الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن ابي طالب - مكي ابن أبي طالب  
{إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ} (5)

قوله : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين )( {[346]} ) .

اختلف النحويون في " إياك وإياه وإياي " ؛ فللبصريين فيها قولان( {[347]} ) :

- أحدهما : أن " إيا " اسم مضمر أضيف إلى ما بعده للبيان لا للتعريف . ولا يعرف في كلام العرب اسم مضمر مضاف إلى ما بعده غير هذا .

وحكى الخليل( {[348]} ) عن العرب : " إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب( {[349]} ) " . فأضاف " إيا " إلى الشواب للبيان .

- والقول الثاني : مروي عن المبرد( {[350]} ) قال : " إن " إيا " اسم( {[351]} ) مبهم أضيف للتخصيص لا للتعريف ، ولا يعرف في كلام( {[352]} ) العرب اسم مبهم أضيف إلى ما بعده غير هذا " .

وللكوفيين في هذا أيضاً ثلاثة( {[353]} ) أقوال( {[354]} ) .

- حكى ابن( {[355]} ) كيسان وغيره . عنهم أن " إياك " بكماله اسم مضمر ، ولا يعرف اسم مضمر يتغير( {[356]} ) آخره غيره ، فتقول : " إياه وإياك وإياي " .

- والقول الثاني : إن الكاف والهاء والياء( {[357]} ) ، هن الاسم المضمر في " إياك وإياه وإياي( {[358]} ) " ، لكنه اسم لا يقوم بنفسه ولا ينفرد ولا يكون إلا متصلاً بما قبله من الأفعال ، فلما( {[359]} ) تقدم على الفعل لم يقم بنفسه فجعل " إيا " عماداً له ليتصل به( {[360]} ) ، ولو( {[361]} ) أخرت لا تصل المضمر بالفعل واستغنيت عن " إيا " فقلت : " نعبده " و " نعبدك " ( {[362]} ) . وهو اختيار ابن كيسان .

- والقول الثالث : حكاه أيضاً ابن( {[363]} ) كيسان ؛ وهو أن " إيا " اسم مبهم يكنى به/ عن المنصوب وزيدت إليه الكاف والهاء والياء في : " إياك وإياه وإياي " . " ليعلم المخاطبن الغائب من المُخْبِر عن نفسه ولا موضع للكاف والهاء والياء من الإعراب ، فهي كالكاف( {[364]} ) في " ذلك " وأرأيتك زيداً ما صنع " . ذكر معنى جميع ذلك ابن كيسان في كتابه في تفسير القرآن وإعرابه ومعانيه .

والعبادة في اللغة التذلل بالطاعة والخضوع .

فمعنى ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) : نذل لك ونخضع بالعبادة( {[365]} ) لك ونستعين بك على ذلك( {[366]} ) .

وإنما قدم ( نَعْبُدُ ) على ( نَسْتَعِينُ ) وقد علم أن الاستعانة قبل العبادة ، والعمل لا يقوم إلا بعون الله ، لأن العبادة لا سبيل إليها إلا بالمعونة ، والمعان على العبادة لا يكون إلا عابداً . فكل واحد مرتبط بالآخر : لا عمل إلا بمعونة ولا معونة إلا( {[367]} ) تتبعها عبادة ، فلم يكن أحدهما أولى بالتقديم( {[368]} ) من الآخر( {[369]} ) ، وأيضاً فإن الواو لا توجب ترتيباً عند أكثر النحويين .

وأما علة تكرير ( إِيَّاكَ ) فمن أجل اختلاف( {[370]} ) الفعلين إذ أحدهما عبادة والآخر استعانة .

/ وقيل : كرر للتأكيد كما تقول : " المال بين زيد وعمرو ، بين زيد وبين عمرو " ( {[371]} ) ، فتعيد( {[372]} ) " بين( {[373]} ) " للتأكيد .

قوله : ( نَسْتَعِينُ ) [ 5 ] .

