تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِنَّا نَحۡنُ نُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَنَكۡتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَٰرَهُمۡۚ وَكُلَّ شَيۡءٍ أَحۡصَيۡنَٰهُ فِيٓ إِمَامٖ مُّبِينٖ} (12)

1

{ إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وءاثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين }

المفردات :

إنا نحن نحي الموتى : نبعثهم بعد الموت .

ما قدموا : ما أسلفوا من الأعمال الصالحة والطالحة .

وآثارهم : ما أبقوه من الحسنات التي لا ينقطع نفعها بعد الموت ، كالعلم والكتاب والمسجد والمستشفى والمدرسة أو من السيئات كنشر البدع والمظالم والأضرار والضلالات بين الناس .

إمام مبين : أصل يؤتم به أو اللوح المحفوظ ، أو صحائف الأعمال .

التفسير :

إنا قادرون على إحياء الموتى ، وبعثهم من قبورهم للحساب والجزاء وقد سجلنا لجميع الموتى مؤمنين أو كافرين ما قدموه وأسلفوه من عمل صالح أو سيء وما تركوه من أثر صالح أو خبيث فنجزيهم على كل عمل قدموه في حياتهم أو تركوا أثره بعد وفاتهم نجازيهم بالإحسان إحسانا وبالسوء سوءا وقد ضبطنا كل شيء وأحصيناه في سجل مضبوط .

لقد كان كفار مكة ينكرون البعث ويقولون : ما هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع ، وما يهلكنا إلا الدهر والسور مكية تواجه كفار مكة ، وتخبرهم أن البعث حق وأن الجزاء من جنس العمل ، واتلله سيحصي على كل إنسان ما قدمه وما أخره ما قدمه من عمل صالح كالصلاة والزكاة والصدقة ، وما أخره وما خلفه بعد موته من وصية نافعة أو بناء ملجأ أو مدرسة أو مستشفى ، أو كتاب علم أو تفسير قرآن أو علم تطبيقي يفيد الأمة ويأخذ بيدها إلى التقدم والقوة ، كل ذلك يسجله الله ويحاسب عليه كما يسجل على الكافرين والفاسقين والعابثين ما قدموا من ضلالات ورذائل وما أخروا من عمل على نشر الرذيلة والسوء في الملاهي أو الكتب الخليعة أو الأفكار الضالة .

{ وكل شيء أحصيناه في إمام مبين . . . } وكل عمل كائنا ما كان قليلا أو كبيرا عظيما أو صغيرا نافعا أو ضارا بيناه وحفظناه في إمام مبين وأصل عظيم الشأن مظهرا لما كان وما سيكون وهو اللوح المحفوظ الذي يؤتم به ويقتدى ويتبع ولا يخالف .

قال تعالى : وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا أقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا . ( الإسراء : 13-14 ) .

وقال عز شأنه : علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى . ( طه : 52 ) .

وقال سبحانه : وكل شيء فعلوه في الزبر وكل صغير وكبير مستطر . ( القمر : 52-53 ) .

وقال سبحانه : إنا كنا نستنتج ما كنتم تعملون . ( الجاثية : 39 ) .

وقال تعالى : أحصاه الله ونسوه . . . ( المجادلة : 6 ) .

وذهب بعض المفسرين إلى أنه يمكن تفسير هذه الآية بأن الله تعالى يحيي قلوب الكافرين ويهديهم إلى الإيمان كما صنع يوم فتح مكة ، حين دخل الناس في دين الله أفواجا وحين اتسع صدر الإسلام فعفا عن كفار مكة وتحول كفار الأمس إلى مؤمنين مجاهدين يفتحون فارس والروم ومصر وشمال أفريقيا حتى دانت ثلاثة أرباع المعمور بالإسلام خلال مائة عام من الرسالة المحمدية ونطق باللغة العربية كثيرون ممن دخلوا في الإسلام وكانت الثقافة الإسلامية واللغة العربية والقرآن الكريم وعلومه التي نشأت حوله موردا صافيا للأمم التي دخلت في الإسلام وساعد على ذلك أن الإسلام رسالة عامة للعرب والعجم ، والإنس والجن والناس أجمعين .

قال تعالى : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين . ( الأنبياء : 107 ) .

من تفسير ابن كثير :

{ إنا نحن نحيي الموتى . . . } أي : يوم القيامة ، وفيه إشارة إلى أن الله تعالى يحيي قلب من يشاء من الكفار الذين قد ماتت قلوبهم بالضلالة ، فيهديهم بعد ذلك إلى الحق كما قال الله تعالى بعد ذكر قسوة القلوب : اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون . ( الحديد : 17 ) .

