{ 55 } { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }
هذا من أوعاده{[570]} الصادقة ، التي شوهد تأويلها ومخبرها ، فإنه وعد من قام بالإيمان والعمل الصالح من هذه الأمة ، أن يستخلفهم في الأرض ، يكونون هم الخلفاء فيها ، المتصرفين في تدبيرها ، وأنه يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ، وهو دين الإسلام ، الذي فاق الأديان كلها ، ارتضاه لهذه الأمة ، لفضلها وشرفها ونعمته عليها ، بأن يتمكنوا من إقامته ، وإقامة شرائعه الظاهرة والباطنة ، في أنفسهم وفي غيرهم ، لكون غيرهم من أهل الأديان وسائر الكفار مغلوبين ذليلين ، وأنه يبدلهم من بعد خوفهم الذي كان الواحد منهم لا يتمكن من إظهار دينه ، وما هو عليه إلا بأذى كثير من الكفار ، وكون جماعة المسلمين قليلين جدا بالنسبة إلى غيرهم ، وقد رماهم أهل الأرض عن قوس واحدة ، وبغوا لهم الغوائل .
فوعدهم الله هذه الأمور وقت نزول الآية ، وهي لم تشاهد الاستخلاف في الأرض والتمكين فيها ، والتمكين من إقامة الدين الإسلامي ، والأمن التام ، بحيث يعبدون الله ولا يشركون به شيئا ، ولا يخافون أحدا إلا الله ، فقام صدر هذه الأمة ، من الإيمان والعمل الصالح بما يفوقون على غيرهم ، فمكنهم من البلاد والعباد ، وفتحت مشارق الأرض ومغاربها ، وحصل الأمن التام والتمكين التام ، فهذا من آيات الله العجيبة الباهرة ، ولا يزال الأمر إلى قيام الساعة ، مهما قاموا بالإيمان والعمل الصالح ، فلا بد أن يوجد ما وعدهم الله ، وإنما يسلط عليهم الكفار والمنافقين ، ويديلهم في بعض الأحيان ، بسبب إخلال المسلمين بالإيمان والعمل الصالح .
{ وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ْ } التمكين والسلطنة التامة لكم ، يا معشر المسلمين ، { فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ْ } الذين خرجوا عن طاعة الله ، وفسدوا ، فلم يصلحوا لصالح ، ولم يكن فيهم أهلية للخير ، لأن الذي يترك الإيمان في حال عزه وقهره ، وعدم وجود الأسباب المانعة منه ، يدل على فساد نيته ، وخبث طويته ، لأنه لا داعي له لترك الدين إلا ذلك . ودلت هذه الآية ، أن الله قد مكن من قبلنا ، واستخلفهم في الأرض ، كما قال موسى لقومه : { وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ْ } وقال تعالى : { وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ }
نزلت في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، قاله مالك . وقيل : إن سبب هذه الآية أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم شكا جهد مكافحة العدو ، وما كانوا فيه من الخوف على أنفسهم ، وأنهم لا يضعون أسلحتهم ، فنزلت الآية . وقال أبو العالية : مكث رسول صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين بعدما أوحي إليه خائفا هو وأصحابه ، يدعون إلى الله سرا وجهرا ، ثم أمر بالهجرة إلى المدينة ، وكانوا فيها خائفين يصبحون ويمسون في السلاح . فقال رجل : يا رسول الله ، أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح ؟ فقال عليه السلام : ( لا تلبثون إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليس عليه حديدة ) . ونزلت هذه الآية ، وأظهر الله نبيه على جزيرة العرب فوضعوا السلاح وأمنوا . قال النحاس : فكان في هذه الآية دلالة على نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الله جل وعز أنجز ذلك الوعد . قال الضحاك في كتاب النقاش : هذه [ الآية ]{[12041]}تتضمن خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ؛ لأنهم أهل الإيمان وعملوا الصالحات . وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الخلافة بعدي ثلاثون ) . وإلى هذا القول ذهب ابن العربي في أحكامه ، واختاره ، وقال : قال علماؤنا هذه الآية دليل على خلافة الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم ، وأن الله استخلفهم ورضي أمانتهم ، وكانوا على الدين الذي ارتضى لهم ؛ لأنهم لم يتقدمهم أحد في الفضيلة إلى يومنا هذا ، فاستقر الأمر لهم ، وقاموا بسياسة المسلمين ، وذبوا عن حوزة الدين ، فنفذ الوعد فيهم ، وإذا لم يكن هذا الوعد لهم نجز ، وفيهم نفذ ، وعليهم ورد ، ففيمن يكون إذا ، وليس بعدهم مثلهم إلى يومنا هذا ، ولا يكون فيما بعده . رضي الله عنهم . وحكى هذا القول القشيري عن ابن عباس . واحتجوا بما رواه سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا ) . قال سفينة : أمسك عليك{[12042]} ، خلافة أبي بكر سنتين ، وخلافة عمر عشرا ، وخلافة عثمان اثنتي عشرة سنة ، وخلافة علي ستا . وقال قوم : هذا وعد لجميع الأمة في ملك الأرض كلها تحت كلمة الإسلام ، كما قال عليه الصلاة والسلام : ( زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها ) . واختار هذا القول ابن عطية في تفسيره حيث قال : والصحيح في الآية أنها في استخلاف الجمهور ، واستخلافهم هو أن يملكهم البلاد ويجعلهم أهلها ، كالذي جرى في الشام والعراق وخراسان والمغرب . قال ابن العربي : قلنا لهم هذا وعد عام في النبوة والخلافة وإقامة الدعوة وعموم الشريعة ، فنفذ الوعد في كل أحد بقدره وعلى حاله ، حتى في المفتين والقضاة والأئمة ، وليس للخلافة محل تنفذ فيه الموعدة الكريمة إلا من تقدم من الخلفاء . ثم ذكر اعتراضا وانفصالا معناه : فإن قيل هذا الأمر لا يصح إلا في أبي بكر وحده ، فأما عمر وعثمان فقتلا غيلة ، وعلي قد نوزع في الخلافة . قلنا : ليس في ضمن الأمن السلامة من الموت بأي وجه كان ، وأما علي فلم يكن نزاله في الحرب مذهبا للأمن ، وليس من شرط الأمن رفع الحرب إنما شرطه ملك الإنسان لنفسه باختياره ، لا كما كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بمكة . ثم قال في آخر كلامه : وحقيقة الحال أنهم كانوا مقهورين فصاروا قاهرين ، وكانوا مطلوبين فصاروا طالبين ، فهذا نهاية الأمن والعز .
قلت : هذه الحال لم تختص بالخلفاء الأربعة رضي الله عنهم حتى يخصوا بها من عموم الآية ، بل شاركهم في ذلك جميع المهاجرين بل وغيرهم . ألا ترى إلى إغزاء قريش المسلمين في أحد وغيرها وخاصة الخندق ، حتى أخبر الله تعالى عن جميعهم فقال : " إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا . هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا " {[12043]} [ الأحزاب : 10 - 11 ] . ثم إن الله رد الكافرين لم ينالوا خيرا ، وأمن المؤمنين وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم ، وهو المراد بقوله : " ليستخلفنهم في الأرض " . وقوله : " كما استخلف الذين من قبلهم " يعني بني إسرائيل ، إذ أهلك الله الجبابرة بمصر ، وأورثهم أرضهم وديارهم فقال : " وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها " {[12044]} [ الأعراف : 137 ] . وهكذا كان الصحابة مستضعفين خائفين ، ثم إن الله تعالى أمنهم ومكنهم وملكهم ، فصح أن الآية عامة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم غير مخصوصة ؛ إذ التخصيص لا يكون إلا بخبر ممن يجب له التسليم ، ومن الأصل المعلوم التمسك بالعموم . وجاء في معنى تبديل خوفهم بالأمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال أصحابه : أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح ؟ فقال عليه السلام : ( لا تلبثون إلا قليلا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم مُحْتَبِيا ليس عليه حديدة ) . وقال صلى الله عليه وسلم : ( والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون ) . خرجه مسلم في صحيحه ، فكان كما أخبر صلى الله عليه وسلم . فالآية معجزة النبوة ؛ لأنها إخبار عما سيكون فكان .
