{ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } هذا حكم العاجز عن النكاح ، أمره الله أن يستعفف ، أن يكف عن المحرم ، ويفعل الأسباب التي تكفه عنه ، من صرف دواعي قلبه بالأفكار التي تخطر بإيقاعه فيه ، ويفعل أيضا ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " وقوله : { الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا } أي : لا يقدرون نكاحا ، إما لفقرهم أو فقر أوليائهم وأسيادهم ، أو امتناعهم من تزويجهم [ وليس لهم ]{[563]} من قدرة على إجبارهم على ذلك ، وهذا التقدير ، أحسن من تقدير من قدر " لا يجدون مهر نكاح " وجعلوا المضاف إليه نائبا مناب المضاف ، فإن في ذلك محذورين : أحدهما : الحذف في الكلام ، والأصل عدم الحذف .
والثاني كون المعنى قاصرا على من له حالان ، حالة غنى بماله ، وحالة عدم ، فيخرج العبيد والإماء ومن إنكاحه على وليه ، كما ذكرنا .
{ حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } وعد للمستعفف أن الله سيغنيه وييسر له أمره ، وأمر له بانتظار الفرج ، لئلا يشق عليه ما هو فيه .
وقوله { وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا } أي : من ابتغى وطلب منكم الكتابة ، وأن يشتري نفسه ، من عبيد وإماء ، فأجيبوه إلى ما طلب ، وكاتبوه ، { إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ } أي : في الطالبين للكتابة { خَيْرًا } أي : قدرة على التكسب ، وصلاحا في دينه ، لأن في الكتابة تحصيل المصلحتين ، مصلحة العتق والحرية ، ومصلحة العوض الذي يبذله في فداء نفسه . وربما جد واجتهد ، وأدرك لسيده في مدة الكتابة من المال ما لا يحصل في رقه ، فلا يكون ضرر على السيد في كتابته ، مع حصول عظيم المنفعة للعبد ، فلذلك أمر الله بالكتابة على هذا الوجه أمر إيجاب ، كما هو الظاهر ، أو أمر استحباب على القول الآخر ، وأمر بمعاونتهم على كتابتهم ، لكونهم محتاجين لذلك ، بسبب أنهم لا مال لهم ، فقال : { وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } يدخل في ذلك أمر سيده الذي كاتبه ، أن يعطيه من كتابته أو يسقط عنه منها ، وأمر الناس بمعونتهم .
ولهذا جعل الله للمكاتبين قسطا من الزكاة ، ورغب في إعطائه بقوله : { مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } أي : فكما أن المال مال الله ، وإنما الذي بأيديكم عطية من الله لكم ومحض منه ، فأحسنوا لعباد الله ، كما أحسن الله إليكم .
ومفهوم الآية الكريمة ، أن العبد إذا لم يطلب الكتابة ، لا يؤمر سيده أن يبتدئ بكتابته ، وأنه إذا لم يعلم منه خيرا ، بأن علم منه عكسه ، إما أنه يعلم أنه لا كسب له ، فيكون بسبب ذلك كلا على الناس ، ضائعا ، وإما أن يخاف إذا أعتق ، وصار في حرية نفسه ، أن يتمكن من الفساد ، فهذا لا يؤمر بكتابته ، بل ينهى عن ذلك لما فيه من المحذور المذكور .
ثم قال تعالى : { وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ } أي : إماءكم { عَلَى الْبِغَاءِ } أي : أن تكون زانية { إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا } لأنه لا يتصور إكراهها إلا بهذه الحال ، وأما إذا لم ترد تحصنا فإنها تكون بغيا ، يجب على سيدها منعها من ذلك ، وإنما هذا نهى لما كانوا يستعملونه في الجاهلية ، من كون السيد يجبر أمته على البغاء ، ليأخذ منها أجرة ذلك ، ولهذا قال : { لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } فلا يليق بكم أن تكون إماؤكم خيرا منكم ، وأعف عن الزنا ، وأنتم تفعلون بهن ذلك ، لأجل عرض الحياة ، متاع قليل يعرض ثم يزول .
فكسبكم النزاهة ، والنظافة ، والمروءة -بقطع النظر عن ثواب الآخرة وعقابها- أفضل من كسبكم العرض القليل ، الذي يكسبكم الرذالة والخسة .
ثم دعا من جرى منه الإكراه إلى التوبة ، فقال : { وَمَنْ يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ } فليتب إلى الله ، وليقلع عما صدر منه مما يغضبه ، فإذا فعل ذلك ، غفر الله ذنوبه ، ورحمه كما رحم نفسه بفكاكها من العذاب ، وكما رحم أمته بعدم إكراهها على ما يضرها .
