك فقيل : هو خطاب للناس أجمعين ، وقيل : للولاة ، والأمر على هذين القولين للندب ، وقيل : هو خطاب لسادات المكاتبين ، وهو على هذا القول ندب عند مالك ، ووجوب عند الشافعي فإن كان الأمر للناس ، فالمعنى أن يعطوهم صدقات من أموالهم ، وإن كان للولاة فيعطوهم من الزكاة ، وإن كان للسادات فيحطوا عنهم من كتابتهم ، وقيل : يعطوهم من أموالهم من غير الكتابة ، وعلى القول بالحط من الكتابة اختلف في مقدار ما يحط ، فقيل : الربع ، وروي : ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل : الثلث ، وقال مالك والشافعي : لا حد في ذلك ، بل أقل ما ينطلق عليه اسم شيء ، إلا أن الشافعي يجبره على ذلك ، ولا يجبره مالك ، وزمان الحط عنه في آخر الكتابة عند مالك ، وقيل : في أول نجم .
{ ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء } معنى البغاء الزنا ، نهى الله المسلمين أن يجبروا مملوكاتهم على ذلك وسبب الآية أن عبد الله ابن أبي ابن سلول المنافق كان له جاريتان ، فكان يأمرهما بالزنا للكسب منه وللولادة ، ويضربهما على ذلك ، فشكتا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية فيه وفيمن فعل مثل فعله .
{ إن أردن تحصنا } هذا الشرط راجع إلى إكراه الفتيات على الزنا إذ لا يتصور إكراههن إلا إذا أردن التحصن ، وهو التعفف ، وقيل : هو راجع إلى قوله : { وأنكحوا الأيامى } وذلك بعيد .
{ لتبتغوا عرض الحياة الدنيا } : يعني ما تكسبه الأمة بفرجها ، وما تلده من الزنا ؛ ويتعلق لتبتغوا بقوله : { لا تكرهوا } .
{ ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم } المعنى ، غفور لهن رحيم بهن لا يؤاخذهن بالزنا ، لأنهن أكرهن عليه ، ويحتمل أن يكون المعنى { غفور رحيم } للسيد الذي يكرههن إذا تاب من ذلك .