وقوله تعالى : { ونكتب ما قدموا } أي : من الأعمال .

وفي قوله تعالى : { وءاثارهم } : قولان : أحدهما : نكتب أعمالهم التي باشروها بأنفسهم وآثارهم التي أثروها من بعدهم فنجزيهم على ذلك أيضا إن خيرا فخير وإن شرا فشر .

وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم : فيما أخرجه مسلم عن جرير بن عبد الله البجلي " من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها واجر من عمل بها من بعده ، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا " . 6

وهكذا الحديث الآخر الذي أخرجه مسلم عن أبيس هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له أو صدقة جارية من بعده " . 7

وقال مجاهد في قوله تعالى : ونكتب ما قدموا وءاثارهم . ما أورثوا من الضلالة .

وقال سعيد بن جبير وءاثارهم يعني : ما أثروا .

يقول : ما سنوا من سنة فعمل بها قوم من بعد موتهم وهذا القول هو اختيار البغوي .

والقول الثاني : أن المراد بذلك آثار خطاهم إلى الطاعة أو المعصية قال مجاهد : ما قدموا أعمالهم وءاثارهم قال : خطاهم بأرجلهم .

وقال قتادة : لو كان الله عز وجل مغفلا شيئا من شأنك يا ابن آدم أغفل ما تعفى الرياح من هذه الآثار ولكن أحصى على ابن آدم أثره وعمله كله حتى أحصى هذا الأثر فيما هو من طاعة الله تعالى أو من معصيته فمن استطاع منكم أن يكتب أثره في طاعة الله تعالى فليفعل .

وقد وردت في هذا المعنى أحاديث منها ما أخرجه الإمام أحمد ، والإمام مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : خلت البقاع حول المسجد فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم : " إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد " قالوا نعم يا رسول الله قد أردنا ذلك فقال صلى الله عليه وسلم " يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم دياركم تكتب آثاركم " . 8

أي : ألزموا دياركم حتى تكتب آثار خطواتكم إلى المسجد .

{ وكل شيء أحصيناه في إمام مبين } أي وجميع الكائنات مكتوبة في كتاب مسطور مضبوط في لوح محفوظ .

{ إمام مبين } ههنا هو أم الكتاب : قاله مجاهد وقتادة وكذا في قوله تعالى : يوم ندعوا كل أناس بإمامهم . ( الإسراء : 71 ) .

أي : بكتاب أعمالهم الشاهد عليهم بما عملوه من خير أو شر كما قال عز وجل : ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء . . ( الزمر : 69 ) .

وقال تعالى : ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا . ( الكهف : 49 ) 9

***

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِنَّا نَحۡنُ نُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَنَكۡتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَٰرَهُمۡۚ وَكُلَّ شَيۡءٍ أَحۡصَيۡنَٰهُ فِيٓ إِمَامٖ مُّبِينٖ} (12)

{ إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ الموتى } الخ تذييل عام للفريقين المصممين على الكفر والمشفعين بالإنذار ترهيباً وترغيباً ووعيداً ووعداً ، وتكرير الضمير لإفادة الحصر أو للتقوية ، وما ألطف هذا الضمير الذي عكسه كطرده ههنا ، وضمير العظمة للإشارة إلى جلالة الفعل ، والتأكيد للاعتناء بأمر الخبر أو لرد الإنكار فإن الكفرة كانوا يقولون : { إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ } [ المؤمنون : 37 ] أي إنا نحن نحيي الأموات جميعاً ببعثهم يوم القيامة { وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ } ما أسلفوه من الأعمال الصالحة والطالحة { وَءاثَارَهُمْ } التي أبقوها بعدهم من الحسنات كعلم علموه أو كتاب ألفوه أو حبيس وقفوه أو بناء في سبيل الله تعالى بنون وغير ذلك من وجوه البر ومن السيئات كتأسيس قوانين الظلم والعدوان وترتيب مبادىء الشر والفساد فيما بين العباد وغير ذلك من فنون الشرور التي أحدثوها وسنوها بعدهم للمفسدين .

أخرج ابن أبي حاتم عن جرير بن عبد الله البجلي قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده لا ينقص من أوزارهم شيئاً ثم تلا { وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَءاثَارَهُمْ } » وعن أنس أنه قال في الآية : هذا في الخطو يوم الجمعة ، وفسر بعضهم الآثار بالخطأ إلى المساجد مطلقاً لما أخرج عبد الرزاق . وابن جرير . وابن المنذر . والترمذي وحسنه عن أبي سعيد الخدري قال كان بنو سلمة في ناحية من المدينة فأرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد فأنزل الله تعالى : { إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ الموتى وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَءاثَارَهُمْ } فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إنه يكتب آثاركم ثم تلا عليهم الآية فتركوا .