{ وليستعفف } وليعف عن الحرام من لا يقدر على تزوج امرأة بأن لا يملك المهر والنفقة { حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون } يطلبون { الكتاب } المكاتبة { مما ملكت أيمانكم } من عبيدكم وهو أن يطلب من مولاه أن يبيعه منه بمال معلوم يؤديه إليه في مدة معلومة فإذا أدى ذلك عتق { فكاتبوهم } فأعطوهم ما يطلبون من الكتابة { إن علمتم فيهم خيرا } اكتسابا للمال يقدرون على أداء مال الكتابة { وآتوهم من مال الله الذي آتاكم } يعني حطوا عنهم من المال الذي كاتبتموهم عليه ويستحب ذلك للسيد وهو أن يحط عنه ربع المال وقيل المراد بهذا أن يؤتوا سهمهم من الزكاة { ولا تكرهوا فتياتكم } إماءكم { على البغاء } الزنا نزلت في عبد الله ابن أبي وكانت له جوار يكرههن على الزنا ويأخذ منهن أجرا معلوما { إن أردن تحصنا } قيل إن هذا راجع إلى قوله { وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم } إن أردن تحصنا وقيل إن بمعنى إذ والمعنى لا تكرهوهن على الزنا إذ أردن التعفف عنه { لتبتغوا عرض الحياة الدنيا } يعني ما يؤخذ من أجورهن { ومن يكرههن } على الزنا { فإن الله من بعد إكراههن } لهن { غفور رحيم } والوزر على المكره
ولما أمر سبحانه بما يعصم من الفتنة من غض البصر ثم بما يحصن من النكاح ، وجراً عليه بالوعد بالإغناء ، وكان هذا الوعد فيما بعد النكاح ، وقدم الكلام فيه ترغيباً للإنسان في التوكل والإحصان ، وكان قلبه ما قد يتعذر لأجله إما بعدم وجدان المهر وما يطلب منه تقديمه ، أو بعدم رضى العبد وغيره يكون ولده رقيقاً أو غير ذلك ، أتبعه قوله حاثاً على قمع النفس الأمارة عند العجز : { وليستعفف } أي يبالغ في طلب العفة وإيجادها عن الحرام { الذين لا يجدون نكاحاً } أي قدرة عليه وباعثاً إليه { حتى يغنيهم الله } أي الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال { من فضله } في ذلك الذي تعذر عليهم النكاح بسببه .
ولما كان من جملة الموانع كما تقدم خوف الرق على الولد لمن له من الرقيق همة علية ، ونفس أبية ، أتبعه قوله : { والذين يبتغون } أي يطلبون طلباً عازماً { الكتاب } أي المكاتبة { مما ملكت أيمانكم } ذكراً كان أو أنثى ؛ وعبر ب " ما " إشارة إلى ما في الرقيق من النقص { فكاتبوهم } أي ندباً لأنه معاوضة تتضمن الإرفاق على ما يؤدونه إليكم منجماً ، فإذا أدوه عتقوا { إن علمتم فيهم خيراً } أي تصرفاً صالحاً في دينهم ودنياهم لئلا يفسد حالهم بعد الاستقلال بأنفسهم ؛ قال ابن كثير : وروى أبو داود في كتاب المراسيل عن يحيى ابن أبي كثير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن علمتم فيهم حرفة ولا ترسلوهم كلاًّ على الناس " انتهى . ولعله عبر بالعلم في موضع الظن لذلك { وءاتوهم } وجوباً إذا أدوا إليكم { من مال الله } أي الذي عم كل شيء بنعمته ، لأنه الملك العظم { الذي آتاكم } ولو بحط شيء من مال الكتابة .
ولما أمر سبحانه بالجود في أمر الرقيق تارة بالنفس ، وتارة بالمال ، نهاهم عما ينافيه فقال : { ولا تكرهوا فتياتكم } أي إماءكم ، ولعله عبر بلفظ الفتوة هزاً لهم إلى معالي الأخلاق ، وتخجيلاً من طلب الفتوة من أمة { على البغاء } أي الزنا لتأخذوا منهن مما يأخذنه من ذلك .
ولما كان الإكراه على الزنا لا يصح إلا عند العفة ، وكان ذلك نادراً من أمة ، قال : { إن } بأداة الشك { أردن تحصناً } وفي ذلك زيادة تقبيح للإكراه على هذا الفعل حيث كانت النساء مطلقاً يتعففن عنه مع أنهن مجبولات على حبه ، فكيف إذا لم يمنعهن مانع خوف أو حياء كالإماء ، فكيف إذا أذن لهن فيه . فكيف إذا ألجئن إليه ، وأشار بصيغة التفعل وذكر الإرادة إلى أن ذلك لا يكون إلا عن عفة بالغة ، وزاد في تصوير التقبيح بذكر علة التزام هذا العار في قوله : { لتبتغوا } أي تطلبوا طلباً حثيثاً فيه رغبة قوية بإكراههن على الفعل الفاحش { عرض الحياة الدنيا } فإن العرض متحقق فيه الزوال ، والدنيا مشتقة من الدناءة .
ولما نهى سبحانه عن الإكراه ، رغب الموالي في التوبة عند المخالفة فيه فقال : { ومن يكرههن } دون أن يقول : وإن أكرهن ، وعبر بالمضارع إعلاماً بأن يقبل التوبة ممن خالف بعد نزول الآية ، وعبر بالاسم العلم في قوله : { فإن الله } إعلاماً بأن الجلال غير مؤيس من الرحمة ، ولعله عبر بلفظ " بعد " إشارة إلى العفو عن الميل إلى ذلك الفعل عند مواقعته إن رجعت إلى الكراهة بعده ، فإن النفس لا تملك بغضه حينئذ ، فقال : { من بعد إكراههن غفور } أي لهن وللموالي ، يستر ذلك الذنب إن تابوا { رحيم* } بالتوفيق للصنفين إلى ما يرضيه .