تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَا تَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَۘ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ كُلُّ شَيۡءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجۡهَهُۥۚ لَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ} (88)

المفردات :

هالك : فان .

إلا وجهه : إلا ذاته ، فالوجه مجاز عن الذات ، من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل .

التفسير :

88-{ ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون } .

إن سورة القصص التي ذكرت قصة موسى ، ورعاية الله له حتى أدى رسالته ، ثم أغرق الله فرعون ونجى موسى ، كما ذكرت قرب الختام قصة قارون ونهايته إلى الخسف والهلاك ، تأخذ بيدنا إلى أن الخيوط كلها مرتبطة بيد القدرة الإلهية التي تفعل ما تريد ، فمن وجد الله وجد كل شيء ، ومن فقد الله فقد كل شيء .

{ ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو . . }

لا تعبد مع الله الواحد الأحد إلها آخر ، سواء أكان صنما أم وثنا أم جنا أم ملائكة ، أم نجما أم حيوانا ، لأن هذه آلهة مدّعاة ، لا حقيقة لها ، وليس هناك إله بحق إلا الله ، لا إله إلا هو . ولا معبود بحق سواه ، وفي معنى ذلك قوله تعالى : { قل هو الله أحد* الله الصمد*لم يلد ولم يولد*ولم يكن له كفؤا أحد } [ الإخلاص : 1-4 ]

{ كل شيء هالك إلا وجهه . . }

كل ما تراه في هذه الدنيا يدركه الفناء والموت والهلاك ، إلا ذات الله المقدسة ، فهو الدائم الباقي ، الحي القيوم الذي يميت الخلائق ولا يموت ، كما قال سبحانه : { كل من عليها فان*ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام } [ الرحمان : 26 ، 27 ] .

وقال عز شأنه : { كل نفس ذائقة الموت . . } [ آل عمران : 185 ] .

أي : كل إنسان يموت ، وكل حيوان يموت ، تلك سنّة الله في هذه الحياة ، أي يهلك جيل ، لينشأ جيل آخر ، حتى تتسع رقعة الأرض للناس ، جيلا بعد جيل ، والله خالق الأرض ، وهو الذي قدّر فيها أرزاقها وأقواتها ، وهو الذي خلق الموت والحياة ، وأحكم الخلق ، وقدّر الأمور ، تقدير الحكيم العليم ، فهو الإله وحده ، وهو غني عن العالمين ، والناس فقراء إليه ، يخلقهم ويرزقهم ويميتهم ويحييهم .

وقد ثبت في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أصدق كلمة قالها شاعر ، لبيد حين يقول : ألا كل شيء ما خلا الله باطل )xxxvii .

وقال تعالى : { هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم } [ الحديد : 3 ]

فهو سبحانه قبل كل شيء وليس قبله شيء ، وهو سبحانه آخر كل شيء وليس بعده شيء ، وكل الذوات فانية زائلة ، إلا ذاته سبحانه وتعالى ، فهو منزه عن الفناء والموت ، والنوم ومشابهة الحوادث ، ومتصف بكل كمال ، ومنزه عن كل نقص ، وهو سبحانه حي لا يموت ، والإنس والجن يموتون .

{ له الحكم . . } له الأمر والتصرف ، والقضاء النافذ في الخلق ، وبيده الخلق والأمر .

{ وإليه ترجعون } فيجازيكم بالإحسان إحسانا وبالسوء سوءا .

وبهذا الختام نجد الآية لوحة هادفة في تقرير الألوهية والوحدانية والبقاء لله تعالى ، وأن الحكم بيده ، فهو سبحانه يعز من يشاء ويذل من يشاء ، ومصير الخلائق بيده ، ليقضي بينهم بالحكم والعدل .

فلا معنى لعبادة إله آخر غير الله ، ما دامت خيوط القدرة كلها بيده سبحانه ، وما دام هو الأول والآخر ، والباقي بعد فناء جميع الموجودات ، والمتصرف تصرفا مطلقا في هذا الكون ، وإليه المرجع والمآب .

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، ولله تعالى الفضل والمنة ، وهو سبحانه له الحمد في الأولى والآخرة ، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب .

ختام السورة:

خلاصة ما تضمنته سورة القصص :

1- قصة موسى وفرعون .

2- ولادة موسى ، رضاعه ، نشأته .

3- قتل موسى للقبطي ، وهربه إلى أرض مدين .

4- زواج موسى ، وبقاؤه في أرض مدين عشر سنين .

