تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَأَمَّا ٱلۡجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَٰمَيۡنِ يَتِيمَيۡنِ فِي ٱلۡمَدِينَةِ وَكَانَ تَحۡتَهُۥ كَنزٞ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحٗا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبۡلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسۡتَخۡرِجَا كَنزَهُمَا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ وَمَا فَعَلۡتُهُۥ عَنۡ أَمۡرِيۚ ذَٰلِكَ تَأۡوِيلُ مَا لَمۡ تَسۡطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرٗا} (82)

{ وَأَمَّا الْجِدَارُ ْ } الذي أقمته { فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا ْ } أي : حالهما تقتضي الرأفة بهما ورحمتهما ، لكونهما صغيرين عدما أباهما ، وحفظهما الله أيضا بصلاح والدهما .

{ فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا ْ } أي : فلهذا هدمت الجدار ، واستخرجت ما تحته من كنزهما ، وأعدته مجانا .

{ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ْ } أي : هذا الذي فعلته رحمة من الله ، آتاها الله عبده الخضر { وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ْ } أي : أتيت{[495]}  شيئا من قبل نفسي ، ومجرد إرادتي ، وإنما ذلك من رحمة الله وأمره .

{ ذَلِكَ ْ } الذي فسرته لك { تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ْ } وفي هذه القصة العجيبة الجليلة ، من الفوائد والأحكام والقواعد شيء كثير ، ننبه على بعضه بعون الله . فمنها فضيلة العلم ، والرحلة في طلبه ، وأنه أهم الأمور ، فإن موسى عليه السلام رحل مسافة طويلة ، ولقي النصب في طلبه ، وترك القعود عند بني إسرائيل ، لتعليمهم وإرشادهم ، واختار السفر لزيادة العلم على ذلك .

ومنها : البداءة بالأهم فالأهم ، فإن زيادة العلم وعلم الإنسان أهم من ترك ذلك ، والاشتغال بالتعليم من دون تزود من العلم ، والجمع بين الأمرين أكمل .

ومنها : جواز أخذ الخادم في الحضر والسفر لكفاية المؤن ، وطلب الراحة ، كما فعل موسى .

ومنها : أن المسافر لطلب علم أو جهاد أو نحوه ، إذا اقتضت المصلحة الإخبار بمطلبه ، وأين يريده ، فإنه أكمل من كتمه ، فإن في إظهاره فوائد من الاستعداد له عدته ، وإتيان الأمر على بصيرة ، وإظهارًا لشرف هذه العبادة الجليلة ، كما قال موسى : { لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا ْ }

وكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه حين غزا تبوك بوجهه ، مع أن عادته التورية ، وذلك تبع للمصلحة .

ومنها : إضافة الشر وأسبابه إلى الشيطان ، على وجه التسويل والتزيين ، وإن كان الكل بقضاء الله وقدره ، لقول فتى موسى : { وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ْ }

ومنها : جواز إخبار الإنسان عما هو من مقتضى طبيعة النفس ، من نصب أو جوع ، أو عطش ، إذا لم يكن على وجه التسخط وكان صدقا ، لقول موسى : { لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا ْ }

ومنها : استحباب كون خادم الإنسان ، ذكيا فطنا كيسا ، ليتم له أمره الذي يريده .

ومنها : استحباب إطعام الإنسان خادمه من مأكله ، وأكلهما جميعا ، لأن ظاهر قوله : { آتِنَا غَدَاءَنَا ْ } إضافة إلى الجميع ، أنه أكل هو وهو جميعا .

ومنها : أن المعونة تنزل على العبد على حسب قيامه بالمأمور به ، وأن الموافق لأمر الله ، يعان ما لا يعان غيره لقوله : { لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا ْ } والإشارة إلى السفر المجاوز ، لمجمع البحرين ، وأما الأول ، فلم يشتك منه التعب ، مع طوله ، لأنه هو السفرعلى الحقيقة . وأما الأخير ، فالظاهر أنه بعض يوم ، لأنهم فقدوا الحوت حين أووا إلى الصخرة ، فالظاهر أنهم باتوا عندها ، ثم ساروا من الغد ، حتى إذا جاء وقت الغداء قال موسى لفتاه { آتِنَا غَدَاءَنَا ْ } فحينئذ تذكر أنه نسيه في الموضع الذي إليه منتهى قصده .