وأخرج الإمام أحمد في الزهد . وابن ماجه . وغيرهما عن ابن عباس قال كانت الأنصار منازلهم بعيدة من المسجد فأرادوا أن ينتقلوا قريباً من المسجد فنزلت { وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَءاثَارَهُمْ } فقالوا بل : نمكث مكاننا .

وأنت تعلم أنه لا دلالة فيما ذكر على أن الآثار هي الخطأ لا غير وقصارى ما يدل عليه أنها من الآثار فلتحمل الآثار على ما يعملها وغيرها ، واستدل بهذين الخبرين ونحوهما على أن الآية مدنية .

وقال أبو حيان : ليس ذلك زعماً صحيحاً وشنع عليه بما ورد مما يدل على ذلك ، وانتصر له الخفاجي بأن الحديث الدال معارض بما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ لهم هذه الآية ولم يذكر أنها نزلت فيهم وقراءته عليه الصلاة والسلام لا تنافي تقدم النزول ومراد أبي حيان هذا لا أنه أنكر أصل الحديث ، ولا يخفى أن الحديثين السابقين ظاهران في أن الآية نزلت يومئذ وليس في حديث الصحيحين ما يعارض ذلك ، والعجب من الخفاجي كيف خفي عليه هذا ، وقيل ما قدموا من النيات وآثارهم من الأعمال ، والظاهر أن المراد بالكتابة الكتابة في صحف الملائكة الكرام الكاتبين ولكونها بأمره عز وجل أسندت إليه سبحانه ، وأخرت في الذكر عن الأحياء مع أنها مقدمة عليه لأن أثرها إنما يظهر بعده وعلى هذا يضعف تفسير ما قدموا بالنيات بناء على ما يدل عليه بعض الأخبار من أن النيات لا تطلع عليها الملائكة عليهم السلام ولا يؤمرون بكتابتها .

وفسر بعضهم الكتابة بالحفظ أي نحفظ ذلك ونثبته في علمنا لا ننساه ولا نهمله كما يثبت المكتوب ، ولعلك تختار أن كتابة ما قدموا وآثارهم كناية عن مجازاتهم عليها إن خيراً فخير وإن شراً فشر وحينئذ فوجه ذكرها بعد الأحياء ظاهر .

وعن الحسن . والضحاك أن إحياء الله تعالى الموتى أن يخرجهم من الشرك إلى الايمان وجعلا الموت مجازاً عن الجهل ، وتعريف { الموتى } للعهد والكلام عليه توكيد للوعد المبشر به كأنه قيل : إنما ينفع إنذارك في هؤلاء لأنا نحييهم ونكتب صالح أعمالهم وآثارهم ولا يخفى ما في ذلك من البعد . وقرأ زر . ومسروق { ويكتب } بالياء مبنياً للمفعول { قَدَّمُواْ وَءاثَارَهُمْ } بالرفع { وَكُلَّ شىْء } من الأشياء كائناً ما كان ، والنصب على الاشتغال أي وأحصينا كل شيء { أحصيناه } أي بيناه وحفظناه ؛ وأصل الإحصاء العد ثم تجوز به عما ذكر لأن العد لأجله .

{ فِى إِمَامٍ } أي أصل عظيم الشأن يؤتم ويقتدى به ويتبع ولا يخالف { مُّبِينٌ } مظهر لما كان وسيكون ، وهو على ما في «البحر » حكاية عن مجاهد . وقتادة . وابن زيد اللوح المحفوظ ، وبيان كل شيء فيه إذا حمل العموم على حقيقته بحيث يشمل حوادث الجنة وما يتجدد لأهلها من دون انقطاع على ما نحو ما يحكى من بيان الحوادث الكونية في الجفر الجامع لكنه على طرز أعلا وأشرف ، ونحو هذا ما قال غير واحد من اشتمال القرآن الكريم على كل شيء حتى أسماء الملوك ومدد ملكهم أو يقال إن بيان ذلك فيه ليس دفعة واحدة بل دفعات بأن يبين فيه جملة من الأشياء كحوادث ألف سنة مثلاً ثم تمحى عند تمام الألف ويبين فيه جملة أخرى كحوادث ألف أخرى وهكذا ، والداعي لما ذكر أن اللوح عند المسلمين جسم وكل جسم متناه الأبعاد كما تشهد به الأدلة وبيان كل شيء فيه على الوجه المعروف لنا دفعة مقتض لكون المتناهي ظرفاً لغير المتناهى وهو محال بالبديهة .

