تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ وَلَن تَفۡعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ} (24)

ثم قال تعالى : { وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ }

وهذا دليل عقلي على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصحة ما جاء به ، فقال : { وإن كنتم } معشر المعاندين للرسول ، الرادين دعوته ، الزاعمين كذبه في شك واشتباه ، مما نزلنا على عبدنا ، هل هو حق أو غيره ؟ فهاهنا أمر نصف ، فيه الفيصلة بينكم وبينه ، وهو أنه بشر مثلكم ، ليس بأفصحكم ولا بأعلمكم{[67]}  وأنتم تعرفونه منذ نشأ بينكم ، لا يكتب ولا يقرأ ، فأتاكم بكتاب زعم أنه من عند الله ، وقلتم أنتم أنه تقوَّله وافتراه ، فإن كان الأمر كما تقولون ، فأتوا بسورة من مثله ، واستعينوا بمن تقدرون عليه من أعوانكم وشهدائكم ، فإن هذا أمر يسير عليكم ، خصوصا وأنتم أهل الفصاحة والخطابة ، والعداوة العظيمة للرسول ، فإن جئتم بسورة من مثله ، فهو كما زعمتم ، وإن لم تأتوا بسورة من مثله وعجزتم غاية العجز ، ولن تأتوا بسورة من مثله ، ولكن هذا التقييم{[68]}  على وجه الإنصاف والتنزل معكم ، فهذا آية كبرى ، ودليل واضح [ جلي ] على صدقه وصدق ما جاء به ، فيتعين عليكم اتباعه ، واتقاء النار التي بلغت في الحرارة العظيمة [ والشدة ] ، أن كانت وقودها الناس والحجارة ، ليست كنار الدنيا التي إنما تتقد بالحطب ، وهذه النار الموصوفة معدة ومهيأة للكافرين بالله ورسله . فاحذروا الكفر برسوله ، بعد ما تبين لكم أنه رسول الله .

وهذه الآية ونحوها يسمونها آيات التحدي ، وهو تعجيز الخلق أن يأتوا بمثل هذا القرآن ، قال تعالى { قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا }

وكيف يقدر المخلوق من تراب ، أن يكون كلامه ككلام رب الأرباب ؟ أم كيف يقدر الناقص الفقير من كل الوجوه ، أن يأتي بكلام ككلام الكامل ، الذي له الكمال المطلق ، والغنى الواسع من كل الوجوه ؟ هذا ليس في الإمكان ، ولا في قدرة الإنسان ، وكل من له أدنى ذوق ومعرفة [ بأنواع ] الكلام ، إذا وزن هذا القرآن العظيم بغيره من كلام البلغاء ، ظهر له الفرق العظيم .

وفي قوله : { وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ } إلى آخره ، دليل على أن الذي يرجى له الهداية من الضلالة : [ هو ] الشاك الحائر الذي لم يعرف الحق من الضلال ، فهذا إذا بين له الحق فهو حري بالتوفيق{[69]}  إن كان صادقا في طلب الحق .

وأما المعاند الذي يعرف الحق ويتركه ، فهذا لا يمكن رجوعه ، لأنه ترك الحق بعد ما تبين له ، لم يتركه عن جهل ، فلا حيلة فيه .

وكذلك الشاك غير الصادق{[70]}  في طلب الحق ، بل هو معرض غير مجتهد في طلبه ، فهذا في الغالب أنه لا يوفق .

وفي وصف الرسول بالعبودية في هذا المقام العظيم ، دليل على أن أعظم أوصافه صلى الله عليه وسلم ، قيامه بالعبودية ، التي لا يلحقه فيها أحد من الأولين والآخرين .

كما وصفه بالعبودية في مقام الإسراء ، فقال : { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ } وفي مقام الإنزال ، فقال : { تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ }

وفي قوله : { أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } ونحوها من الآيات ، دليل لمذهب أهل السنة والجماعة ، أن الجنة والنار مخلوقتان خلافا للمعتزلة ، وفيها أيضا ، أن الموحدين وإن ارتكبوا بعض الكبائر لا يخلدون في النار ، لأنه قال : { أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } فلو كان [ عصاة الموحدين ] يخلدون فيها ، لم تكن معدة للكافرين وحدهم ، خلافا للخوارج والمعتزلة .

وفيها دلالة على أن العذاب مستحق بأسبابه ، وهو الكفر ، وأنواع المعاصي على اختلافها .


