تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَٰلٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡجِبَالِ أَكۡنَٰنٗا وَجَعَلَ لَكُمۡ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلۡحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأۡسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡلِمُونَ} (81)

{ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ } ، أي : من مخلوقاته التي لا صنعة لكم فيها ، { ظِلَالًا } ، وذلك كأظلة الأشجار والجبال والآكام ونحوها ، { وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا } أي : مغارات تكنكم من الحر والبرد والأمطار والأعداء .

{ وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ } ، أي : ألبسة وثيابا ، { تَقِيكُمُ الْحَرَّ } ، ولم يذكر الله البرد ؛ لأنه قد تقدم أن هذه السورة أولها في أصول النعم ، وآخرها في مكملاتها ومتمماتها ، ووقاية البرد من أصول النعم ، فإنه من الضرورة ، وقد ذكره في أولها في قوله { لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ } .

{ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ } ، أي : وثيابا تقيكم وقت البأس والحرب من السلاح ، وذلك كالدروع والزرد ونحوها ، كذلك يتم نعمته عليكم ، حيث أسبغ عليكم من نعمه ما لا يدخل تحت الحصر ، { لَعَلَّكُمْ } إذا ذكرتم نعمة الله ورأيتموها غامرة لكم من كل وجه ، { تُسْلِمُونَ } لعظمته وتنقادون لأمره ، وتصرفونها في طاعة موليها ومسديها ، فكثرة النعم من الأسباب الجالبة من العباد مزيد الشكر ، والثناء بها على الله تعالى ، ولكن أبى الظالمون إلا تمردا وعنادا .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَٰلٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡجِبَالِ أَكۡنَٰنٗا وَجَعَلَ لَكُمۡ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلۡحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأۡسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡلِمُونَ} (81)

فيه ست مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " والله جعل لكم مما خلق ظلالا " ، الظلال : كل ما يستظل به من البيوت والشجر . وقوله : " مما خلق " ، يعم جميع الأشخاص المظلة .

الثانية : قوله تعالى : " أكنانا " ، الأكنان : جمح كن ، وهو الحافظ من المطر والريح وغير ذلك ، وهي هنا الغيران في الجبال ، جعلها الله عدة للخلق يأوون إليها ويتحصنون به أو يعتزلون عن الخلق فيها . وفي الصحيح أنه عليه السلام كان في أول أمره يتعبد بغار حراء ويمكث فيه الليالي . . الحديث ، وفي صحيح البخاري ، قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجرا ، هاربا من قومه ، فارا بدينه مع صاحبه أبي بكر ، حتى لحقا بغار في جبل ثور ، فمكنا{[10011]} فيه ثلاث ليال ، يبيت عندهما فيه عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثَقِفٌ{[10012]} لَقِنٌ ، فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت فلا يسمع أمرا يكادان{[10013]} به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام ، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر ، منحة{[10014]} من غنم فيريحها عليهما حتى تذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رِسْل ، وهو لبن منحتهما ورَضِيفِهِمَا{[10015]} حتى ينعق بهما عامر بن فهيرة بغلس ، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث . . . وذكر الحديث . انفراد بإخراجه البخاري .

الثالثة : قوله تعالى : " وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر " ، يعني : القمص ، واحدها سربال . " وسرابيل تقيكم بأسكم " ، يعني : الدروع التي تقي الناس في الحرب ، ومنه قول كعب بن زهير :

شُمُّ العَرَانِينِ أبطالٌ لَبُوسُهُم *** من نسج داود في الهيجا سرابيلُ

الرابعة : إن قال قائل : كيف قال " وجعل لكم من الجبال أكنانا " ، ولم يذكر السهل ، وكانوا أهل حر ولم يكونوا أهل برد ، فذكر لهم نعمه التي تختص بهم كما خصهم بذكر الصوف وغيره ، ولم يذكر القطن والكتان ولا الثلج – كما تقدم- ؛ فإنه لم يكن ببلادهم{[10016]} ، قال معناه عطاء الخراساني وغيره ، وأيضا : فذكر أحدهما يدل على الآخر ، ومنه قول الشاعر :

وما أدري إذا يَمَّمْتُ أرضًا *** أريدُ الخير أيهما يَليني

ألخير الذي أنا أبتغيه *** أم الشر الذي هو يبتغيني

الخامسة : قال العلماء : في قوله تعالى : " وسرابيل تقيكم بأسكم " ، دليل على اتخاذ العباد عدة الجهاد ليستعينوا بها على قتال الأعداء ، وقد لبسها النبي صلى الله عليه وسلم تقاة الجراحة وإن كان يطلب الشهادة ، وليس للعبد{[10017]} أن يطلبها بأن يستسلم للحتوف وللطعن بالسنان وللضرب بالسيوف ، ولكنه يلبس لأمة{[10018]} حرب لتكون له قوة على قتال عدوه ، ويقاتل لتكون كلمة الله هي العليا ، ويفعل الله بعد ما يشاء .

