تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَإِذِ ٱعۡتَزَلۡتُمُوهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ فَأۡوُۥٓاْ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ يَنشُرۡ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَيُهَيِّئۡ لَكُم مِّنۡ أَمۡرِكُم مِّرۡفَقٗا} (16)

{ 16 } { وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا }

أي : قال بعضهم لبعض ، إذ حصل لكم اعتزال قومكم في أجسامكم وأديانكم ، فلم يبق إلا النجاء من شرهم ، والتسبب بالأسباب المفضية لذلك ، لأنهم لا سبيل لهم إلى قتالهم ، ولا بقائهم{[485]} بين أظهرهم ، وهم على غير دينهم ، { فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ } أي : انضموا إليه واختفوا فيه { يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا } وفيما تقدم ، أخبر أنهم دعوه بقولهم { ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيء لنا من أمرنا رشدا } فجمعوا بين التبري من حولهم وقوتهم ، والالتجاء إلى الله في صلاح أمرهم ، ودعائه بذلك ، وبين الثقة بالله أنه سيفعل ذلك ، لا جرم أن الله نشر لهم من رحمته ، وهيأ لهم من أمرهم مرفقا ، فحفظ أديانهم وأبدانهم ، وجعلهم من آياته على خلقه ، ونشر لهم من الثناء الحسن ، ما هو من رحمته بهم ، ويسر لهم كل سبب ، حتى المحل الذي ناموا فيه ، كان على غاية ما يمكن من الصيانة ، ولهذا قال : { وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا }


[485]:- في النسختين: ولا بقاؤهم.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِذِ ٱعۡتَزَلۡتُمُوهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ فَأۡوُۥٓاْ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ يَنشُرۡ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَيُهَيِّئۡ لَكُم مِّنۡ أَمۡرِكُم مِّرۡفَقٗا} (16)

ولما استدلوا على معتقدهم ، وعلموا سفه من خالفهم ، وهم قوم لا يدان لهم بمقاومتهم ، لكثرتهم وقلتهم{[45695]} ، تسبب عن ذلك هجرتهم ليسلم لهم دينهم ، {[45696]}فقال تعالى شارحاً لما بقي من أمرهم ، عاطفاً على ما تقديره{[45697]} : {[45698]}وقالوا{[45699]} أو من شاء الله منهم {[45700]}حين خلصوا من قومهم نجياً : لا ترجعوا إلى قومكم أبداً ما داموا على ما هم عليه ، هذا إن كان المراد قيامهم بين يدي دقيانوس ، وإن كان المراد من القيام{[45701]} الانبعاث بالعزم الصادق لم يحتج إلى هذا التقدير : { وإذ } {[45702]}أي حين{[45703]} { اعتزلتموهم } أي قومكم { وما } أي واعتزلتم ما { يعبدون إلا الله } {[45704]}أي الذي له صفات الكمال{[45705]} ، وهذا دليل على أنهم{[45706]} كانوا يشركون ، ويجوز أن يكونوا سموا الانقياد كرهاً لمشيئته والخضوع بزعمهم لاقضيته عبادة { فأوا } {[45707]}أي بسبب هذا الاعتزال{[45708]} ، وهذا دليل{[45709]} العامل في { إذ{[45710]} } { إلى الكهف } أي الغار الذي في الجبل { ينشر } {[45711]}أي يحيي ويبعث{[45712]} { لكم ربكم } {[45713]}الذي لم يزل يحسن إليكم { من رحمته } ما يكفيكم به المهم من أمركم { ويهيىء لكم من أمركم } {[45714]}الذي من شأنه أن يهمكم { مرفقاً * } ترتفقون به{[45715]} ، {[45716]}وهو بكسر الميم وفتح الفاء في قراءة الجماعة ، وبفتحها وكسر الفاء للنافع وابن عامر{[45717]} ، وهذا الجزم من آثار الربط على قلوبهم بما علموا من قدرته على كل شيء ، وحمايته من لاذ به ولجأ إليه وعبده وتوكل عليه ، ففعلوا ذلك ففعل{[45718]} الله ما رجوه{[45719]} فيه ، فجعل لهم أحسن مرفق بأن أنامهم ثم أقامهم بعد مضي{[45720]} قرون ومرور دهور{[45721]} ، وهدى بهم ذلك{[45722]} الجيل الذي أقامهم فيه


[45695]:من ظ ومد وفي الأصل: لقلتهم.
[45696]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[45697]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[45698]:في ظ: فقالوا.
[45699]:في ظ: فقالوا.
[45700]:العبارة من هنا إلى "إلى هذا التقدير" ساقطة من ظ.
[45701]:زيد من مد.
[45702]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[45703]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[45704]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[45705]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[45706]:في ظ: إنما.
[45707]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[45708]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[45709]:في ظ: هو.
[45710]:من ظ ومد، وفي الأصل: إذا.
[45711]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[45712]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[45713]:زيد في الأصل: أي، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[45714]:زيد في الأصل: أي، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[45715]:سقط من مد.
[45716]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[45717]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[45718]:من ظ مد وفي الأصل: بفعل.
[45719]:من ظ ومد وفي الأصل: رجوا.
[45720]:زيد من ظ ومد.
[45721]:زيد في الأصل: دهم، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[45722]:سقط من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِذِ ٱعۡتَزَلۡتُمُوهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ فَأۡوُۥٓاْ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ يَنشُرۡ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَيُهَيِّئۡ لَكُم مِّنۡ أَمۡرِكُم مِّرۡفَقٗا} (16)

قوله : ( وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ) ( إذ ) ، تتعلق بفعل مقدر وتقديره : واذكروا إذا اعتزلتموهم . وذلك خطاب من بعض الفتية لبعض حين عزموا على الفرار بدينهم ، وما ، فيها ثلاثة أوجه : الوجه الأول : أنها مصدرية . فيكون التقدير : وإذا اعتزلتموهم واعتزلتم عبادتهم إلا عبادة الله . وكان الاستثناء من الجنس .

الوجه الثاني : أن تكون اسما موصولا ، فيكون التقدير : وإذا اعتزلتموهم واعتزلتم الذي يعبدونه . وهو استثناء من غير الجنس .

الوجه الثالث : أن تكون نافية . فيكون التقدير : وإذا اعتزلتموهم غير عابدين إلا الله ، فتكون الواو واو الحال{[2780]} ؛ أي أن هذا كلام معترض فيه إخبار من الله تعالى عن الفتية أنهم لم يعبدوا غير الله ( فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ) أي إذا فارقتم قومكم المشركين وجانبتم عبادتهم وشركهم فاذهبوا إلى الكهف واجعلوه مثوى لكم ( ينشر لكم ربكم من رحمته ) يبسط الله عليكم من واسع رحمته ما يصونكم ويحفظكم ويدرأ عنكم شر قومكم الظالمين ( ويهيء لكم من أمركم مرفقا ) أي ييسر الله لكم مما أنتم فيه من الكرب والضيق وخوف الفتنة ( مرفقا ) المرفق ، كل ما يرتفق به وينتفع ويستعان{[2781]} .


[2780]:- البيان لابن الأنباري جـ2 ص 102.
[2781]:- المعجم الوسيط جـ1 ص 362.