ومنها : أن ذلك العبد الذي لقياه ، ليس نبيا ، بل عبدا صالحا ، لأنه وصفه بالعبودية ، وذكر منة الله عليه بالرحمة والعلم ، ولم يذكر رسالته ولا نبوته ، ولو كان نبيا ، لذكر ذلك كما ذكره غيره .

وأما قوله في آخر القصة : { وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ْ } فإنه لا يدل على أنه نبي وإنما يدل على الإلهام والتحديث ، كما يكون لغير الأنبياء ، كما قال تعالى { وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ ْ } { وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا ْ }

ومنها : أن العلم الذي يعلمه الله [ لعباده ]{[496]}  نوعان :

علم مكتسب يدركه العبد بجده واجتهاده . ونوع علم لدني ، يهبه الله لمن يمن عليه من عباده لقوله { وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ْ }

ومنها : التأدب مع المعلم ، وخطاب المتعلم إياه ألطف خطاب ، لقول موسى عليه السلام :

{ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ْ } فأخرج الكلام بصورة الملاطفة والمشاورة ، وأنك هل تأذن لي في ذلك أم لا ، وإقراره بأنه يتعلم منه ، بخلاف ما عليه أهل الجفاء أو الكبر ، الذي لا يظهر للمعلم افتقارهم إلى علمه ، بل يدعي أنه يتعاون هم وإياه ، بل ربما ظن أنه يعلم معلمه ، وهو جاهل جدا ، فالذل للمعلم ، وإظهار الحاجة إلى تعليمه ، من أنفع شيء للمتعلم .

ومنها تواضع الفاضل للتعلم ممن دونه ، فإن موسى -بلا شك- أفضل من الخضر .

ومنها : تعلم العالم الفاضل للعلم الذي لم يتمهر فيه ، ممن مهر فيه ، وإن كان دونه في العلم بدرجات كثيرة .

فإن موسى عليه السلام من أولي العزم من المرسلين ، الذين منحهم الله وأعطاهم من العلم ما لم يعط سواهم ، ولكن في هذا العلم الخاص كان عند الخضر ، ما ليس عنده ، فلهذا حرص على التعلم منه .

فعلى هذا ، لا ينبغي للفقيه المحدث ، إذا كان قاصرا في علم النحو ، أو الصرف ، أو نحوه من العلوم ، أن لا يتعلمه ممن مهر فيه ، وإن لم يكن محدثا ولا فقيها .

ومنها : إضافة العلم وغيره من الفضائل لله تعالى ، والإقرار بذلك ، وشكر الله عليها لقوله : { تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ ْ } أي : مما علمك الله تعالى .

ومنها : أن العلم النافع ، هو العلم المرشد إلى الخير ، فكل علم يكون فيه رشد وهداية لطرق{[497]}  الخير ، وتحذير عن طريق الشر ، أو وسيلة لذلك ، فإنه من العلم النافع ، وما سوى ذلك ، فإما أن يكون ضارا ، أو ليس فيه فائدة لقوله : { أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ْ }

ومنها : أن من ليس له قوة الصبر على صحبة العالم والعلم ، وحسن الثبات على ذلك ، أنه يفوته بحسب عدم صبره كثير من العلم{[498]}  فمن لا صبر له لا يدرك العلم ، ومن استعمل الصبر ولازمه ، أدرك به كل أمر سعى فيه ، لقول الخضر -يعتذر من موسى بذكر المانع لموسى في الأخذ عنه- إنه لا يصبر معه .

ومنها : أن السبب الكبير لحصول الصبر ، إحاطة الإنسان علما وخبرة ، بذلك الأمر ، الذي أمر بالصبر عليه ، وإلا فالذي لا يدريه ، أو لا يدري غايته ولا نتيجته ، ولا فائدته وثمرته ليس عنده سبب الصبر لقوله : { وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ْ } فجعل الموجب لعدم صبره ، وعدم إحاطته خبرا بالأمر .

ومنها : الأمر بالتأني والتثبت ، وعدم المبادرة إلى الحكم على الشيء ، حتى يعرف ما يراد منه وما هو المقصود .

