تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٖۚ قُل رَّبِّيٓ أَعۡلَمُ مَن جَآءَ بِٱلۡهُدَىٰ وَمَنۡ هُوَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ} (85)

ختام سورة القصص

{ إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين( 85 ) وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا للكافرين( 86 ) ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين( 87 ) ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون( 88 ) }

المفردات :

فرض : أوجب عليك تبليغه .

لرادك : لراجعك .

إلى معاد : إلى مكان عظيم تعوّدته وهو مكة ، أو إلى مكان تعود إليه بعد الخروج منه ، من العود ، وهو مكة أيضا ، وذلك في يوم فتحها سنة ثمان من الهجرة ، وهذا من باب المغيبات ، لأن السورة مكية ، حملت بشرى فتح مكة سنة ثمان من الهجرة .

التفسير :

85-{ إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين } .

تأتي هذه الآيات في ختام سورة القصص ، في أعقاب قصة موسى مع فرعون ، وقصة قارون وغروره بالمال ، وكما نصر الله موسى وأغرق فرعون ، تأتي هذه الآيات تبشر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه سيعود إلى مكة فاتحا منتصرا .

قال الضحاك : لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة فبلغ الجحفة اشتاق إلى مكة ، فأنزلت عليه هذه الآية .

فالنبي خارج من مكة ، مطارد من أهلها ثاني اثنين ، والله ينزل عليه البشرى ، بأنه سيعود إلى مكة فاتحا منتصرا ، ثم أمره الله أن يفوض الأمر إليه ، وأن يجيب الكافرين بما يأتي :

{ قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين }

الله أعلم بي وبكم ، من منا على الهدى ، ومن منا على الضلال الواضح ، وهذا رد على الكفار حين قالوا : إنك يا محمد في ضلال مبين .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٖۚ قُل رَّبِّيٓ أَعۡلَمُ مَن جَآءَ بِٱلۡهُدَىٰ وَمَنۡ هُوَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ} (85)

{ إِنَّ الذي فَرَضَ عَلَيْكَ القرءان } أي أوجب عليك العمل به كما روي عن عطاء . وعن مجاهد أي أعطاكه ، وعن مقاتل وإليه ذهب الفراء . وأبو عبيدة أي أنزله عليك والمعول عليه ما تقدم .

{ لَرَادُّكَ إلى مَعَادٍ } أي إلى محل عظيم القدر اعتدت به وألفته على أنه من العادة لا من العود ، وهو كما في «صحيح البخاري » ، وأخرجه ابن أبي شيبة . وعبد بن حميد . والنسائي . وابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم . وابن مردويه . والبيهقي في الدلائل من طرق عن ابن عباس مكة ، وروي ذلك أيضاً عن مجاهد . والضحاك . وجوز أن يكون من العود ، والمراد به مكة أيضاً بناء على ما في مجمع البيان عن القتيبي أن معاد الرجل بلده لأنه يتصرف في البلاد ثم يعود إليه ، وقد يقال : أطلق المعاد على مكة لأن العرب كانت تعود إليها في كل سنة لمكان البيت فيها ، وهذا وعد منه عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم وهو بمكة أنه عليه الصلاة والسلام يهاجر منها ويعود إليها ، وروي عن غير واحد أن الآية نزلت بالجحفة بعد أن خرج صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجراً واشتاق إليها ، ووجه ارتباطها بما تقدمها تضمنها الوعد بالعاقبة الحسنى في الدنيا كما تضمن ما قبلها الوعد بالعاقبة الحسنى في الآخرة .

وقيل : إنه تعالى لما ذكر من قصة موسى عليه السلام وقومه مع قارون وبيعه واستطالته عليهم وهلاكه ونصرة أهل الحق عليه ما ذكر ذكر جل شأنه هنا ما يتضمن قصة سيدنا صلوات الله تعالى وسلامه عليه وأصحابه مع قومه واستطالتهم عليه وإخراجهم إياه من مسقط رأسه ثم اعزازه عليه الصلاة والسلام بالإعادة إلى مكة وفتحه إياها منصوراً مكرماً ووسط سبحانه بينهما ما هو كالتخلص من الأول إلى الثاني .

وأخرج الحاكم في التاريخ . والديلمي عن عي كرم الله تعالى وجهه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر المعاد بالجنة ، وأخرج تفسيره بها ابن أبي سيبة . والبخاري في تاريخه . وأبو يعلى . وابن المنذر عن أبي سعيد الخدري . وأخرجه ابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم . والطبراني . وابن مردويه عن ابن عباس ، والتنكير عليه للتعظيم أيضاً ، ووجه ارتباطا الآية بما قبلها أنها كالتصريح ببعض ما تضمنه ذلك .

واستشكل رده عليه الصلاة والسلام إلى الجنة من حيث إنه يقتضي سابقية كونه صلى الله عليه وسلم فيها مع أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن فيها .

/ وأجيب بالتزام السابقية المذكورة ويكفي فيها كونه صلى الله عليه وسلم فيها بالقوة إذ كان في ظهر آدم عليهما الصلاة والسلام حين كان فيها ، وقيل : إنه صلى الله عليه وسلم لما كان مستعداً لها من قبل كان كأنه كان فيها فالسابقية باعتبار ذلك الاستعداد على نحو ما قيل في قوله تعالى في الكفار :

{ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى الجحيم } [ الصافات : 68 ] ولا يخفى ما في كلا القولين من البعد ، وقريب منهما ما قيل : إن ذلك باعتبار أنه عليه الصلاة والسلام دخلها ليلة المعراج ، وقد يقال : إن تفسيره بالجنة بيان لبعض ما يشعر به المعاد بأن يكون عبارة عن المحشر فقد صار كالحقيقة فيه لأنه ابتداء العود إلى الحياة التي كان المعاد عليها وجعله عظيماً كما يشعر به التنوين لعظمة ماله صلى الله عليه وسلم فيه ومنه الجنة ، فالمعاد بواسطة تنوينه الدال على التعظيم يشعر بالجنة لأنها الحاوية مما أعد له صلى الله عليه وسلم من الأمور العظيمة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وقريب من تفسيره بالمحشر تفسيره بالآخرة كما أخرج ذلك عبد بن حميد . وابن مردويه ، عن أبي سعيد الخدري ، وتفسيره بيوم القيامة كما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس . وعبد بن حميد عن عكرمة إلا أنه على ما ذكر اسم زمان ، وعلى ما تقدم اسم مكان .