قوله تعالى : " ليستخلفنهم في الأرض " فيه قولان : أحدهما : يعني أرض مكة ؛ لأن المهاجرين سألوا الله تعالى ذلك فوعدوا كما وعدت بنو إسرائيل ، قال معناه النقاش . الثاني : بلاد العرب والعجم . قال ابن العربي : وهو الصحيح ؛ لأن أرض مكة محرمة على المهاجرين ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لكن البائس سعد بن خولة ) . يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة . وقال في الصحيح أيضا : ( يمكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا ) . واللام في " ليستخلفهم " جواب قسم مضمر ؛ لأن الوعد قول ، مجازها : قال الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات والله ليستخلفنهم في الأرض فيجعلهم ملوكها وسكانها . " كما استخلف الذين من قبلهم " يعني بني إسرائيل ، أهلك الجبابرة بمصر والشام وأورثهم أرضهم وديارهم . وقراءة العامة " كما استخلف " بفتح التاء واللام ؛ لقوله : " وعد " . وقوله : " ليستخلفنهم " . وقرأ عيسى بن عمر وأبو بكر والمفضل عن عاصم " استخلف " بضم التاء وكسر اللام على الفعل المجهول . " وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم " وهو الإسلام ، كما قال تعالى : " ورضيت لكم الإسلام دينا " [ المائدة : 3 ] وقد تقدم{[12045]} . وروي سليم بن عامر عن المقداد بن الأسود قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ما على ظهر الأرض بيت حجر ولا مدر إلا أدخله الله كلمة الإسلام بعز عزيز أو ذل ذليل أما بعزهم فيجعلهم من أهلها وأما بذلهم فيدينون بها ) . ذكره الماوردي حجة لمن قال : إن المراد بالأرض بلاد العرب والعجم ، وهو القول الثاني ، على ما تقدم آنفا . " وليبدلنهم " قرأ ابن محيصن وابن كثير ويعقوب وأبو بكر بالتخفيف ، من أبدل ، وهي قراءة الحسن ، واختيار أبي حاتم . الباقون بالتشديد ، من بدل ، وهي اختيار أبي عبيد ؛ لأنها أكثر ما في القرآن ، قال الله تعالى : " لا تبديل لكلمات الله " {[12046]} [ يونس : 64 ] . وقال : " وإذا بدلنا{[12047]} آية " [ النحل : 101 ] ونحوه ، وهما لغتان . قال النحاس : وحكى محمد بن الجهم عن الفراء قال : قرأ عاصم والأعمش " وليبدلنهم " مشددة ، وهذا غلط على عاصم ، وقد ذكر بعده غلطا أشد منه ، وهو أنه حكى عن سائر الناس التخفيف . قال النحاس : وزعم أحمد بن يحيى أن بين التثقيل والتخفيف فرقا ، وأنه يقال : بدلته أي غيرته ، وأبدلته أزلته وجعلت غيره . قال النحاس : وهذا القول صحيح ، كما تقول : أبدل لي هذا الدرهم ، أي أزله وأعطني غيره . وتقول : قد بدلت بعدنا ، أي غيرت ، غير أنه قد يستعمل أحدهما موضع الآخر ، والذي ذكره أكثر . وقد مضى هذا في " النساء " {[12048]} والحمد لله ، وذكرنا في سورة " إبراهيم " الدليل من السنة على أن بدل معناه إزالة العين ، فتأمله هناك{[12049]} . وقرئ " عسى ربنا أن يبدلنا " {[12050]} [ القلم : 32 ] مخففا ومثقلا . " يعبدونني " هو في موضع الحال ، أي في حال عبادتهم الله بالإخلاص . ويجوز أن يكون استئنافا على طريق الثناء عليهم . " لا يشركون بي شيئا " فيه أربعة أقوال : أحدها : لا يعبدون إلها غيري ، حكاه النقاش . الثاني : لا يراؤون بعبادتي أحدا . الثالث : لا يخافون غيري ، قاله ابن عباس . الرابع : لا يحبون غيري ، قاله مجاهد . " ومن كفر بعد ذلك " أي بهذه النعم . والمراد كفران النعمة ؛ لأنه قال تعالى : " فأولئك هم الفاسقون " والكافر بالله فاسق بعد هذا الإنعام وقبله .
