تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ} (55)

{ 55 } { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }

هذا من أوعاده{[570]}  الصادقة ، التي شوهد تأويلها ومخبرها ، فإنه وعد من قام بالإيمان والعمل الصالح من هذه الأمة ، أن يستخلفهم في الأرض ، يكونون هم الخلفاء فيها ، المتصرفين في تدبيرها ، وأنه يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ، وهو دين الإسلام ، الذي فاق الأديان كلها ، ارتضاه لهذه الأمة ، لفضلها وشرفها ونعمته عليها ، بأن يتمكنوا من إقامته ، وإقامة شرائعه الظاهرة والباطنة ، في أنفسهم وفي غيرهم ، لكون غيرهم من أهل الأديان وسائر الكفار مغلوبين ذليلين ، وأنه يبدلهم من بعد خوفهم الذي كان الواحد منهم لا يتمكن من إظهار دينه ، وما هو عليه إلا بأذى كثير من الكفار ، وكون جماعة المسلمين قليلين جدا بالنسبة إلى غيرهم ، وقد رماهم أهل الأرض عن قوس واحدة ، وبغوا لهم الغوائل .

فوعدهم الله هذه الأمور وقت نزول الآية ، وهي لم تشاهد الاستخلاف في الأرض والتمكين فيها ، والتمكين من إقامة الدين الإسلامي ، والأمن التام ، بحيث يعبدون الله ولا يشركون به شيئا ، ولا يخافون أحدا إلا الله ، فقام صدر هذه الأمة ، من الإيمان والعمل الصالح بما يفوقون على غيرهم ، فمكنهم من البلاد والعباد ، وفتحت مشارق الأرض ومغاربها ، وحصل الأمن التام والتمكين التام ، فهذا من آيات الله العجيبة الباهرة ، ولا يزال الأمر إلى قيام الساعة ، مهما قاموا بالإيمان والعمل الصالح ، فلا بد أن يوجد ما وعدهم الله ، وإنما يسلط عليهم الكفار والمنافقين ، ويديلهم في بعض الأحيان ، بسبب إخلال المسلمين بالإيمان والعمل الصالح .

{ وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ْ } التمكين والسلطنة التامة لكم ، يا معشر المسلمين ، { فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ْ } الذين خرجوا عن طاعة الله ، وفسدوا ، فلم يصلحوا لصالح ، ولم يكن فيهم أهلية للخير ، لأن الذي يترك الإيمان في حال عزه وقهره ، وعدم وجود الأسباب المانعة منه ، يدل على فساد نيته ، وخبث طويته ، لأنه لا داعي له لترك الدين إلا ذلك . ودلت هذه الآية ، أن الله قد مكن من قبلنا ، واستخلفهم في الأرض ، كما قال موسى لقومه : { وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ْ } وقال تعالى : { وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ }


[570]:- كذا في النسختين، ولعل الصواب: وعوده.
 
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ} (55)

{ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض } ليورثنهم أرض الكفار من العرب والعجم { كما استخلف الذين من قبلهم } يعني بني إسرائيل { وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم } حتى يتمكنوا منه من غير خوف { وليبدلنهم من بعد خوفهم } من العدو { آمنا } لا يخافون معه العدو { ومن كفر } بهذه النعمة فعصى الله ورسوله وسفك الدماء { فأولئك هم الفاسقون } فكان أول من كفر بهذه النعمة بعد ما أنجز الله وعده الذين قتلوا عثمان بن عفان رضي الله عنه فعادوا في الخوف وظهر الشر والخلاف

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ} (55)

قوله تعالى : { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ويبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ( 55 ) } روي في سبب نزول هذه الآية أن بعض أصحاب النبي ( ص ) شكا إليه ما هم فيه من العدو ، وتضييقه عليهم ، وشدة الخوف وما يلقون من الأذى ، فنزلت هذه الآية بالوعد الجميل لهم فأنجزه الله وملكهم ما وعدهم وأظهرهم على عدوهم .