[67]:- هكذا في أ، وفي ب: شطب قوله (بأفصحكم ولا بأعلمكم) وفي هامش النسخة بخط المؤلف جملة أخرى هي (من جنس آخر) فتكون الجملة هكذا (ليس من جنس آخر).
[68]:- هكذا وردت الكلمة في هامش أ، وهي ليست في ب، ويبدو أن المراد وهذا العرض.
[69]:- في ب: باتباعه.
[70]:- في ب: الذي ليس بصادق.

 
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ وَلَن تَفۡعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ} (24)

{ فإن لم تفعلوا } هذا فيما مضى { ولن تفعلوا } أيضا فيما يستقبل أبدا { فاتقوا } فاحذروا أن تصلوا { النار التي وقودها } ما يوقد به { الناس والحجارة } يعني حجارة الكبريت وهي أشد لاتقادها { أعدت } خلقت وهيئت جزاء { للكافرين } بتكذيبهم

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ وَلَن تَفۡعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ} (24)

قوله : ( فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين ( تتضمن الآية شرطا وجوابه ، فجملة الشرط منفية ، والجواب ما اقترنت به الفاء وذلك في قوله ( فاتقوا النار . . . ( .

والآية تنطوي على التحدي للمشركين : إن كانوا يستطيعون اصطناع مثل هذا الكلام العظيم ، والآية كذلك تتضمن مسبقا حقيقة عجزهم عن هذا الاصطناع .

وعلى ذلك فالجملة الفعلية المنفية الأولى تفيد الحال ، أما الجملة الفعلية المنفية وهي الواقعة في جواب الشرط فإنها تفيد الاستقبال ، وهي لا جرم أن تكون آكد في التحدي وأبلغ في التأثير والاستثارة بما يدفع المشركين لبذل المزيد من الجهد كيما يأتوا بمثل هذا القرآن إن استطاعوا ، ولكنهم لن يستطيعوا مهما بذلوا من عناء التكلف ، ذلك هو الحكم الفصل الذي انطوت عليه الآية ليعلم كل من يبتغي العلم أن أحدا من البشر لن يقوى في يوم من الأيام على اصطناع مثل هذا القرآن أو بعضه ، والحكم الفصل في قوله : ( ولن تفعلوا ( يرسخ حقيقة الإعجاز للقرآن .

وبعد هذا التأكيد المسبق الحاسم على إخفاق أية محاولة لاصطناع مثل القرآن فإن الله جلت قدرته يحذر من النار الحارقة التي يتعذب بها الجاحدون لأنعم الله المنكرون لكتابه الحكيم ، وذلك في قوله : ( فاتقوا النار ( أي اتخذوا من طاعة الله ومجانية نواهيه ومعاصيه وقاية تحتمون بها من حريق النار وما فيها من عذاب أليم لا يطاق .

ويزداد القلب هلعا وارتجافا لدى إدراك المرء أن وقود النار من الناس والحجارة ، فيا لهول المشهد الذي يثير في النفس الوجل والترويع إنه مشهد يبعث على الصحو في تبكير كيلا تتعاقب الأيام والسنون ثم يفوت الأوان وتذهب الفرصة التي تتاح للمرء فيها أن يتوب ويعمل صالحا .

وفي اجتماع الناس والحجارة في النار أكثر من مدلول ، فإن من جملة ذلك : أن يستوي الإنسان الجاحد ليكونا معا في النار ، فهما عنصران سيان يلتقيان في الحريق بلا اعتبار أو حساب ، إنهما الحجر الأصم ، والإنسان التائه الصفيق الذي قارف ما لم يقارفه حجر ولا بهيمة .

ومن جملة ذلك أيضا : أن يشتد عذاب الكافرين في النار وهم تمسهم الحجارة الحامية مما يضيف إلى الأجساد المصطلية لهيبا واضطراما ، وقد ورد في المقصود بالحجارة هنا أنها مصنوعة من الكبريت الأسود وهو شديد الاشتعال ، وسواء كانت هي الحجارة المعروفة أمن أنها من الكبريت فإن المقصود الأهم هو بعث التحريق واللهب على نحو أشد لكي يذوق الكافرون والملحدون والمكذبون أقسى النكال الذي تتقاحم فيه أبدانهم وجلودهم وهم يحترقون في النار .

قوله : ( أعدت للكافرين ( أي أن هذه النار قد هيئت وتم رصدها للكافرين ، ويدل ظاهر هذه العبارة على أن النار موجودة أصلا في هذا الزمان وفي سوابق الزمان ، وذلك الذي عليه جمهرة أهل العلم من مفسرين ومحدثين ، وثمة قول آخر وهو أن النار لم تخلق بعد وأن عملية الخلق كائنة يوم القيامة ولا يعز شيء من ذلك على الله .

وفي تقديري أن هذا القول مرجوح وأن ما عليه جمهور أهل العلم هو الصواب .