ومنها : تعليق الأمور المستقبلية التي من أفعال العباد بالمشيئة ، وأن لا يقول الإنسان للشيء : إني فاعل ذلك في المستقبل ، إلا أن يقول { إِنْ شَاءَ اللَّهُ ْ }

ومنها : أن العزم على فعل الشيء ، ليس بمنزلة فعله ، فإن موسى قال : { سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا ْ } فوطن نفسه على الصبر ولم يفعل .

ومنها : أن المعلم إذا رأى المصلحة في إيزاعه للمتعلم أن يترك الابتداء في السؤال عن بعض الأشياء ، حتى يكون المعلم هو الذي يوقفه عليها ، فإن المصلحة تتبع ، كما إذا كان فهمه قاصرا ، أو نهاه عن الدقيق في سؤال الأشياء التي غيرها أهم منها ، أو لا يدركها ذهنه ، أو يسأل سؤالا ، لا يتعلق في موضع البحث .

ومنها : جواز ركوب البحر ، في غير الحالة التي يخاف منها .

ومنها : أن الناسي غير مؤاخذ بنسيانه لا في حق الله ، ولا في حقوق العباد لقوله : { لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ ْ }

ومنها : أنه ينبغي للإنسان أن يأخذ من أخلاق الناس ومعاملاتهم ، العفو منها ، وما سمحت به أنفسهم ، ولا ينبغي له أن يكلفهم ما لا يطيقون ، أو يشق عليهم ويرهقهم ، فإن هذا مدعاة إلى النفور منه والسآمة ، بل يأخذ المتيسر ليتيسر له الأمر .

ومنها : أن الأمور تجري أحكامها على ظاهرها ، وتعلق بها الأحكام الدنيوية ، في الأموال ، والدماء وغيرها ، فإن موسى عليه السلام ، أنكر على الخضر خرقه السفينة ، وقتل الغلام ، وأن هذه الأمور ظاهرها ، أنها من المنكر ، وموسى عليه السلام لا يسعه السكوت عنها ، في غير هذه الحال ، التي صحب عليها الخضر ، فاستعجل عليه السلام ، وبادر إلى الحكم في حالتها العامة ، ولم يلتفت إلى هذا العارض ، الذي يوجب عليه الصبر ، وعدم المبادرة إلى الإنكار .

ومنها : القاعدة الكبيرة الجليلة وهو أنه " يدفع الشر الكبير بارتكاب الشر الصغير " ويراعي أكبر المصلحتين ، بتفويت أدناهما ، فإن قتل الغلام شر ، ولكن بقاءه حتى يفتن أبويه عن دينهما ، أعظم شرا منه ، وبقاء الغلام من دون قتل وعصمته ، وإن كان يظن أنه خير ، فالخير ببقاء دين أبويه ، وإيمانهما خير من ذلك ، فلذلك قتله الخضر ، وتحت هذه القاعدة من الفروع والفوائد ، ما لا يدخل تحت الحصر ، فتزاحم المصالح والمفاسد كلها ، داخل في هذا .

ومنها : القاعدة الكبيرة أيضا وهي أن " عمل الإنسان في مال غيره ، إذا كان على وجه المصلحة وإزالة المفسدة ، أنه يجوز ، ولو بلا إذن حتى ولو ترتب على عمله إتلاف بعض مال الغير " كما خرق الخضر السفينة لتعيب ، فتسلم من غصب الملك الظالم . فعلى هذا لو وقع حرق ، أو غرق ، أو نحوهما ، في دار إنسان أو ماله ، وكان إتلاف بعض المال ، أو هدم بعض الدار ، فيه سلامة للباقي ، جاز للإنسان بل شرع له ذلك ، حفظا لمال الغير ، وكذلك لو أراد ظالم أخذ مال الغير ، ودفع إليه إنسان بعض المال افتداء للباقي جاز ، ولو من غير إذن .

ومنها : أن العمل يجوز في البحر ، كما يجوز في البر لقوله : { يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ ْ } ولم ينكر عليهم عملهم .

ومنها : أن المسكين قد يكون له مال لا يبلغ كفايته ، ولا يخرج بذلك عن اسم المسكنة ، لأن الله أخبر أن هؤلاء المساكين ، لهم سفينة .

ومنها : أن القتل من أكبر الذنوب لقوله في قتل الغلام { لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا ْ }

ومنها : أن القتل قصاصا غير منكر لقوله { بِغَيْرِ نَفْسٍ ْ }

ومنها : أن العبد الصالح يحفظه الله في نفسه ، وفي ذريته .

