تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{۞فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِۖ فَسَوۡفَ يَلۡقَوۡنَ غَيًّا} (59)

{ 59 - 63 } { فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا * جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا * لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا * تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا }

لما ذكر تعالى هؤلاء الأنبياء المخلصون{[511]} المتبعون لمراضي ربهم ، المنيبون إليه ، ذكر من أتى بعدهم ، وبدلوا ما أمروا به ، وأنه خلف من بعدهم خلف ، رجعوا إلى الخلف والوراء ، فأضاعوا الصلاة التي أمروا بالمحافظة عليها وإقامتها ، فتهاونوا بها وضيعوها ، وإذا ضيعوا الصلاة التي هي عماد الدين ، وميزان الإيمان والإخلاص لرب العالمين ، التي هي آكد الأعمال ، وأفضل الخصال ، كانوا لما سواها من دينهم أضيع ، وله أرفض ، والسبب الداعي لذلك ، أنهم اتبعوا شهوات أنفسهم وإراداتها فصارت هممهم منصرفة إليها ، مقدمة لها على حقوق الله ، . فنشأ من ذلك التضييع لحقوقه ، والإقبال على شهوات أنفسهم ، مهما لاحت لهم ، حصلوها ، وعلى أي : وجه اتفقت تناولوها . { فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا } أي : عذابا مضاعفا شديدا .


[511]:- جعل الشيخ هذه الكلمات بالرفع، وجعل فوق كلمة (المخلصون) بخط صغير كلمة (قطع) وفي هذا إشارة إلى أنه من باب القطع في النعت فلما نص الشيخ - رحمه الله - على ذلك أبقيتها كما هي.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِۖ فَسَوۡفَ يَلۡقَوۡنَ غَيًّا} (59)

قوله تعالى : { فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ( 59 ) إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا ( 60 ) جنات عدن التي وعد الرحمان عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا ( 61 ) لا يسمعون فيها لغوا ولا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا ( 62 ) تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا ( 63 ) } بعد أن ذكر الأبرار من نبيين وصديقين وصالحين ، شرع في ذكر صنف آخر من الناس جاءوا عقب أولئك الأولين الأبرار . لكن هؤلاء صنف مغاير من الأشقياء والخاسرين الذين باءوا بالهلاك وسوء المصير في الآخرة . وهم المراد بهم في قوله ( فخلف من بعدهم خلف ) والخلف بسكون اللام وهم القرن بعد القرن . يقال : هؤلاء خلف سوء{[2908]} فقد ( أضاعوا الصلاة ) واختلفوا في المراد بإضاعة الصلاة في الآية . فقد قيل : المراد إضاعة أوقاتها وعدم القيام بحقوقها من تمام الأداء والخشوع . وقيل : المراد بإضاعتها ، تركها بالكلية . وهذا أنسب للسياق ؛ فإن الآية تتضمن تعريضا بصنف فاسق مغاير للمؤمنين السابقين فهم جيل التفريط من الأمم الغافلة على مرّ الزمن ، والتي أدبرت عن طاعة الله وجمحت في ابتغاء الشهوات جموح الخاسرين الشاردين عن الهدى والرشاد . ولا يضيّع الصلاة ويبتغي الشهوات بكل سبب أو وسيلة محظورة أو مشروعة إلا الخاسرون الهلكى الذين آثروا الدنيا على الآخرة واستعاضوا عن الطاعات بالشهوات على اختلاف صورها وضروبها .

قوله : ( فسوف يلقون غيا ) الغي معناه الخيبة والخسران . وقيل : واد في جهنم يصير إليه الغاوون الخاسرون الذين ضيعوا الصلاة واتبعوا الشهوات . وهذا تعزيز للقول بأن المراد بتضييع الصلاة هو تركها كليا .


[2908]:- القاموس المحيط جـ3 ص 140.