السادسة : قوله تعالى : " كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون " ، قرأ ابن محيصن وحميد : " تتم " ، بتاءين ، " نعمته " ، رفعا على أنها الفاعل . الباقون : " يتم " ، بضم الياء على أن الله هو يتمها . و " تسلمون " ، قراءة ابن عباس وعكرمة . " تسلمون " ، بفتح التاء واللام ، أي : تسلمون من الجراح ، وإسناده ضعيف ، رواه عباد بن العوام عن حنظلة عن شهر عن ابن عباس . الباقون : بضم التاء ، ومعناه تستسلمون وتنقادون إلى معرفة الله وطاعته شكرا على نعمه . قال أبو عبيد : والاختيار قراءة العامة ؛ لأن ما أنعم الله به علينا من الإسلام أفضل مما أنعم به من السلامة من الجراح .


[10011]:في ج و و : مكثا.
[10012]:أي حاذق سريع الفهم، لقن حسن التلقن لما يسمعه.
[10013]:من الكيد، أي يطلب لهما ما فيه المكروه.
[10014]:أي شاة تحلب إناء بالغداة وإناء بالعشي.
[10015]:الرضيف: اللبن المرضوف، وهو الذي طرح فيه الحجارة المحماة ليذهب وخمه. وينعق: يصيح.
[10016]:يقول محققه: ذكر الله لهم تلك النعم وهي دالة على ما يقابلها على سبيل الاكتفاء. والقطن مشهور باليمن، ومنه الثياب السحولية وكذا صحار ومنه كفن عليه السلام في ثوبين صحاريين. وكذا الثلج في جبال ببلاد العرب.
[10017]:في ي: على العبد.
[10018]:لأمة الحرب: أداته، وقد تترك الهمزة تخفيفا. في ي: حربه.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَٰلٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡجِبَالِ أَكۡنَٰنٗا وَجَعَلَ لَكُمۡ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلۡحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأۡسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡلِمُونَ} (81)

قوله : ( والله جعل لكم مما خلق ظلالا ) ، الظلال ، جمع ظل : وهو كل ما يستظل به من شجرة ونحوها . وقد يستظل كذلك بالغمام أو السحاب{[2581]} .

والظل الرخي الرطيب بفيئة الوارف المرغوب يحتاجه المسافرون والراحلون من مكان إلى آخر في ساعات الهجير حيث استعار الشمس والحرور ، فيدركون عندئذ أن الظل نعمة أيما نعمة . على أن خلْق الظل في ذاته لا جرم دليل على قدرة الصانع ، الذي أوجد في مركبات الطبيعة خواصها ، فجعل فيها الحرارة والبرودة والظل الظليل .

قوله : ( وجعل لكم من الجبال أكنانا ) ، الأكنان ، والأكنة ، جمع ومفرده كنان بالكسر . وهو وقاء كل شيء وستره . واستكن ، استتر . كن الشيء ، أي : ستره وصانه من الشمس . وأكنه في نفسه ؛ أي : أسرّه . والكن بالضم ، بمعنى : الستر . والأكنة : الأغطية{[2582]} . والله يمن على عباده أن جعل لهم من الجبال أماكن يسكنون بها ويستترون ، وذلك كالغيران والكهوف والبيوت المنحوثة . جعلها الله عدة للناس عند الحاجة ، فيأوون إليها ويتحصنون بها من الرياح والمطر والحر ، ويعتزلون بداخلها عن الناس . وها هو رسول رب العالمين ، سيد الأولين والآخرين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم قد أوى إلى كهف في حراء للتحنث{[2583]} ، ثم من بعده في ثور في طريقه مهاجرا إلى مكة .

قوله : ( وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر ) ، السرابيل ، جمع ومفرده السربال ، وهو القميص المتخذ من القطن أو الكتان أو الصوف . وقد اكتفى بذكر الحر في الآية ؛ لأن العلم بأحد الضدين وهو الحر ، يستلزم العلم بالضد الآخر وهو البرد .

قوله : ( وسرابيل تقيكم بأسكم ) ، البأس معناه الشدة . والمراد بها ههنا : شدة الطعن والضرب والرمي . والسرابيل التي تدرأ أذى المعتدين عمن يلبسها ، يراد بها : الدروع من الحديد . وهذا يدل على اتخاذ العدة للجهاد للاستعانة بها على قتال الأعداء . ولا مساغ للمسلم أن يستسلم للهوان والطعن والضرب من غير أن يحتاط لنفسه تمام الحيطة ، وأن يتخذ لذلك عدته من لبس لأمة{[2584]} الحرب .

قوله : ( كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون ) ، الكاف في اسم الإشارة ، صفة لمصدر محذوف ؛ أي مثل ذلك الإتمام يتم الله نعمته عليكم . فمثل ما خلق هذه الأشياء لكم وأنعم بها عليكم ؛ فإنه يتم عليكم نعمة الدنيا والدين ، ( لعلكم تسلمون ) بضم التاء ، وهو قول أكثر المفسرين ؛ أي : تخلصون لله الربوبية ، وتستسلمون لأمره ، وتبادرون لطاعته شكرا لنعمه عليكم .


[2581]:- مختار الصحاح ص 405.
[2582]:- مختار الصحاح ص 580 والقاموس المحيط جـ4 ص 266.
[2583]:- التحنث معناه التعبد. انظر المصباح المنير جـ1 ص 166.
[2584]:- اللأمة: أداة الحرب كلها، من رمح وبيضة، ومغفر وسيف ودرع. انظر المعجم الوسيط جـ2 ص 811.