5- عودة موسى إلى مصر ، ومناجاته ربه .

6- معجزات موسى من العصا واليد البيضاء .

7- تبليغ موسى رسالة ربه إلى فرعون ، وتكذيب فرعون له .

8- هارون وزيرا لموسى ، ورسولا معه .

9- إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لإخباره عن قصص الأولين دون أن يكون حاضرا معهم .

10- إنكار قريش لنبوة محمد ، وانتحالهم المعاذير لتكذيبه ، وتفنيد القرآن لحججهم ، ودحض أكاذيبهم .

11- التذكير بنعمة الله على عباده باختلاف الليل والنهار .

12- شهادة الأنبياء على أممهم .

13- ذكر قارون وبغيه في الأرض ، ثم خسف الأرض به .

14- ثواب الآخرة للمتقين لا للمفسدين .

15- الإنباء بالغيب عن نصر الله لرسوله ، وفتحه لمكة .

16- بيان أن كل ما في الوجود هالك ، إلا الله تبارك وتعالى .

i - أي : المؤمن يعبد الله فيستفيد من العبادة نظافة القلب ، وثقة النفس ، وثبات اليقين ، وهدوء البال ، وصحة الجسم والروح ، ثم ينال ثواب العبادة في جنة عرضها السماوات والأرض يوم القيامة ، وبذلك ينال أجره مضاعفا : مرة في الدنيا ، ومرة في الآخرة .

ii - إن ثلاثة في بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى :

رواه البخاري في أحاديث الأنبياء ح 3464 ، ومسلم في الزهد ح 2964 ، 3005 ، وأحمد ح 16 ، كلهم من حديث أبي هريرة .

iii - إنه قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم يكلمون وإنه :

رواه البخاري في المناقب ح 3469 ، 3689 ، من حديث أبي هريرة ، ورواه مسلم ح2398 ، وأحمد 23764 ، والترمذي 3693 ، من حديث عائشة .

تنبيه : حديث عائشة رضي الله عنها ليس فيه " يكلمون " إنما ذكرت فيه " محدثون " .

iv - إن رجلا زار أخا له في قرية أخرى ، فأرصد الله له على :

رواه مسلم 2567 ، وأحمد 7859 ، 10222 من حديث أبي هريرة : " مدرجته " الطريق ، سميت به لأن الناس يدرجون فيها . أي : يمشون .

v - إن لله ملائكة طوافين عليكم :

رواه البخاري 6408 من حديث أبي هريرة ورواه الترمذي 3600 ، وأحمد 7376 ، قال الأعمش : من حديث أبي هريرة أو أبي سعيد –شك الأعمش . -

vi - هو :

أستغفر الله لذنبي كله قتلك إنسانا بغير حلّه

مثل غزال ناعم في دله أنتصف الليل ولم أصلّه

vii - مثل المؤمن كأم موسى :

ذكره الغزالي في " الإحياء " ، كتاب الحج ، الباب الثاني : في ترتيب الأفعال الظاهرة ، بلفظ : " مثل الذي يغزو ويأخذ أجرا مثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها " وقال العراقي : أخرجه ابن عدي من حديث معاذ ، وقال : مستقيم الإسناد ، منكر المتن .

وكذلك أخرجه أبو داود في المراسيل ، عن جبير بن نفير رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مثل الذين يغزون من أمتي ويأخذون الجعل – يعني : يتقوون على عدوهم- مثل أم موسى ، ترضع ولدها وتأخذ أجرها ) نقلا عن السيوطي في " الدر المنثور " المجلد السادس- تفسير سورة القصص ، وصححه وذكره السيوطي كذلك في " الجامع الصغير " 8143 ، ونسبه لأبي داود في مراسيله ، والبيهقي في السنن عن جبير بن نفير مرسلا .

viii - من ولى شيئا من أمر المسلمين .