وروى أبو العالية قال : مكث النبي ( ص ) عشر سنين خائفا يدعو إلى الله سرا وجهرا ثم أمر بالهجرة إلى المدينة ، فمكث بها وأصحابه خائفين يصبحون في السلاح ويمسون . فقال رجل : ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا السلاح ؟ ! فقال النبي ( ص ) : معناها : لا تعبرون ( لا تلبثون ) إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليس بيده حديدة{[3283]} .

وهذه الآية من الله قول صدق ووعد حق ، وعد به رسوله ( ص ) بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض ليكونوا أئمة الناس . فلا جرم أن تصلح بهم الدنيا ويستقيم الناس بشرعهم وملتهم ليعيشوا سالمين آمنين كراما في حياتهم الدنيا . وقد أنجز الله لرسوله الكريم ( ص ) ما وعده ؛ فإنه لم يمت حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن . ولقد هاداه هرقل ملك الروم وصاحب مصر المقوقس . وكذلك النجاشي ملك الحبشة . ولما مات ( ص ) وقام بالأمر بعده خليفتاه أبو بكر ثم عمر بن الخطاب اللذان جمعا شمل المسلمين من حول عقيدة الإسلام وبعثا جيوش المسلمين إلى فتح البلاد في فارس بقيادة أبطال صناديد من قادة المسلمين وعلى رأسهم أسد الله وأسد رسوله ، خالد بن الوليد . وبعثا جيشا يقوده نفر من عظماء الإسلام الأشاوش وفي طليعتهم أمين هذه الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح . ففتحوا الديار والأمصار ، وأشاعوا فيها رسالة الإسلام ، وعمت البلاد الهداية والخير والبركة .

ثم تولى من بعدهما عثمان بن عفان ، هذا الصحابي المفضال المبجّل ، الذي قتل مظلوما في نفسه رحمه الله . ثم جاء من بعده علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله ( ص ) وصهره . هذا الصحابي النابغ الهصور ، الذي تتجلى فيه خصائص فذة من العلم والنبوغ والبلاغة والورع والشجاعة والفطانة . هذا الصحابي الذي انبرى لنشر الإسلام في الآفاق حتى غلبه القدر المحتوم يوم أن تمالأ عليه الحاقدون الخائنون الذين كادوا له بليل فدفعوا إليه من يقتله غيلة وغدرا فخرّ شهيدا مكرّما ، عليه من الله الرحمة والرضوان .

وفي فضل الأربعة هؤلاء أخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن سفينة مولى رسول الله ( ص ) أن رسول الله قال : " الخلافة بعدي ثلاثون سنة ، ثم تكون ملكا عضوضا " .

ومن الحق الذي لا مراء فيه أن خلافة الراشدين الأربعة كانت خير فترة من الزمان سجلها تاريخ الإنسانية ومرت بها الأجيال من البشر ، بما تجلى فيها من بالغ العدل والتُّقى والرحمة ، وكامل الفضل والطهر والاستقامة والأمان ، فضلا عما تحقق في أشخاص ذلك الجيل الفريد من عجائب القيم والمثاليات المثيرة المذهلة . والحديث عن طهر الخلفاء الأربعة الراشدين وعن زهدهم وبالغ إخلاصهم وتجردهم من حظوظ الدنيا يطول . وكفى شاهدا على ذلك قول الرسول ( ص ) : " خير القرون قرني " .

أما الخلفاء والولاة من بعد الراشدين الأربعة فقد أبلوا عظيم البلاء في نشر الإسلام وترسيخ قواعده وأركانه وتثبيت حضارته وبنيانه الشامخ في أنحاء الدنيا ، بالرغم مما قيل في حقهم من بعض القوادح المنسوبة إليهم .