ومنها : أن خدمة الصالحين ، أو من يتعلق بهم ، أفضل من غيرها ، لأنه علل استخراج كنزهما ، وإقامة جدارهما ، أن أباهما صالح .

ومنها : استعمال الأدب مع الله تعالى في الألفاظ ، فإن الخضر أضاف عيب السفينة إلى نفسه بقوله { فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا ْ } وأما الخير ، فأضافه إلى الله تعالى لقوله : { فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ْ } كما قال إبراهيم عليه السلام { وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ْ } وقالت الجن : { وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا ْ } مع أن الكل بقضاء الله وقدره .

ومنها : أنه ينبغي للصاحب أن لا يفارق صاحبه في حالة من الأحوال ، ويترك صحبته ، حتى يعتبه ، ويعذر منه ، كما فعل الخضر مع موسى .

ومنها : أن موافقة الصاحب لصاحبه ، في غير الأمور المحذورة ، مدعاة وسبب لبقاء الصحبة وتأكدها ، كما أن عدم الموافقة سبب لقطع المرافقة .

ومنها : أن هذه القضايا التي أجراها الخضر هي قدر محض أجراها الله وجعلها على يد هذا العبد الصالح ، ليستدل العباد بذلك على ألطافه في أقضيته ، وأنه يقدر على العبد أمورا يكرهها جدا ، وهي صلاح دينه ، كما في قضية الغلام ، أو وهي صلاح دنياه كما في قضية السفينة ، فأراهم نموذجا من لطفه وكرمه ، ليعرفوا ويرضوا غاية الرضا بأقداره المكروهة .


[495]:- كذا في النسختين، ومراد المؤلف -رحمه الله- النفي أي: ما أتيت.
[496]:- زيادة من هامش: ب.
[497]:- في ب: لطريق.
[498]:- بدلا من الجملة: (أنه يفوته ....كثير من العلم) جاء في ب: (أنه ليس بأهل لتلقي العلم) وجاءت هذه الجملة في: أ مشطوبة.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَأَمَّا ٱلۡجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَٰمَيۡنِ يَتِيمَيۡنِ فِي ٱلۡمَدِينَةِ وَكَانَ تَحۡتَهُۥ كَنزٞ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحٗا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبۡلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسۡتَخۡرِجَا كَنزَهُمَا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ وَمَا فَعَلۡتُهُۥ عَنۡ أَمۡرِيۚ ذَٰلِكَ تَأۡوِيلُ مَا لَمۡ تَسۡطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرٗا} (82)

{ وأما الجدار } الذي أشرت بأخذ الأجر عليه { فكان لغلامين } {[47180]}ودل على كونهما دون البلوغ بقوله{[47181]} { يتيمين } .

{[47182]}ولما كانت القرية لا تنافي التسمية بالمدينة ، وكان التعبير بالقرية{[47183]} أولاً أليق ، لأنها مشتقة من معنى الجمع ، فكان أليق بالذم في ترك الضيافة لإشعاره ببخلهم حالة الاجتماع وبمحبتهم للجمع والإمساك ، وكانت المدينة بمعنى الإقامة ، فكان التعبير بها أليق للإشارة به إلى أن الناس يقيمون فيها ، فينهدم{[47184]} الجدار وهم مقيمون فيأخذون{[47185]} الكنز ، قال : { في المدينة } فلذلك أقمته احتساباً { وكان تحته كنز }{[47186]}أي مال مدخور{[47187]} { لهما } لو وقع لكان أقرب إلى ضياعه { وكان أبوهما صالحاً } ينبغي مراعاته وخلفه في ذريته بخير .

