فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ} (172)

{ يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } هذا تأكيد للأمر الأول أعني قوله : { يا أيا الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا } وإنما خص المؤمنين هنا لكونهم أفضل أنواع الناس ، قيل والمراد بالأكل الانتفاع وقيل المراد به الأكل المعتاد وهو الظاهر ، وقيل أن الأمر في كلوا قد يكون للوجوب كالأكل لحفظ النفس ودفع الضر عنها ، وقد يكون للندب كالأكل مع الضيف ، وقد يكون للإباحة إذا خلا من هذه العوارض ، وعن عمر ابن عبد العزيز أن المراد بما في الآية طيب الكسب لا طيب الطعام ، وقال الضحاك : أنها حلال الرزق .

وأخرج أحمد ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله لا يقبل إلا طيبا وأن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال : { يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم } وقال : { يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له ) وقيل الطيب المستلذ من الطعام فلعل قوما تنزهوا عن أكل المستلذ من الطعام فأباح الله لهم ذلك .

{ واشكروا الله } على ما رزقكم من نعمه وأحل لكم ، وفيه التفات من ضمير المتكلم إلى الغيبة إذ لو جرى على الأسلوب الأول لقال واشكرونا ، والأمر فيه للوجوب فقط { إن كنتم إياه تعبدون } أي تخصونه بالعبادة وتقرون بأن إلهكم لا غيره كما يفيده تقديم المفعول ، وقيل إن كنتم عارفين بالله وبنعمته فاشكروه عليها ، والأول أولى .