فهم كغيرهم من البشر لا ينجون من الزلل أو القوادح أو الخطل ؛ لأنهم أناس من جنس البشر لا تصدهم عن الأخطاء والزلات عِصْمة . ومع ذلك فإن زلاتهم بالغة الهوان بالنظر إلى ما تثيره حول أشخاصهم وعن سيرتهم أقلام الحاقدين والمتربصين الذين يكرهون الإسلام . أولئك الأفاكون الخراصون الذين زيفوا التاريخ من حول الإسلام وأشاعوا عنه وعن رجاله من الحكام والولاة والخلفاء ما هم منه برآء . كالذي قيل افتراء وزورا عن الخليفة العظيم هارون الرشيد وغيره من ساسة المسلمين .

وكيفما يكن الأمر فإن هؤلاء الساسة الميامين قد نشروا الإسلام في الأرض وحملوا لواء الحق والعدل والعلم في ربوع العالمين ، وأشاعوا بين العباد كل ظواهر الأمن والرخاء والاستقرار ، وأحلوا شعوبهم وأممهم دار الكرامة والمجد والإحساس بالعزة والاستعلاء والثقة ، فكانوا سادة الدنيا وكانوا أقوياء أشداء يهابهم الظالمون من حولهم ، وترتعد من بأسهم وسلطانهم وعظيم شوكتهم فرائص المجرمين الماكرين الذين يكرهون الإسلام والمسلمين .

إن ما حُسب على الخلفاء من بني أمية والعباس والذين جاءوا من بعدهم ، من الأخطاء والزلات ، ما ينبغي إلا أن تنمحي من الذاكرة كليا كلما ذكرنا صنائع هؤلاء الولاة الأعاظم من الفتوحات وبناء الحضارات الهائلة التي تفيض بالعلم والاستقرار والبحبوحة والاستقرار والعزة والمهابة لأمة الإسلام .

على أن هذا الوعد من الله بالنصر والتمكين والتأييد إنما هو لجميع المسلمين في كل زمان ؛ لأن الآية عامة لأمة محمد ( ص ) ، غير مخصوصة ؛ إذ التخصيص لا يكون إلا بالخبر الصحيح . ومن الأصل التمسك بالعموم ما لم يرد ما يخصصه .

وعلى هذا فإن وعد الله قائم لا يُخلف ؛ فقد وعد عباده المؤمنين بالنصر والتمكين في الأرض ليكونوا آمنين سالمين سعداء إذا ما آمنوا وعملوا الصالحات وقاموا بفعل الطاعات ، وبمجانبة المعاصي ، والتزموا دين الإسلام بكل أحكامه وشرائعه ونظمه وما يقتضيه ذلك من جمع الكلمة ووحدة القلوب ؛ ليكون المسلمون جميعا متعاونين متراحمين متوادين فيما بينهم . وحينئذ يجعل الله لهم العزة والمنعة والسلطان . وهو قوله : ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ) ( كما ) ، الكاف في محل نصب على المصدر ؛ أي استخلافا كما استخلف الذين . والمراد كل من استخلفهم الله في الأرض من الأمم السابقة وجعل لهم المنعة والعزة .

قوله : ( وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ) المراد بدينهم هنا ، الإسلام . وهو دين الحق الذي ارتضاه الله للبشرية لتهتدي بهديه ، وليكون لها نورا ينير لها الطريق ، ويبدد من أمامها الظلمات ؛ فلسوف يجعل الله الإسلام مكينا منيعا ظاهرا على كل الشرائع والملل .

قوله : ( وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ) أي يجعلهم الله آمنين مطمئنين بعد أن كانوا خائفين وجلين من أعداء الله المجرمين . كذلك كانت حال المسلمين قبل هجرتهم من مكة وبعدها بقليل . كانت تحيط بهم أسباب الخوف والذعر . وكان الأعداء الظالمون يحيطون بهم من كل جانب حتى منّ الله عليهم عقب ذلك بالنصر والأمن والتمكين في الأرض ، فجعلهم آمنين سالمين لا يخشون أحدا إلا الله . بعد أن أذل الله المشركين والظالمين والمتربصين ، وساقهم الهوان والخزي . وهو مصير المجرمين من أعداء الله والدين ، أعداء المسلمين في كل زمان ومكان . لسوف يسومهم الله الوبال والمهانة والقهر جزاء أفاعليهم النكراء وجرائمهم البشعة في حق المسلمين . وذلك بعد أن يفيق المسلمون من غفلتهم وينهضوا من كبوتهم فيعاودوا الاستمساك بعقيدة الإسلام والالتفاف من حول هذا الدين الكريم ليجعل الله لهم النصر والمنعة والاستعلاء . وحينئذ تكون لهم الريادة والسيادة على العالمين فينطلقون في أرجاء الأرض مبشرين بدين الله الحق ، حاملين ألوية الهداية والرحمة للبشرية .

