تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوۡمَ يَأۡتِيهِمُ ٱلۡعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَآ أَخِّرۡنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖ نُّجِبۡ دَعۡوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَۗ أَوَلَمۡ تَكُونُوٓاْ أَقۡسَمۡتُم مِّن قَبۡلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٖ} (44)

{ 44 - 46 } { وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ * وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ * وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ }

يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : { وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ } أي : صف لهم صفة تلك الحال وحذرهم من الأعمال الموجبة للعذاب الذي حين يأتي في شدائده وقلاقله ، { فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا } بالكفر والتكذيب وأنواع المعاصي نادمين على ما فعلوا سائلين للرجعة في غير وقتها ، { رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ } أي : ردَّنا إلى الدنيا فإنا قد أبصرنا ، { نُجِبْ دَعْوَتَكَ } والله يدعو إلى دار السلام { وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ } وهذا كله لأجل التخلص من العذاب الأليم وإلا فهم كذبة في هذا الوعد { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه }

ولهذا يوبخون ويقال لهم : { أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ } عن الدنيا وانتقال إلى الآخرة ، فها قد تبين حنثكم في إقسامكم ، وكذبكم فيما تدعون ،

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوۡمَ يَأۡتِيهِمُ ٱلۡعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَآ أَخِّرۡنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖ نُّجِبۡ دَعۡوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَۗ أَوَلَمۡ تَكُونُوٓاْ أَقۡسَمۡتُم مِّن قَبۡلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٖ} (44)

قوله تعالى : " وأنذر الناس " قال ابن عباس : أراد أهل مكة . " يوم يأتيهم العذاب " وهو يوم القيامة ، أي خوفهم ذلك اليوم . وإنما خصهم بيوم العذاب وإن كان يوم الثواب ؛ لأن الكلام خرج مخرج التهديد للعاصي . " فيقول الذين ظلموا " أي في ذلك اليوم " ربنا أخرنا " أي أمهلنا . " إلى أجل قريب " سألوه الرجوع إلى الدنيا حين ظهر الحق في الآخرة . " نجب دعوتك ونتبع الرسل " أي إلى الإسلام فيجابوا : " أولم تكونوا أقسمتم من قبل " يعني في دار الدنيا . " ما لكم من زوال " قال مجاهد : هو قسم قريش أنهم لا يبعثون . ابن جريج : هو ما حكاه عنهم في قوله : " وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت{[9561]} " [ النحل : 38 ] . " ما لكم من زوال " فيه تأويلان : أحدهما : ما لكم من انتقال عن الدنيا إلى الآخرة ، أي لا تبعثون ولا تحشرون ، وهذا قول مجاهد . الثاني : " ما لكم من زوال " أي من العذاب . وذكر البيهقي عن محمد بن كعب القرظي قال : لأهل النار خمس دعوات يجيبهم الله أربعة ، فإذا كان في الخامسة لم يتكلموا بعدها أبدا ، يقولون : " ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل{[9562]} " [ غافر : 11 ] فيجيبهم الله " ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وأن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير " [ غافر : 12 ] ثم يقولون : " ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون{[9563]} " [ السجدة : 12 ] فيجيبهم الله تعالى : " فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون " [ السجدة : 14 ] ثم يقولون : " ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل " فيجيبهم الله تعالى " أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال " فيقولون : " ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل " [ فاطر : 37 ] فيجيبهم الله تعالى : " أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير{[9564]} " [ فاطر : 37 ] . ويقولون : " ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين " [ المؤمنون : 106 ] فيجيبهم الله تعالى : " اخسؤوا فيها ولا تكلمون{[9565]} " [ المؤمنون : 108 ] فلا يتكلمون بعدها أبدا ، خرجه ابن المبارك في { دقائقه } بأطول من هذا - وقد كتبناه في كتاب { التذكرة } وزاد في الحديث " وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال . وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال " [ إبراهيم :44 - 45 ] قال هذه الثالثة ، وذكر الحديث وزاد بعد قوله : " اخسؤوا فيها ولا تكلمون " [ المؤمنون : 108 ] فانقطع عند ذلك الدعاء والرجاء ، وأقبل بعضهم على بعض ينبح بعضهم في وجه بعضهم في وجه بعض ، وأطبقت عليهم ، وقال : فحدثني الأزهر بن أبي الأزهر أنه ذكر له أن ذلك قوله : " هذا يوم لا ينطقون . ولا يؤذن لهم فيعتذرون{[9566]} " [ المرسلات :35 - 36 ] .


[9561]:راجع ج 10 ص 105.
[9562]:راجع ج 15 ص 296.
[9563]:راجع ج 14 ص 95، و ص 351.
[9564]:راجع ج 14 ص 95، و ص 351.
[9565]:راجع ج 12 ص 153.
[9566]:راجع ج 19 ص 164.
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوۡمَ يَأۡتِيهِمُ ٱلۡعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَآ أَخِّرۡنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖ نُّجِبۡ دَعۡوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَۗ أَوَلَمۡ تَكُونُوٓاْ أَقۡسَمۡتُم مِّن قَبۡلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٖ} (44)

{ يوم يأتيهم العذاب } : يعني يوم القيامة ، وانتصاب يوم على أنه مفعول ثان لأنذر ، ولا يجوز أن يكون ظرفا { أولم تكونوا } تقديره : يقال لهم { أولم تكونوا } الآية .

{ مالكم من زوال } هم المقسم عليه ، ومعنى من زوال أي : من الأرض بعد الموت أي : حلفتم أنكم لا تبعثون .