قوله تعالى : { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ويبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ( 55 ) } روي في سبب نزول هذه الآية أن بعض أصحاب النبي ( ص ) شكا إليه ما هم فيه من العدو ، وتضييقه عليهم ، وشدة الخوف وما يلقون من الأذى ، فنزلت هذه الآية بالوعد الجميل لهم فأنجزه الله وملكهم ما وعدهم وأظهرهم على عدوهم .
وروى أبو العالية قال : مكث النبي ( ص ) عشر سنين خائفا يدعو إلى الله سرا وجهرا ثم أمر بالهجرة إلى المدينة ، فمكث بها وأصحابه خائفين يصبحون في السلاح ويمسون . فقال رجل : ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا السلاح ؟ ! فقال النبي ( ص ) : معناها : لا تعبرون ( لا تلبثون ) إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليس بيده حديدة{[3283]} .
وهذه الآية من الله قول صدق ووعد حق ، وعد به رسوله ( ص ) بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض ليكونوا أئمة الناس . فلا جرم أن تصلح بهم الدنيا ويستقيم الناس بشرعهم وملتهم ليعيشوا سالمين آمنين كراما في حياتهم الدنيا . وقد أنجز الله لرسوله الكريم ( ص ) ما وعده ؛ فإنه لم يمت حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن . ولقد هاداه هرقل ملك الروم وصاحب مصر المقوقس . وكذلك النجاشي ملك الحبشة . ولما مات ( ص ) وقام بالأمر بعده خليفتاه أبو بكر ثم عمر بن الخطاب اللذان جمعا شمل المسلمين من حول عقيدة الإسلام وبعثا جيوش المسلمين إلى فتح البلاد في فارس بقيادة أبطال صناديد من قادة المسلمين وعلى رأسهم أسد الله وأسد رسوله ، خالد بن الوليد . وبعثا جيشا يقوده نفر من عظماء الإسلام الأشاوش وفي طليعتهم أمين هذه الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح . ففتحوا الديار والأمصار ، وأشاعوا فيها رسالة الإسلام ، وعمت البلاد الهداية والخير والبركة .
ثم تولى من بعدهما عثمان بن عفان ، هذا الصحابي المفضال المبجّل ، الذي قتل مظلوما في نفسه رحمه الله . ثم جاء من بعده علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله ( ص ) وصهره . هذا الصحابي النابغ الهصور ، الذي تتجلى فيه خصائص فذة من العلم والنبوغ والبلاغة والورع والشجاعة والفطانة . هذا الصحابي الذي انبرى لنشر الإسلام في الآفاق حتى غلبه القدر المحتوم يوم أن تمالأ عليه الحاقدون الخائنون الذين كادوا له بليل فدفعوا إليه من يقتله غيلة وغدرا فخرّ شهيدا مكرّما ، عليه من الله الرحمة والرضوان .
وفي فضل الأربعة هؤلاء أخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن سفينة مولى رسول الله ( ص ) أن رسول الله قال : " الخلافة بعدي ثلاثون سنة ، ثم تكون ملكا عضوضا " .
ومن الحق الذي لا مراء فيه أن خلافة الراشدين الأربعة كانت خير فترة من الزمان سجلها تاريخ الإنسانية ومرت بها الأجيال من البشر ، بما تجلى فيها من بالغ العدل والتُّقى والرحمة ، وكامل الفضل والطهر والاستقامة والأمان ، فضلا عما تحقق في أشخاص ذلك الجيل الفريد من عجائب القيم والمثاليات المثيرة المذهلة . والحديث عن طهر الخلفاء الأربعة الراشدين وعن زهدهم وبالغ إخلاصهم وتجردهم من حظوظ الدنيا يطول . وكفى شاهدا على ذلك قول الرسول ( ص ) : " خير القرون قرني " .