قوله : ( يعبدونني لا يشركون بي شيئا ) ( يعبدونني ) ، جملة فعلية في محل نصب على الحال{[3284]} ؛ أي يذعنون لي بالطاعة والخضوع ويستسلمون لما أمرتهم به ، ولا يعبدون أحدا من دوني يتخذونهم شركاء كالأرباب المزيفة المصطنعة .

قوله : ( ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ) ( كفر ) هنا من الكفران وهو جحود النعمة ؛ أي من جحد ما أنعمه الله عليه فهو من العصاة الجاحدين لنعم الله . ومن عظائم نعم الله : تمكين المسلمين في الأرض ليكونوا أقوياء أولي مهابة وشوكة وسلطان .

والمسلمون باقون على حالهم من القوة والبأس وظهور الشوكة ماداموا معتصمين بحبل الله ، ساربين في طريق الحق والعدل ، سائرين على منهج الله . المنهج الكامل الشامل السديد وهو الإسلام . حتى إذا ضل المسلمون عن دينهم أو زاغوا عن منهج الله واستعاضوا عنه بشرائع الكفر والكافرين وانفتلوا عن صراط ربهم انفتالا أفضى بهم من الفسق والعصيان واتباع الأهواء والشهوات والملذات وركنوا إلى الدنيا بزينتها ومتاعها وزخرفها ، حينئذ ينساهم الله ويدعهم وشأنهم ، فما يصيرون بعد ذلك إلا إلى التخلخل والخور والانهيار لتتقطع أوصالهم ، وتنتقض عرى الوحدة والأخوة فيهم ، فيبيتون عرضة لتكالب المشركين والظالمين عليهم ؛ إذ ينقضون عليهم انقضاضا من كل جانب ليقتلوهم تقتيلا ويمزقوهم شر تمزيق وليقطعوهم شذر مذر ، وليستبيحوا كل حرماتهم ، فيجوسوا خلال ديارهم فلا يراعوا فيهم إلا ولا ذمة . كالذي حل بالمسلمين في كثير من بقاع الأرض مثل : الأندلس وفلسطين وكشمير وبلاد البوسنة وغير ذلك من بلاد المسلمين التي عاث فيها المجرمون الظالمون تقتيلا وتدميرا وتخريبا .

ومع كل هذه المآسي والويلات والعظائم المريعة التي نزلت بساحة المسلمين ، فما زالت طائفة من المسلمين تعمل في جد ويقظة وحرص ؛ لإظهار شأن الإسلام وإعادة مجده وعزه وسلطانه ، لا يصدها عن هذا المسعى بأس عدو ولا فتنة ظالم متربص . وهم ماضون لأمر الله في ثبات وعزم ويقين بالرغم من كل المؤامرات والمكائد التي يخطط لها الظالمون من الصليبيين والوثنيين والملحدين والاستعماريين والصهيونيين ، حتى يحكم الله لأوليائه الثابتين الصابرين بالنصر والغلبة . وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله ( ص ) أنه قال : " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى يوم القيامة " {[3285]} .


[3283]:- أحكام القرآن لابن العربي جـ 3 ص 1380.
[3284]:- البيان لابن الأنباري جـ2 ص 199.
[3285]:- تفسير ابن كثير جـ3 ص 302 وتفسير الرازي جـ 24 ص 26 وأحكام القرآن لابن العربي جـ 3 ص 1382- 1383.