وقوله { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } أي : نخصك وحدك بالعبادة
والاستعانة ، لأن تقديم المعمول يفيد الحصر ، وهو إثبات الحكم للمذكور ، ونفيه عما عداه . فكأنه يقول : نعبدك ، ولا نعبد غيرك ، ونستعين بك ، ولا نستعين بغيرك .
وقدم{[31]} العبادة على الاستعانة ، من باب تقديم العام على الخاص ، واهتماما بتقديم حقه تعالى على حق عبده .
و { العبادة } اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال ، والأقوال الظاهرة والباطنة . و { الاستعانة } هي الاعتماد على الله تعالى في جلب المنافع ، ودفع المضار ، مع الثقة به في تحصيل ذلك .
والقيام بعبادة الله والاستعانة به هو الوسيلة للسعادة الأبدية ، والنجاة من جميع الشرور ، فلا سبيل إلى النجاة إلا بالقيام بهما . وإنما تكون العبادة عبادة ، إذا كانت مأخوذة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مقصودا بها وجه الله . فبهذين الأمرين تكون عبادة ، وذكر { الاستعانة } بعد { العبادة } مع دخولها فيها ، لاحتياج العبد في جميع عباداته إلى الاستعانة بالله تعالى . فإنه إن لم يعنه الله ، لم يحصل له ما يريده من فعل الأوامر ، واجتناب النواهي .
الفائدة العاشرة : إياك في الموضعين مفعول بالفعل الذي بعده ، وإنما قدم ليفيد الحصر فإن تقديم المعمولات يقتضي الحصر ، فاقتضى قول العبد إياك نعبد أن يعبد الله وحده لا شريك له ، واقتضى قوله :{ وإياك نستعين } اعترافا بالعجز والفقر وأنا لا نستعين إلا بالله وحده .
الفائدة الحادية عشرة : إياك نستعين : أي نطلب العون منك على العبادة وعلى جميع أمورنا ، وفي هذا دليل على بطلان قول القدرية والجبرية ، وأن الحق بين ذلك .
الفائدة الثانية عشرة : اهدنا : دعاء بالهدى . فإن قيل : كيف يطلب المؤمنون الهدى وهو حاصل لهم ؟ فالجواب : أن ذلك طلب للثبات عليه إلى الموت ، أو الزيادة منه فإن الارتقاء في المقامات لا نهاية له .
الفائدة الثالثة عشرة : قدم الحمد والثناء على الدعاء لأن تلك السنة في الدعاء وشأن الطلب أن يأتي بعد المدح ، وذلك أقرب للإجابة ، وكذلك قدم الرحمن على ملك يوم الدين لأن رحمة الله سبقت غضبه ، وكذلك قدم إياك نعبد على إياك نستعين لأن تقديم الوسيلة قبل طلب الحاجة .
الفائدة الرابعة عشرة : ذكر الله تعالى في أول هذه السورة على طريق الغيبة ، ثم على الخطاب في إياك نعبد وما بعده ، وذلك يسمى الالتفات ، وفيه إشارة إلى أن العبد إذا ذكر الله تقرب منه فصار من أهل الحضور فناداه .
فلما استجمع الأمر استحقاقاً{[202]} وتحبيباً{[203]} وترغيباً{[204]} وترهيباً{[205]} كان من شأن كل ذي لب الإقبال إليه وقصر الهمم عليه فقال{[206]} عادلاً عن أسلوب الغيبة إلى الخطاب لهذا{[207]} مقدماً{[208]} للوسيلة على طلب الحاجة لأنه أجدر بالإجابة{[209]} { إياك } أي يا من هذه الصفات صفاته ! { نعبد } إرشاداً{[210]} لهم إلى ذلك ؛ ومعنى { نعبد } كما قال الحرالي : تبلغ الغاية في أنحاء التذلل ، وأعقبه بقوله مكرراً للضمير حثاً{[211]} على المبالغة{[212]} في طلب العون { وإياك نستعين } إشارة إلى أن عبادته لا تتهيأ إلا بمعونته وإلى أن ملاك{[213]} الهداية بيده : فانظر كيف ابتدأ سبحانه{[214]} بالذات ، ثم دل عليه بالأفعال ، ثم رقي إلى الصفات ، ثم رجع إلى الذات إيماء إلى{[215]} أنه الأول و-{[216]}الآخر المحيط ، فلما حصل{[217]} الوصول إلى شعبة{[218]} من علم الأفعال والصفات علم الاستحقاق للأفراد بالعبادة فعلم العجز عن الوفاء بالحق{[219]} فطلبت الإعانة ، فهو كقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم وأبو داود في الصلاة والترمذي وابن ماجه في الدعاء والنسائي وهذا لفظه في التعوذ عن عائشة رضى الله عنها : " أعوذ بعفوك{[220]} من عقوبتك ، وبرضاك{[221]} من سخطك ، وبك{[222]} منك " ثم أتبعه فيما زاد{[223]} عن النسائي الاعتراف بالعجز في قوله : " لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك " وفي آخر سورة اقرأ شرح بديع لهذا الحديث{[224]} .