أما الخلفاء والولاة من بعد الراشدين الأربعة فقد أبلوا عظيم البلاء في نشر الإسلام وترسيخ قواعده وأركانه وتثبيت حضارته وبنيانه الشامخ في أنحاء الدنيا ، بالرغم مما قيل في حقهم من بعض القوادح المنسوبة إليهم .
فهم كغيرهم من البشر لا ينجون من الزلل أو القوادح أو الخطل ؛ لأنهم أناس من جنس البشر لا تصدهم عن الأخطاء والزلات عِصْمة . ومع ذلك فإن زلاتهم بالغة الهوان بالنظر إلى ما تثيره حول أشخاصهم وعن سيرتهم أقلام الحاقدين والمتربصين الذين يكرهون الإسلام . أولئك الأفاكون الخراصون الذين زيفوا التاريخ من حول الإسلام وأشاعوا عنه وعن رجاله من الحكام والولاة والخلفاء ما هم منه برآء . كالذي قيل افتراء وزورا عن الخليفة العظيم هارون الرشيد وغيره من ساسة المسلمين .
وكيفما يكن الأمر فإن هؤلاء الساسة الميامين قد نشروا الإسلام في الأرض وحملوا لواء الحق والعدل والعلم في ربوع العالمين ، وأشاعوا بين العباد كل ظواهر الأمن والرخاء والاستقرار ، وأحلوا شعوبهم وأممهم دار الكرامة والمجد والإحساس بالعزة والاستعلاء والثقة ، فكانوا سادة الدنيا وكانوا أقوياء أشداء يهابهم الظالمون من حولهم ، وترتعد من بأسهم وسلطانهم وعظيم شوكتهم فرائص المجرمين الماكرين الذين يكرهون الإسلام والمسلمين .
إن ما حُسب على الخلفاء من بني أمية والعباس والذين جاءوا من بعدهم ، من الأخطاء والزلات ، ما ينبغي إلا أن تنمحي من الذاكرة كليا كلما ذكرنا صنائع هؤلاء الولاة الأعاظم من الفتوحات وبناء الحضارات الهائلة التي تفيض بالعلم والاستقرار والبحبوحة والاستقرار والعزة والمهابة لأمة الإسلام .
على أن هذا الوعد من الله بالنصر والتمكين والتأييد إنما هو لجميع المسلمين في كل زمان ؛ لأن الآية عامة لأمة محمد ( ص ) ، غير مخصوصة ؛ إذ التخصيص لا يكون إلا بالخبر الصحيح . ومن الأصل التمسك بالعموم ما لم يرد ما يخصصه .
وعلى هذا فإن وعد الله قائم لا يُخلف ؛ فقد وعد عباده المؤمنين بالنصر والتمكين في الأرض ليكونوا آمنين سالمين سعداء إذا ما آمنوا وعملوا الصالحات وقاموا بفعل الطاعات ، وبمجانبة المعاصي ، والتزموا دين الإسلام بكل أحكامه وشرائعه ونظمه وما يقتضيه ذلك من جمع الكلمة ووحدة القلوب ؛ ليكون المسلمون جميعا متعاونين متراحمين متوادين فيما بينهم . وحينئذ يجعل الله لهم العزة والمنعة والسلطان . وهو قوله : ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ) ( كما ) ، الكاف في محل نصب على المصدر ؛ أي استخلافا كما استخلف الذين . والمراد كل من استخلفهم الله في الأرض من الأمم السابقة وجعل لهم المنعة والعزة .
قوله : ( وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ) المراد بدينهم هنا ، الإسلام . وهو دين الحق الذي ارتضاه الله للبشرية لتهتدي بهديه ، وليكون لها نورا ينير لها الطريق ، ويبدد من أمامها الظلمات ؛ فلسوف يجعل الله الإسلام مكينا منيعا ظاهرا على كل الشرائع والملل .