ولما كان الإبلاغ إلى حد البلوغ والاستخراج فعل الله وحده ، أسند إليه خاصة فقال : { فأراد ربك } أي{[47188]} المحسن إليك بهذه التربية ، إشارة إلى ما فعل بك من مثلها قبل النبوة كما بين { أن يبلغا } {[47189]}أي الغلامان{[47190]} { أشدهما } أي رشدهما {[47191]}وقوتهما{[47192]} { ويستخرجا كنزهما } لينتفعا به وينفعا الصالحين { رحمة } بهما { من ربك } أي{[47193]} الذي أحسن تربيتك وأنت في حكم اليتيم{[47194]} {[47195]}فكان التعب في إقامة الجدار مجاناً أدنى من الضرر اللازم من سقوطه لضياع الكنز وفساد الجدار ، وقد دل هذا على أن صلاح الآباء داعٍ إلى العناية بالأبناء ، روي عن الحسن{[47196]} بن علي رضي الله عهنما أنه قال لبعض الخوارج في كلام{[47197]} جرى بينهما : بم{[47198]} حفظ الله كنز الغلامين ؟ قال : بصلاح أبيهما ، قال فأبي وجدي خير منه ، قال أنبأنا الله أنكم قوم خصمون . { وما فعلته } أي شيئاً من ذلك { عن أمري } بل عن أمر {[47199]}من له الأمر ، وهو{[47200]} الله .