أصله " نَسْتَعْوِنُ " على وزن " نَسْتَفْعِلُ " من العون . والمصدر منه استعانة ، وأصله استعواناً ، فقلبت حركة الواو على العين( {[374]} ) ، فلما انفتح ما قبل الواو –وهي في نية حركة- انقلبت ألفاً ، فالتقى ألفان ، فحذفت إحداهما لالتقاء( {[375]} ) الساكنين( {[376]} ) . فقيل : المحذوفة الثانية لأنها زائدة ، والأولى أصلية . وقيل : بل المحذوفة الأولى لأن الثانية تدل على معنى ولزمته الهاء عوضاً من الألف المحذوفة( {[377]} ) .

والنون الأولى في ( نَسْتَعِينُ ) يجوز فيها الكسر لغة( {[378]} ) مشهورة وكذلك التاء والهمزة في قولك : " أَنْتَ نَسْتَعين( {[379]} ) وأنا أستَعينُ " . وإنما ذلك في كل فعل سمي فاعله فيه زوائد( {[380]} ) أو مما يأتي من الثلاثي على " فَعِلَ ، يَفْعَلُ " بفتح العين في المستقبل ، وكسرها في الماضي نحو : " أنت تعلم وأنا أعلم " .


[346]:- سقط من ع1، ع3.
[347]:- انظرها: في مشكل الإعراب 1/69، والبيان 1/36 والإنصاف 2/696.
[348]:- هو أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو الفراهيدي، أستاذ سيبويه، وأول من وضع العروض. (ت170هـ). انظر: طبقات النحويين واللغويين 43 ونزهة الألباء 45 وسير أعلام النبلاء 7/429.
[349]:- انظر: الإنصاف 2/695 واللسان 1/141-142، والإملاء 1/6.
[350]:- أبو العباس محمد بن يزيد بن عبد الله النحوي الأديب. بالكوفة (ت286هـ). انظر: إنباه الرواة 3/241 وطبقات القراء 2/280.
[351]:- في ع2: سم. وهو تحريف.
[352]:- في ع3: الكلام وهو خطأ.
[353]:- في ع1 أق: ثلاث. وهو خطأ.
[354]:- انظر: هذه الأقوال في مشكل الإعراب: 1/69-70 والإنصاف 2/695-696.
[355]:- في ع3: بن وهو خطأ.
[356]:- في ع2: يغير.
[357]:- في ق الباء. وهو تصحيف.
[358]:- سقط من ق.
[359]:- في ق فيما. وهو خطأ.
[360]:- في ع1، ع3: يتصل. وفي ق: ليتنصل.
[361]:- سقط من ق.
[362]:- سقط من ع3.
[363]:- في ع3: بن. وهو خطأ.
[364]:- قوله: "من الغائب" إلى "فهي كالكاف" سقط من ق.
[365]:- في ع3: بالطاعة.
[366]:- انظر: مثله في جامع البيان: 1/160.
[367]:- في ق: لا.
[368]:- في ع1: والتقدير.
[369]:- قوله "لا عمل" إلى "من الآخر" سقط من ع2.
[370]:- في ع2 ع3: الاختلاف. وهو خطأ.
[371]:- في ع2 ع3: عمر وهو تحريف.
[372]:- في ع1، ع2، ق، ع3، فنعبد.
[373]:- في ع1، ع2، ق، ح: بينا. وفي ع3: بيننا.
[374]:- في ع2: الين.
[375]:- في ع1، للالتقاء.
[376]:- انظر: البيان 1/38 والإملاء 1/6.
[377]:- انظر: إعراب القرآن 1/23، ومشكل الإعراب 1/71.
[378]:- وهي لغة تميم وأسد، وقيس، وربيعة، وتتميز بكسر أحرف المضارعة قال مكي: "وقرأ يحيى ابن وثاب (نِستَعين) بكسر النون، وهي لغة مشهورة حسنة" الإبانة 92. وراجع: إعراب القرآن 1/123، ومشكل الإعراب 1/123، والإملاء 1/6.
[379]:- في ق: نستعين. فهو تصحيف.
[380]:- في ع: و.