ومما يشعر بأنه ليس المراد مجرد الرد إلى المحشر أو الآخرة أو يوم القيامة ما أخرجه الفريابي . وعبد بن حميد . وابن المنذر . وابن أبي حاتم عن مجاهد أنه قال في الآية : إن له معاداً يبعثه الله تعالى يوم القيامة ثم يدخله الجنة . ويتخرج على نحو ما قلنا تفسيره بالمقام المحمود وهو مقام الشفاعة العظمى يوم القيامة

وجاء في رواية أخرى رواها عبد بن حميد . وابن مردويه عن ابن عباس . وأبي سعيد الخدري أيضاً تفسيره بالموت ، ورواها معهما عن الحبر . الفريابي . وابن أبي حاتم . والطبراني ، وكونه معاداً لقوله تعالى : { وَكُنتُ * أمواتا فأحياكم } [ البقرة : 28 ] ولعل تعظيمه باعتبار أنه باب لوصوله صلى الله عليه وسلم إلى ما أعد الله عز وجل له من المقام المحمود والمنزلة العليا في الجنة إلى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وجل المقصود ما أشعر به التعظيم . وأخرج ابن أبي حاتم عن نعيم القاري أنه فسره ببيت المقدس . وكأن إطلاق المعاد عليه باعتبار أنه صلى الله عليه وسلم أسري به إليه ليلة المعراج ، والوعد برده عليه الصلاة والسلام إليه وعد له بالإسراء إليه مرة أخرى أو باعتبار أن أرضه أرض المحشر فالمراد بالرد إليه الرد إلى المحشر ، وهذا غاية ما يقال في توجيه ذلك . فإن قبل فذاك وإلا فالأمر إليك ؛ وكأني بك تختار ما في «صحيح البخاري » ورواه الجماعة الذين تقدم ذكرهم عن ابن عباس من أنه مكة . وربما يخطر بالبال أن يراد بالمعاد الأمر المحبوب بنوع تجوز ويجعل بحيث يشمل مكة والجنة وغيرهما مما هو محبوب لديه صلى الله عليه وسلم ، ويراد برده عليه الصلاة والسلام إلى الأمر المحبوب إيصاله إليه مرة بعد أخرى فالرد هنا مثله في قوله تعالى : { فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ في أَفْوَاهِهِمْ } [ إبراهيم : 9 ] وعليه يهون أمر اختلاف الروايات التي سمعتها في ذلك فتدبر .

{ قُل رَّبّى أَعْلَمُ مَن جَاء بالهدى } يريد بذلك نفسه صلى الله عليه وسلم وبقوله سبحانه :

{ وَمَنْ هُوَ في ضلال مُّبِينٍ } المشركين الذين بعث إليهم صلى الله عليه وسلم و { مِنْ } منتصب بفعل يدل عليه أعلم لا بأعلم لأن أفعل لا ينصب المفعول به في المشهور أي يعلم من جاء الخ ، وأجاز بعضهم أن يكون منصوباً بأعلم على أنه بمعنى عالم ، والمراد أنه عز وجل يجازي كلاً ممن جاء بالهدى ومن هو في ضلال على عمله ، والجملة تقرير لقوله تعالى : { إِنَّ الذي فَرَضَ عَلَيْكَ القرءان } الخ . وفي معالم التنزيل هذا جواب لكفار مكة لما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إنك في ضلال ، ولعله لهذا وكون السبب فيه مجيئه عليه الصلاة والسلام إليهم بالهدى قيل : في جانبه صلى الله عليه وسلم من جاء بالهدى وفي جانبهم من هو في ضلال مبين ، ولم يؤت بهما على طرز واحد .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٖۚ قُل رَّبِّيٓ أَعۡلَمُ مَن جَآءَ بِٱلۡهُدَىٰ وَمَنۡ هُوَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ} (85)

قوله : { إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاء بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ( 85 ) وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِّلْكَافِرِينَ ( 86 ) وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 87 ) وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } .

يقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : إن الذي أنزل عليك القرآن يا محمد وأوجب عليك تبليغه للناس { لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ } أي لمُصَيّرك إلى الجنة . وقيل : رادك على يوم القيامة ، أو يجيء بك يوم القيامة . وقيل : رادك إلى الموت . وقيل : رادك إلى الموضع الذي خرجت منه وهو مكة . أي رادك إلى مكة ظاهرا على قومك الذين أخرجوك ، منتصرا عليهم ، وهو قول كثير من المفسرين .

قوله : { قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاء بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ } { مَن } ، في موضع نصب بفعل مقدر دل على قوله : { أعلم } وتقديره : يعلم من جاء بالهدى{[3535]} والمعنى : قل لهؤلاء المشركين الضالين : ربي أعلم منكم بالذي جاء بالهدى ، وهو نفسه صلى الله عليه وسلم ، وأعلم من هو سادر في الغي ، جائر عن سواء السبيل .


[3535]:البيان لابن الأنباري ج 2 ص 239.