تقدم تخريجه .

ix - لا نكاح إلا بولي :

أبو داود 2085 ، وأحمد 19024 ، 19211 ، 19247 ، 2260 ، وابن ماجة 1881 ، والترمذي 1101 ، والدارمي 2182 ، 2183 ، من حديث عبد الله بن عباس . ورواه أحمد 25703 ، وابن ماجة 1880 ، من حديث عائشة ، وفي الباب عن ابن عباس وأبي هريرة وعمران .

x - قضى أكثرهما وأطيبهما إن رسول الله إذا قال فعل :

رواه البخاري في التفسير 2684 ، عن عبد الله بن عباس .

xi - في ظلال القرآن 20/ 63 .

xii - تفسير القرطبي 6/ 5144 .

xiii - أيسر التفاسير : أبو بكر الجزائري ، مكتبة العلوم والحكم بالمدينة المنورة 4/ 70 .

xiv - مختصر تفسير ابن كثير تحقيق الصابوني 3/ 14 .

xv - الكبرياء ردائي والعزة إزاري فمن نازعني واحدا منهما :

أبو داود في اللباس 4090 ، وأحمد 7335 ، 8677 ، 9095 ، 9224 ، 9410 ، وابن ماجة في الزهد 4174 ، من حديث أبي هريرة ، ورواه ابن ماجة أيضا 4175 ، من حديث عبد الله بن عباس .

xvi - من سن سنة حسنة كان له أجرها :

رواه مسلم في العلم 1017 ، وفي الزكاة 2554 ، والدارمي في المقدمة 512 ، 514 ، والترمذي في العلم 2675 ، وابن ماجة في المقدمة 203 ، وأحمد 18675 ، 18701 ، 18718 ، 18720 ، من حديث جرير بن عبد الله البجلي ، ورواه أحمد 10178 ، 10370 ، من حديث أبي هريرة ، ورواه أحمد أيضا 22778 من حديث حذيفة ورواه ابن ماجة في المقدمة 207 من حديث وهب بن عبد الله .

xvii - مختصر تفسير ابن كثير تحقيق الصابوني 3/ 16 .

xviii - مختصر تفسير ابن كثير تحقيق الصابوني 3/17 .

xix - تفسير ابن كثير .

xx - ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين :

رواه البخاري في الجهاد والسير 3011 ، ومسلم في الإيمان 154 ، والنسائي في النكاح 3344 ، والدارمي في النكاح 2244 ، والترمذي 1116 في النكاح ، وأحمد 19105 ، 19137 من حديث عبد الله بن قيس " أبي موسى الأشعري " .

xxi - من أسلم من أهل الكتابين فله أجره مرتين :

رواه أحمد 21731 من حديث صدي بن عجلان " أبي أمامة الباهلي " وزاد فيه : " ومن أسلم من المشركين " ، وذكره الهيثمي في " مجمع الزوائد " كتاب الإيمان ، باب : فيمن أسلم من أهل الكتاب وغيرهم ، وقال : رواه أحمد ، والطبراني في الكبير ، وفيه القاسم أبو عبد الرحمان وقد ضعفه أحمد وغيره . قلت : في إسناده ابن لهيعة ، وهو ضعيف أيضا .

xxii - أخرجه البخاري ، باب : قصة أبي طالب 5/ 65-66 ، ومسلم كتاب الإيمان ، باب : أول الإيمان قولة لا إله إلا الله 1/54 .

xxiii - يا عماه قل لا إله إلا الله أشهد لك بها :

رواه مسلم في الإيمان 25 ، والترمذي 3188 ، وأحمد 9327 ، 9394 من حديث أبي هريرة ، وانظر ما قبله .

xxiv - وأجاز المفسرون أن تكون " لو " شرطية وجوابها محذوف ، والتقدير : لو أنهم كانوا في الدنيا مهتدين إلى طريق الحق لما أصابهم هذا العذاب المهين .

xxv - اللهم خر لي واختر لي :

رواه الترمذي في الدعوات 3516 من حديث أبي بكر الصديق وقال : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث زنفل ، وهو ضعيف عند أهل الحديث ، ويقال له : زنفل بن عبد الله العرفي ، وكان يسكن عرفات ، وتفرد بهذا الحديث ولا يتابع عليه .

قال النووي في " الأذكار " باب دعاء الاستخارة ، وروينا في كتاب الترمذي بإسناد ضعيف ، ضعفه الترمذي وغيره- فأشار إلى ضعفه .

وقال العجلوني في " كشف الخفا " 558 : رواه الترمذي ، والبيهقي في الشعب ، عن عائشة ، بسند فيه زنفل بن عبد الله ضعيف ، قال النجم : روى الترمذي وأبو يعلى والبيهقي وضعفه عن أبي بكر الصديق .

xxvi - يا أنس إذا هممت بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات :

رواه ابن السني [ 603 ] من حديث أنس ، وذكره السيوطي في " الجامع الصغير " 882 وعزاه لابن السني في عمل اليوم والليل ، والديلمي في مسند الفردوس عن أنس ، وقال السيوطي : ضعيف .

