تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡيُنٖ وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا} (74)

{ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا } أي : قرنائنا من أصحاب وأقران وزوجات ، { وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ } أي : تقر بهم أعيننا .

وإذا استقرأنا حالهم وصفاتهم عرفنا من هممهم وعلو مرتبتهم أنهم لا تقر أعينهم حتى يروهم مطيعين لربهم عالمين عاملين وهذا كما أنه دعاء لأزواجهم وذرياتهم في صلاحهم فإنه دعاء لأنفسهم لأن نفعه يعود عليهم ولهذا جعلوا ذلك هبة لهم فقالوا : { هَبْ لَنَا } بل دعاؤهم يعود إلى نفع عموم المسلمين لأن بصلاح من ذكر يكون سببا لصلاح كثير ممن يتعلق بهم وينتفع بهم .

{ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا } أي : أوصلنا يا ربنا إلى هذه الدرجة العالية ، درجة الصديقين والكمل من عباد الله الصالحين وهي درجة الإمامة في الدين وأن يكونوا قدوة للمتقين في أقوالهم وأفعالهم يقتدى بأفعالهم ، ويطمئن لأقوالهم ويسير أهل الخير خلفهم فيهدون ويهتدون .

ومن المعلوم أن الدعاء ببلوغ شيء دعاء بما لا يتم إلا به ، وهذه الدرجة -درجة الإمامة في الدين- لا تتم إلا بالصبر واليقين كما قال تعالى : { وَجَعَلْنَاهم أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ } فهذا الدعاء يستلزم من الأعمال والصبر على طاعة الله وعن معصيته وأقداره المؤلمة ومن العلم التام الذي يوصل صاحبه إلى درجة اليقين ، خيرا كثيرا وعطاء جزيلا وأن يكونوا في أعلى ما يمكن من درجات الخلق بعد الرسل .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡيُنٖ وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا} (74)

قوله : ( والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ) فإن من صفات المؤمنين : الدعاء إلى الله والتضرع في تذلل وخشوع . لا جرم أن مزية الدعاء كبرى المزايا التي تتجلى في المؤمنين الصادقين المنيبين . وهؤلاء هم عباد الرحمان الذين يسألون الله جل وعلا أن يهبهم الأزواج الصلحاء والذرية المؤمنة الطائعة ذات الإيمان الراسخ والخلق الحميد ليكونوا لهم ( قرة أعين ) و ( قرة ) في الآية منصوب على المفعولية . وذلك من القرار ، وهو بحصول السكينة والسرور والرضى .

والمؤمنون يتمنون بالغ التمني ويبتغون أشد الابتغاء من الله أن يهبهم الزوجات الصالحات الفضليات والأولاد والأحفاد من الذكران والإناث الصالحين ليكونوا لهم قرة أعين ؛ أي مبعث سكينة وطمأنينة وحبور لهم في هذه الدنيا . ويوم القيامة يكونون بجوارهم في جنات الخلد . وهنالك تتحقق السعادة الكبرى ، ويكتمل الابتهاج الغامر . وهبنا الله من الأزواج والذريات ما تقرّ به أعيننا فنسعد ونبتهج ونستقر في دنيانا وأخرانا .

قوله : ( واجعلنا للمتقين إماما ) ( إماما ) ، واحد أريد به الجمع ؛ أي أئمة كثيرا . واكتفى بالواحد عن الجمع للعلم به{[3360]} والمعنى : اجعلنا أئمة يقتدي بنا الناس من بعدنا في الخير والطاعات . أو اجعلنا للمتقين الذين يتقون معاصيك ويجتنبون نواهيك ويخشون عقابك ، أئمة هداة دعاة إلى الخير فيأتمون بنا في الخيرات وعمل الصالحات .


[3360]:- البيان لابن الأنباري جـ 2 ص 210.