{[47201]}ولما بان سر تلك القضايا ، قال {[47202]}مقدراً للأمر{[47203]} : { ذلك } {[47204]}أي لشرح العظيم{[47205]} { تأويل ما لم تسطع } يا موسى { عليه صبراً } وحذف تاء الاستطاعة هنا لصيرورة ذلك - بعد كشف الغطاء - في حيز ما يحمل{[47206]} فكان منكره غير صابر أصلاً لو كان عنده مكشوفاً من أول{[47207]} الأمر ، وسقط - ولله الحمد - بما قررته في هذه القصة ما يقال من أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر في قول سليمان عليه السلام المخرج في{[47208]} الصحيحين{[47209]} من حديث أبي هريرة رضي الله عنه " لأطوفن الليلة على مائة امرأة كلهن تلد فارساً يجاهد{[47210]} في سبيل الله ، فلم تلد منهن إلا واحدة جاءت{[47211]} بشق آدمي أنه{[47212]} لو قال : إن شاء الله ، لجاهدوا فرساناً أجمعون " فأفهم ذلك أن ذلك كل نبي استثنى في خبره صدقه الله تعالى كما وقع للذبيح أنه قال :{ ستجدني إن شاء الله من الصابرين{[47213]} }[ الصافات : 102 ] فوفى ، فما لموسى عليه السلام - وهو من أولي العزم - فعل مع{[47214]} الاستثناء ما فعل ؟ فإن{[47215]} الذبيح صبر على ما هو قاطع بأنه بعينه أمر الله ، بخلاف موسى عليه السلام فإنه كان ينكر ما ظاهره منكر قبل العلم بأنه من أمر الله ، فإذا نبه صبر ، وأما قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : " يرحم الله أخي موسى ! وددنا {[47216]}لو أنه{[47217]} صبر حتى{[47218]} يقص علينا من أمرهما{[47219]} " فمعناه : صبر عن الإذن للخضر عليه السلام في مفارقته في قوله { فلا تصاحبني } ويدل عليه أن في رواية لمسلم " رحمة الله علينا وعلى موسى ! لولا أنه عجل لرأى العجب ولكنه أخذته من صاحبه{[47220]} ذمامة " قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني } . فتحرر أنه وفى بمقام الشرع الذي أقامه الله فيه{[47221]} فلم يخل بمقام الصبر الذي ليس{[47222]} فيه ما يخالف ما يعرف ويستحضر من الشرع ، وكيف لا وهو من أكابر أولي العزم الذين قال الله تعالى لأشرف خلقه{[47223]} في التسليك بسيرهم{ فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل{[47224]} }[ الأحقاف : 35 ] وقال تعالى :{ أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده{[47225]} }[ الأنعام : 90 ] وقال عليه السلام فيما خرجه الشيخان{[47226]} عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أوذي من بعض من كان معه في حنين فتلوّن وجهه وقال : " يرحم الله أخي موسى ! لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر " وعلم أن في قصته هذه حثاً كثيراً على المجاهرة بالمبادرة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمصابرة عليه ، وأن لا يراعى فيه {[47227]}كبير ولا صغير {[47228]}إذا كان الإمرء على ثقة من أمره في الظاهر بما عنده في ذلك من العلم عن الله ورسوله وأئمة دينه{[47229]} ، وتنبيهاً على أنه لا يلزم من العلم اللدني - سواء كان صاحبه نبياً أو ولياً - معرفة كل شيء كما يدعيه أتباع بعض الصوفية ، لأن الخضر سأل موسى عليهما السلام : من أنت ؟ وهل هو موسى نبي{[47230]} بني إسرائيل - كما سيأتي . {[47231]}روى البخاري في التفسير{[47232]} من روايات مختلفة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن أبي بن كعب رضي الله عنه حدثه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : " موسى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر الناس يوماً{[47233]} حتى إذا فاضت العيون ورقت القلوب ولّى فأدركه رجل فقال : أي رسول الله ! هل في الأرض أحد{[47234]} أعلم منك ؟ قال{[47235]} : لا ! فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه ، {[47236]}فأوحى إليه : بلى{[47237]} ! عبد من عبادي بمجمع البحرين ، قال : أي رب ! كيف السبيل إليه ؟ قال{[47238]} : تأخذ حوتاً في مكتل فحيث ما فقدته فاتبعه - وفي رواية : خذ نوناً ميتاً حيث ينفخ فيه الروح - فخرج ومعه فتاه يوشع بن نون حتى{[47239]} انتهيا إلى الصخرة ، فوضع موسى رأسه {[47240]}فنام في ظل الصخرة{[47241]} في مكان ثريان{[47242]} إذ تضرب الحوت - وفي رواية : و{[47243]}في أصل تلك الصخرة عين يقال لها{[47244]} الحياة لا يصيب من مائها شيء إلا حيى ، فأصاب الحوت من ماء تلك العين فانسل من المكتل فدخل البحر - فأمسك الله عنه جرية البحر حتى كان أثره في حجر ، فقال فتاه : لا أوقظه ، حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره ، فذكر سفرهما و{[47245]}قول موسى عليه السلام { لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً } قال : قد قطع الله عنك النصب ، فرجعا فوجدا خضراً على طنفسة خضراء على كبد البحر مسجى{[47246]} بثوبه ، قد جعل طرفه تحت رجليه ، وطرفه تحت رأسه ، فسلم عليه موسى فكشف{[47247]} عن وجهه وقال : هل بأرضي من سلام ؟ من أنت ؟ قال : أنا موسى ! قال : موسى بني إسرائيل ؟ قال : نعم ! قال : فما شأنك ؟ قال : جئت لتعلمني ، قال : أما يكفيك أن التوراة بيديك{[47248]} وأن الوحي يأتيك{[47249]} ؟ يا موسى ! إن لي علماً لا ينبغي لك أن تعلمه ، وإن لك علماً لا ينبغي لي أن أعلمه - أي لا ينبغي لك أن تعمل بالباطن ولا ينبغي لي أنا{[47250]} أن أقف مع{[47251]} الظاهر ، أطلق العلم على العمل لأنه سببه - فانطلقا يمشيان على الساحل ، فوجد ا معابر صغاراً تحمل أهل هذا الساحل إلى أهل{[47252]} هذا الساحل الآخر ، فعرف الخضر فقالوا : عبد الله الصالح ! لا تحمله بأجر ، فحملوهم في سفينتهم بغير نول{[47253]} : يقول : بغير أجر - فركبا السفينة ، ووقع عصفور على حرف السفينة فغمس منقاره في البحر ؛ {[47254]}وفي رواية{[47255]} : فأخذ بمنقاره{[47256]} من البحر ، وفي رواية : فنقر نقرة أو نقرتين فقال : والله ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا من البحر ، فلم يفجأ{[47257]} موسى إلا الخضر عمد{[47258]} إلى قدوم فخرق السفينة ووتد فيها وتداً فذكر{[47259]} إنكاره وجوابه ثم قال : وكانت الأولى من موسى نسياناً ، والوسطى شرطاً ، والثالثة عمداً - فذكر القصة ، وقال في آخرها : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وددنا أن موسى صبر حتى يقص علينا من أمرهما " .