قال المناوي في " فتح القدير شرح الجامع الصغير " فيه إبراهيم بن البراء ، قال الذهبي في الضعفاء : اتهموه بالوضع عن أبيه وهو ضعيف ، وقال النووي في الأذكار : إسناد غريب فيه من لم أعرفهم ، وقال ابن حجر في الفتح بعد عزوه لابن السني : هذا الحديث لو ثبت كان هو المعتمد ، لكن إسناده واه جدا .

xxvii - اللهم إني أستخيرك بعلمك واستقدرك بقدرتك وأسألك :

رواه البخاري في الجمعة 1166 ، وفي الدعوات 6382 ، وفي التوحيد 7390 ، وأبو داود في الصلاة 1538 ، والترمذي في الصلاة 480 ، والنسائي في النكاح 3253 ، وابن ماجه في إقامة الصلاة 1383 ، وأحمد 14279 ، كلهم من حديث جابر ، ومعنى : " فاقدره لي " ، أي : اجعله مقدورا لي ، أو قدره ، وقيل : معناه يسره لي .

xxviii - التفسير الوسيط بإشراف مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر .

xxix - التفسير الوسيط : تأليف لجنة من العلماء بإشراف مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ، وانظر تفسير ابن كثير ، ومختصر تفسير ابن كثير تحقيق الصابوني ، حيث علق الصابوني في الهامش باستحسان كلام ابن كثير في رد هذا الرأي الأخير .

xxx - قيل : هم جماعة من المؤمنين : تمنوا أن تكون لهم دنيا كدنيا قارون ، جريا على سنة البشر في حب التوسع فيها ، وقيل : هم جماعة من الكفار أو المنافقين الذين لا همّ لهم إلا دنياهم ، والظاهر مع الرأي الأول .

xxxi - بينا رجل يجر إزاره من الخيلاء خسف به فهو يتجلجل :

رواه البخاري 3485 ، 5790 ، وأحمد 5318 ، والنسائي في الزينة 5326 ، من حديث عبد الله بن عمر ، ورواه البخاري في اللباس 5789 ، ومسلم في اللباس 2088 ، والدارمي في المقدمة 437 ، وأحمد 7574 ، 8822 ، 9082/ 9567 ، 27261 ، 27394/ 10010 ، 10077 ، 10488 ، من حديث أبي هريرة .

ورواه الترمذي في صفة القيامة 2491 ، وأحمد 7034 ، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، ورواه أحمد 10960 ، 10963 من حديث أبي سعيد الخدري .

xxxii - إن الله جميل يحب الجمال :

مسلم في الإيمان 91 ، والترمذي في البر والصلة 1999 . من حديث عبد الله بن مسعود .

xxxiii -إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم :

رواه أحمد 3663 ، وذكره الهيثمي في " المجمع " وقال : إسناد بعضهم مستور ، وأكثرهم ثقات ، من حديث عبد الله بن مسعود .

xxxiv -إن الله أوحى إلى أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد :

مسلم في الجنة 2865 ، وأبو داود في الأدب 4895 ، وابن ماجة في الزهد 4179 ، من حديث عياض بن حمار ، ورواه ابن ماجة في الزهد أيضا 1214 ، من حديث أنس بن مالك .

قال البوصيري في الزوائد : هذا إسناده حسن ، للاختلاف في اسم سنان بن سعد أو سعد بن سنان .

xxxv -لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر :

رواه أبو داود في اللباس 4092 ، من حديث أبي هريرة .

وانظر حديث : ( إن الله جميل يحب الجمال ) فهو جزء من هذا الحديث .

xxxvi - أشهد أنك لا تبغي علوا في الأرض :

قال العجلوني في " كشف الخفا " وروى العسكري بسند ضعيف عن عدي بن حاتم ، فذكره .

xxxvii - أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد :

البخاري في المناقب 3841 ، وفي الأدب 6147 ، ومسلم في الشعر 2256 ، وابن ماجة في الأدب 3757 ، وأحمد 8866 ، 9724 من حديث أبي هريرة .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَا تَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَۘ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ كُلُّ شَيۡءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجۡهَهُۥۚ لَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ} (88)

{ وَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها ءاخَرَ } أي ولا تعبد معه تعالى غيره عز وجل ، وهذا وما قبله للتهييج والإلهاب وقطع أطماع المشركين عن مساعدته عليه الصلاة والسلام إياهم وإظهار أن المنهي عنه في القبح والشرية بحيث ينهي عنه من لا يتصور وقوعه منه أصلاف ، وروى محيي السنة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : الخطاب في الظاهر للنبي صلى الله عليه وسلم ، والمراد به أهل دينه وهو في معنى ما حكى عنه الطبرسي أن هذا وأمثاله من باب :