وإذا أريد بكل شيء الأشياء التي في هذه النشأة وأفعال العباد وأحوالهم فيها فلا إشكال في البيان على الوجه المعروف دفعة .

والذي يترجح عندي أن ما كتب في اللوح ما كان وما يكون إلى يوم القيامة وهو متناه وبعض الآثار تشهد بذلك والمطلق منها محمول على المقيد ، وحقيقة اللوح لم يرد فيها ما يفيد القطع ولذا نمسك عن تعيينها ، وكون أحد وجهيه ياقوتة حمراء والثاني زمرة خضراء جاء في بعض الآثار ولا جزم لنا بصحته ، وكونه أحد المجردات وما من شيء إلا وهو يعلمه بالفعل مما لم يذهب إليه أحد من المسلمين وإنما هو من تخيلات الفلاسفة ومن حذا حذوهم فلا ينبغي أن يعول عليه ، وفسر بعضهم الإمام المبني بعلمه تعالى الأزلي كما فسر أم الكتاب في قوله تعالى : { وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب } به وهو أصل لا يكون في صفوف صنوف الممكنات ما يخالفه كما يلوح به قول الشافعي :

خلقت العباد على ما علمت *** ففي العلم يجري الفتى والمسن

ووصفه بمبين لأنه مظهر فقد قالوا : العلم صفة يتجلى بها المذكور لمن قامت به أو لأن إظهار الأشياء من خزائن العدم يكون بعد تعلقه فإن القدرة إنما تتعلق بالشيء بعد العلم فالشيء يعلم ثم يراد ثم تعلق القدرة بإيجاده فيوجد ، ولا يخفى ما في هذا التفسير من ارتكاب خلاف الظاهر وعليه فلا كلام في العموم ، نعم في كيفية وجود الأشياء في علمه تعالى كلام طويل محله كتب الكلام . وعن الحسن أنه أريد به صحف الأعمال وليس بذاك . وحكى لي عن بعض غلاة الشيعة أن المراد بالإمام المبين علي كرم الله تعالى وجهه وإحصاء كل شيء فيه من باب :

ليس على الله بمستنكر *** أن يجمع العالم في واحد

ومنهم من يزعم أن ذلك على معنى جعله كرم الله تعالى وجهه خزانة للمعلومات على نحو اللوح المحفوظ ، ولا يخفى ما في ذلك من عظيم الجهل بالكتاب الجليل نسأل الله تعالى العفو والعافية ، ويمكن أن يقال : إنهم أرادوا بذلك نحو ما أراده المتصوفة في إطلاقهم الكتاب المبين على الإنسان الكامل اصطلاحاً منهم على ذلك فيهون أمر الجهل ، وكمال علي كرم الله تعالى وجهه لا ينكره إلا ناقص العقل عديم الدين .

وقرأ أبو السمال { وَكُلٌّ } بالرفع على الابتداء .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{إِنَّا نَحۡنُ نُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَنَكۡتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَٰرَهُمۡۚ وَكُلَّ شَيۡءٍ أَحۡصَيۡنَٰهُ فِيٓ إِمَامٖ مُّبِينٖ} (12)

{ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى } أي : نبعثهم بعد موتهم لنجازيهم على الأعمال ، { وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا } من الخير والشر ، وهو أعمالهم التي عملوها وباشروها في حال حياتهم ، { وَآثَارَهُمْ } وهي آثار الخير وآثار الشر ، التي كانوا هم السبب في إيجادها في حال حياتهم وبعد وفاتهم ، وتلك الأعمال التي نشأت من أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم ، فكل خير عمل به أحد من الناس ، بسبب علم العبد وتعليمه ونصحه ، أو أمره بالمعروف ، أو نهيه عن المنكر ، أو علم أودعه عند المتعلمين ، أو في كتب ينتفع بها في حياته وبعد موته ، أو عمل خيرا ، من صلاة أو زكاة أو صدقة أو إحسان ، فاقتدى به غيره ، أو عمل مسجدا ، أو محلا من المحال التي يرتفق بها الناس ، وما أشبه ذلك ، فإنها من آثاره التي تكتب له ، وكذلك عمل الشر .

ولهذا : { من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة } وهذا الموضع ، يبين لك علو مرتبة الدعوة إلى اللّه والهداية إلى سبيله بكل وسيلة وطريق موصل إلى ذلك ، ونزول درجة الداعي إلى الشر الإمام فيه ، وأنه أسفل الخليقة ، وأشدهم جرما ، وأعظمهم إثما .

{ وَكُلَّ شَيْءٍ } من الأعمال والنيات وغيرها { أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ } أي : كتاب هو أم الكتب وإليه مرجع الكتب ، التي تكون بأيدي الملائكة ، وهو اللوح المحفوظ .