[47180]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47181]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47182]:العبارة من هنا إلى "الكنز قال" ساقطة من ظ.
[47183]:من مد، وفي الأصل: لقرية.
[47184]:من مد وفي الأصل: فهدم.
[47185]:من مد، وفي الأصل: فيأخذوا.
[47186]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47187]:سقط ما بين الرقمين من ظ
[47188]:سقط من ظ.
[47189]:العبارة من هنا إلى "الكنز قال" ساقطة من ظ.
[47190]:العبارة من هنا إلى "الكنز قال" ساقطة من ظ.
[47191]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47192]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47193]:سقط من ظ.
[47194]:زيد من ظ ومد.
[47195]:العبارة من هنا إلى "قوم خصمون" ساقطة من ظ.
[47196]:في الكشاف 1 / 578: الحسين.
[47197]:زيد من مد والكشاف.
[47198]:من مد والكشاف، وفي الأصل: ثم.
[47199]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47200]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47201]:العبارة من هنا إلى "مقدرا للأمر" ساقطة من ظ.
[47202]:من مد وفي الأصل: معذر كمال لامر – كذا.
[47203]:من مد، وفي الأصل: معذر كمال لامر – كذا.
[47204]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47205]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47206]:من مد، وفي الأصل وظ: عمل.
[47207]:من ظ ومد وفي الأصل: أمر.
[47208]:تكرر في ظ.
[47209]:راجع باب من طلب الولد للجهاد – كتاب الجهاد من صحيح البخاري واللفظ له، وباب الاستثناء في اليمين وغيرها – كتاب الأيمان من صحيح مسلم، والحديث فيه بعض المفارقات بالنسبة لما هنا.
[47210]:زيد من ظ ومد وصحيح البخاري.
[47211]:سقط من مد.
[47212]:سقط من ظ.
[47213]:سورة 37 آية 102.
[47214]:من مد، وفي الأصل وظ: من.
[47215]:في ظ: بأن.
[47216]:من ظ ومد، وفي الأصل: أنه لو.
[47217]:من ظ ومد، وفي الأصل: أنه لو.
[47218]:في ظ: حين.
[47219]:رواه الكثيرون بما فيهم البخاري – راجع باب حديث الخضر مع موسى عليهما السلام كتاب الأنبياء.
[47220]:زيد من صحيح مسلم – كتاب الفضائل باب من فضائل الخضر عليه السلام.
[47221]:تقدم في الأصل على "عن شيء" والترتيب من مد والقرآن الكريم، والكلمة ساقطة من ظ.
[47222]:زيد من ظ ومد.
[47223]:زيد من ظ ومد.
[47224]:سورة 41 آية 35.
[47225]:سورة 6آية 90.
[47226]:أم البخاري فخرجه في عدة المناسبات وأما مسلك فخرجه في أبواب الزكاة.
[47227]:في ظ: صغير ولا كبير.
[47228]:في ظ: صغير ولا كبير.
[47229]:العبارة من هنا إلى "كما سيأتي" ص 126 س 1 ساقطة من ظ
[47230]:سقط من مد.
[47231]:زيدت الواو في ظ.
[47232]:ويبتدئ السياق برواية يعلى بن مسلم عن ابن عباس عن أبي بن كعب.
[47233]:زيد من ظ ومد والصحيح.
[47234]:زيد من ظ ومد والصحيح.
[47235]:من ظ ومد والصحيح وفي الأصل: فقال.
[47236]:ومن هنا يرجع السياق إلى حديث قتيبة بن سعيد.
[47237]:من مد والصحيح، وفي الأصل وظ: بل.
[47238]:زيد من ظ ومد والصحيح.
[47239]:في ظ: حين.
[47240]:ومن هنا يرجع السياق إلى الحديث الأول.
[47241]:زيد في الأصل: فنام، ولم تكن الزيادة في ظ ومد والصحيح فحذفناها.
[47242]:بهامش ظ: ندى.
[47243]:زيد من ظ ومد والصحيح.
[47244]:من ظ ومد والصحيح، وفي الأصل: لها.
[47245]:من ظ ومد وفي الأصل: أو.
[47246]:في مد: مئجي.
[47247]:من ظ ومد والصحيح وفي الأصل: وكشف.
[47248]:من الصحيح وفي النسخ: بيدك.
[47249]:زيد من ظ ومد والصحيح.
[47250]:زيد من ظ ومد.
[47251]:من ظ ومد، وفي الأصل: على.
[47252]:سقط من ظ.
[47253]:من ظ ومد والصحيح وفي الأصل: قول.
[47254]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47255]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47256]:من مد والصحيح وفي الأصل وظ: منقاره.
[47257]:من ظ ومد والصحيح وفي الأصل: فلم تفجا.
[47258]:من ظ ومد والصحيح وفي الأصل: غدا.
[47259]:من ظ ومد وفي الأصل: فذكره.