إياك أعني واسمعي يا جاره ***

{ لاَ إله إِلاَّ هُوَ } وحده { كُلّ شيء } أي موجود مطلقاً { هَالِكٌ } أي معدوم محض ، والمراد كونه كالمعدوم وفي حكمه { إِلاَّ وَجْهَهُ } أي إلا ذاته عز وجل وذلك لأن وجود ما سواه سبحانه لكونه ليس ذاتياً بل هو مستند إلى الواجب تعالى في كل آن قابل للعدم وعرضة له فهو كلا وجود وهذا ما اختاره غير واحد من الأجلة ، والكلام عليه من قبيل التشبيه البليغ ، والوجه بمعنى الذات مجاز مرسل وهو مجاز شائع وقد يختص بما شرف من الذوات ، وقد يعتبر ذلك هنا ، ويجعل نكتة للعدول عن إلا إياه إلى ما في «النظم الجليل » .

وفي الآية بناءً على ما هو الأصل من اتصال الاستثناء دليل على صحة إطلاق الشيء عليه جل وعلا .

/ وقريب من هذا ما قيل : المعنى كل ما يطلق عليه الموجود معدوم في حد ذاته إلا ذاته تعالى ، وقيل : الوجه بمعنى الذات إلا أن المراد ذات الشيء ، وإضافته إلى ضميره تعالى باعتبار أنه مخلوق له سبحانه نظير ما قيل في قوله تعالى : { تَعْلَمُ مَا في نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا في نَفْسِكَ } [ المائدة : 116 ] من أن المراد بالنفس الثاني نفس عيسى عليه السلام وإضافته إليه تعالى باعتبار أنه مخلوق له جل وعلا ، والمعنى كل شيء قابل للهلاك والعدم إلا الذات من حيث استقبالها لربها ووقوفها في محراب قربها فإنها من تلك الحيثية لا تقبل العدم ، وقيل : الوجه بمعنى الجهة التي تقصد ويتوجه إليها ، والمعنى كل شيء معدوم في حد ذاته إلا الجهة المنسوبة إليه تعالى وهو الوجود الذي صار به موجوداً ، وحاصله أن كل جهات الموجود من ذاته وصفاته وأحواله هالكة معدومة في حد ذاتها إلا الوجود الذي هو النور الإلهي ، ومن الناس من جعل ضمير وجهه للشيء وفسر الشيء بالموجود بمعنى ما له نسبة إلى حضرة الوجود الحقيقي القائم بذاته وهو عين الواجب سبحانه ، وفسر الوجه بهذا الوجود لأن الموجود يتوجه إليه وينسب ، والمعنى كل منسوب إلى الوجود معدوم إلا وجهه الذي قصده وتوجه إليه وهو الوجود الحقيقي القائم بذاته الذي هو عين الواجب جل وعلا ، ولا يخفى الغث والسمين من هذه الأقوال ، وعليها كلها يدخل العرش والكرسي والسموات والأرض والجنة والنار ، ونحو ذلك في العموم .

وقال غير واحد : المراد بالهلاك خروج الشيء عن الانتفاع به المقصود منه إما بتفرق أجزائه أو نحوه ، والمعنى كل شيء سيهلك ويخرج عن الانتفاع به المقصود منه إلا ذاته عز وجل ، والظاهر أنه أراد بالشيء الموجود المطلق لا الموجود وقت النزول فقط فيؤول المعنى إلى قولنا : كل موجود في وقت من الأوقات سيهلك بعد وجود إلا ذاته تعالى ، فيدل ظاهر الآية على هلاك العرش والجنة والنار والذي دل عليه الدليل عدم هلاك الأخيرين .

وجاء في الخبر أن الجنة سقفها عرش الرحمن ، ولهذا اعترض بهذه الآية على القائلين بوجود الجنة والنار الآن والمنكرين له القائلين بأنهما سيوجدان يوم الجزاء ويستمران أبد الآباد ، واختلفوا في الجواب عن ذلك فمنهم من قال : إن كلاً ليست للإحاطة بل للتكثير كما في قولك : كل الناس جاء إلا زيداً إذا جاء أكثرهم دون زيد ، وأيد بما روي عن الضحاك أنه قال في الآية : كل شيء هالك إلا الله عز وجل والعرش والجنة والنار ، ومنهم من قال : إن المراد بالهلاك الموت والعموم باعتبار الإحياء الموجودين في الدنيا ، وأيد بما روي عن ابن عباس أنه قال في تفسير الآية : كل حي ميت إلا وجهه .