قال الحرالي : وهذه الآيات أي هذه وما بعدها مما جاء كلام الله فيه جارياً على لسان خلقه فإن القرآن كله كلام الله لكن منه ما هو كلام الله عن نفسه ومنه ما هو كلام الله عما كان يجب أن ينطق به الخلق على اختلاف ألسنتهم وأحوالهم وترقي درجاتهم ورتب تفاضلهم مما لا يمكنهم البلوغ إلى كنهه{[225]} لقصورهم وعجزهم فتولى الله الوكيل على كل شيء الإنباء{[226]} عنهم بما كان يجب عليهم مما لا يبلغ إليه وُسع خلقه وجعل تلاوتهم{[227]} لما أنبأ به على ألسنتهم نازلاً لهم منزلة أن لو كان ذلك النطق ظاهراً منهم لطفاً بهم وإتماماً للنعمة عليهم{[228]} ، لأنه تعالى لو وكلهم في ذلك إلى أنفسهم لم يأتوا بشيء تصلح{[229]} به{[230]} أحوالهم في دينهم ودنياهم ، ولذلك لا يستطيعون شكر هذه النعمة إلا أن يتولى هو تعالى بما يلقنهم{[231]} من كلامه مما{[232]} يكون{[233]} أداء لحق{[234]} فضله عليهم بذلك ، وإذا كانوا لا يستطيعون الإنباء عن أنفسهم بما يجب عليهم من حق ربهم فكيف بما يكون نبأ عن تحميد الله وتمجيده ، فإذاً{[235]} ليس لهم وصلة إلا تلاوة كلامه العلي بفهم كان ذلك أو{[236]} بغير فهم{[237]} ، وتلك هي صلاتهم المقسمة التي ) عبر-{[238]} ) عنها فيما صح عنه عليه الصلاة و{[239]}السلام من قوله تعالى : " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين " ثم تلا هذه السورة ؛ فجاءت الآيات الثلاث الأول بحمد{[240]} الله تعالى نفسه ، فإذا تلاها العبد قبل الله منه تلاوة عبده كلامه وجعلها منه حمداً وثناء وتمجيداًَ ، وجاءت هذه الآيات على لسان خلقه فكان ظاهرها التزام عُهَد العبادة وهو ما{[241]} يرجع إلى العبد{[242]} وعمادها طلب المعونة من الله سبحانه وهو ما{[243]} يرجع إلى الحق ، فكانت بينه وبين عبده وتقدمت بينيّته{[244]} تعالى ، لأن المعونة متقدمة على العبادة وواقعة بها وهو مجاب فيما طلب من المعونة ، فمن كانت عليه مؤنة شىء فاستعان الله فيها على مقتضى هذه الآية جاءته المعونة على قدر مؤنته ، فلا يقع لمن اعتمد مقتضى هذه الآية عجز عن مرام أبداً وإنما يقع العجز ببخس{[245]} الحظ من الله تعالى والجهل{[246]} بمقتضى ما أحكمته هذه الآية والغفلة عن النعمة بها ، وفي قوله : { نعبد } بنون الاستتباع إشعار بأن الصلاة بنيت على الاجتماع . انتهى . وفي الآية ندب إلى اعتقاد العجز واستشعار الافتقار والاعتصام بحوله وقوته ، فاقتضى ذلك توجيه الرغبات إليه بالسؤال فقال :{ اهدنا الصراط المستقيم }