قوله : ( وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ) أي يجعلهم الله آمنين مطمئنين بعد أن كانوا خائفين وجلين من أعداء الله المجرمين . كذلك كانت حال المسلمين قبل هجرتهم من مكة وبعدها بقليل . كانت تحيط بهم أسباب الخوف والذعر . وكان الأعداء الظالمون يحيطون بهم من كل جانب حتى منّ الله عليهم عقب ذلك بالنصر والأمن والتمكين في الأرض ، فجعلهم آمنين سالمين لا يخشون أحدا إلا الله . بعد أن أذل الله المشركين والظالمين والمتربصين ، وساقهم الهوان والخزي . وهو مصير المجرمين من أعداء الله والدين ، أعداء المسلمين في كل زمان ومكان . لسوف يسومهم الله الوبال والمهانة والقهر جزاء أفاعليهم النكراء وجرائمهم البشعة في حق المسلمين . وذلك بعد أن يفيق المسلمون من غفلتهم وينهضوا من كبوتهم فيعاودوا الاستمساك بعقيدة الإسلام والالتفاف من حول هذا الدين الكريم ليجعل الله لهم النصر والمنعة والاستعلاء . وحينئذ تكون لهم الريادة والسيادة على العالمين فينطلقون في أرجاء الأرض مبشرين بدين الله الحق ، حاملين ألوية الهداية والرحمة للبشرية .
قوله : ( يعبدونني لا يشركون بي شيئا ) ( يعبدونني ) ، جملة فعلية في محل نصب على الحال{[3284]} ؛ أي يذعنون لي بالطاعة والخضوع ويستسلمون لما أمرتهم به ، ولا يعبدون أحدا من دوني يتخذونهم شركاء كالأرباب المزيفة المصطنعة .
قوله : ( ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ) ( كفر ) هنا من الكفران وهو جحود النعمة ؛ أي من جحد ما أنعمه الله عليه فهو من العصاة الجاحدين لنعم الله . ومن عظائم نعم الله : تمكين المسلمين في الأرض ليكونوا أقوياء أولي مهابة وشوكة وسلطان .
والمسلمون باقون على حالهم من القوة والبأس وظهور الشوكة ماداموا معتصمين بحبل الله ، ساربين في طريق الحق والعدل ، سائرين على منهج الله . المنهج الكامل الشامل السديد وهو الإسلام . حتى إذا ضل المسلمون عن دينهم أو زاغوا عن منهج الله واستعاضوا عنه بشرائع الكفر والكافرين وانفتلوا عن صراط ربهم انفتالا أفضى بهم من الفسق والعصيان واتباع الأهواء والشهوات والملذات وركنوا إلى الدنيا بزينتها ومتاعها وزخرفها ، حينئذ ينساهم الله ويدعهم وشأنهم ، فما يصيرون بعد ذلك إلا إلى التخلخل والخور والانهيار لتتقطع أوصالهم ، وتنتقض عرى الوحدة والأخوة فيهم ، فيبيتون عرضة لتكالب المشركين والظالمين عليهم ؛ إذ ينقضون عليهم انقضاضا من كل جانب ليقتلوهم تقتيلا ويمزقوهم شر تمزيق وليقطعوهم شذر مذر ، وليستبيحوا كل حرماتهم ، فيجوسوا خلال ديارهم فلا يراعوا فيهم إلا ولا ذمة . كالذي حل بالمسلمين في كثير من بقاع الأرض مثل : الأندلس وفلسطين وكشمير وبلاد البوسنة وغير ذلك من بلاد المسلمين التي عاث فيها المجرمون الظالمون تقتيلا وتدميرا وتخريبا .
ومع كل هذه المآسي والويلات والعظائم المريعة التي نزلت بساحة المسلمين ، فما زالت طائفة من المسلمين تعمل في جد ويقظة وحرص ؛ لإظهار شأن الإسلام وإعادة مجده وعزه وسلطانه ، لا يصدها عن هذا المسعى بأس عدو ولا فتنة ظالم متربص . وهم ماضون لأمر الله في ثبات وعزم ويقين بالرغم من كل المؤامرات والمكائد التي يخطط لها الظالمون من الصليبيين والوثنيين والملحدين والاستعماريين والصهيونيين ، حتى يحكم الله لأوليائه الثابتين الصابرين بالنصر والغلبة . وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله ( ص ) أنه قال : " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى يوم القيامة " {[3285]} .