وأخرج عنه ابن مردويه أنه قال : لما نزلت { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت } [ آل عمران : 185 ] قيل يا رسول الله فما بال الملائكة ؟ فنزلت : { كُلُّ شيء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } فبين في هذه الآية فناء الملائكة والثقلين من الجن والإنس وسائر عالم الله تعالى وبريته من الطير والوحوش والسباع والأنعام وكل ذي روح أنه هالك ميت ، وأنت تعلم أن تخصيص الشيء بالحي الموجود في الدنيا لا بد له من قرينة فإن اعتبر كونه محكوماً عليه بالهلاك حيث شاع استعماله في الموت وهو إنما يكون في الدنيا قرينة فذاك وإلا فهو كما ترى ، ومن الناس من التزم ما يقتضيه ظاهر العموم من أنه كل ما يوجد في وقت من الأوقات في الدنيا والأخرى يصير هالكاً بعد وجوده بناءً على تجدد الجواهر وعدم بقاء شيء منها زمانين كالإعراض عند الأشعري ، ولا يخفى بطلانه ، وإن ذهب إلى ذلك بعض أكابر الصوفية قدست أسرارهم .

/ وقال سفيان الثوري : وجهه تعالى العمل الصالح الذي توجه به إليه عز وجل ، فقيل : في توجيه الاستثناء إن العمل المذكور قد كان في حيز العدم فلما فعله العبد ممتثلاً أمره تعالى أبقاه جل شأنه له إلى أن يجازيه عليه أو أنه بالقبول صار غير قابل للفناء لما أن الجزاء عليه قام مقامه وهو باق ، وروي عن أبي عبد الله الرضا رضي الله تعالى عنه أنه ارتضى نحو ذلك ، وقال المعنى كل شيء من أعمال العباد هالك وباطل إلا ما أريد به وجهه تعالى ، وزعم الخفاجي أن هذا كلام ظاهري .

وقال أبو عبيدة : المراد بالوجه جاهه تعالى الذي جعله في الناس وهو كما ترى لا وجه له ، والسلف يقولون الوجه صفة نثبتها لله تعالى ولا نشتغل بكيفيتها ولا بتأويلها بعد تنزيهه عز وجل عن الجارحة { لَهُ الحكم } أي القضاء النافذ في الخلق { وَإِلَيْهِ } عز وجل { تُرْجَعُونَ } عند البعث للجزاء بالحق والعدل لا إلى غيره تعالى ورجوع العباد إليه تعالى عند الصوفية أهل الوحدة بمعنى ما وراء طور العقل .

وقيل : ضمير إليه للحكم ، وقرأ عيسى { تُرْجَعُونَ } مبنياً للفاعل .

ختام السورة:

هذا والكلام من باب الإشارة في آيات هذه السورة أكثره فيما وقفنا عليه من باب تطبيق ما في الآفاق على ما في الأنفس ولعله يعلم بأدنى تأمل فيما مر بنا في نظائرها فتأمل والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل وهو جل وعلا حسبنا ونعم الوكيل .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَا تَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَۘ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ كُلُّ شَيۡءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجۡهَهُۥۚ لَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ} (88)

قوله : { وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ } يحذره ربه أن يعبد أحدا غيره ، فإنه ليس من أحد جدير بالعبادة سواه .

قوله : { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ } ، منصوب على الاستثناء{[3536]}

والمعنى : أن كل شيء في الوجود صائر إلى الفناء والهلاك لا محالة ، باستثناء وجه الله الكريم . وقد عبّر عن الذات بالوجه ؛ فهو سبحانه الدائم الباقي الذي لا يفنى ولا يزول ، وما دونه من الخلائق كافة صائر إلى الموت المحتوم .

قوله : { لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } الله يقضي في الخلق بما يشاء وكيف يشاء ، ثم مردهم إلى جميعا إليه يوم القيامة ليلاقوا جزاءهم الموعود{[3537]} .


[3536]:البيان لابن الأنباري ج 2 ص 239.
[3537]:تفسير الرازي ج 25 ص 23، وتفسير الطبري ج 20 ص 81، وتفسير ابن كثير ج 3 ص 403.