تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡ وَيَقُولُونَ هَـٰٓؤُلَآءِ شُفَعَـٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِۚ قُلۡ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ} (18)

{ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ 18 وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ 19 }

المفردات :

أتنبئون الله بما لا يعلم في

السماوات ولا في الأرض : أي : أتخبرون الله بشفعاء لا يعلمهم في السماوات ولا في الأرض ، والمراد : نفي وجودهم إذ لو وجدوا لعلمهم الله سبحانه .

التفسير :

18 { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ . . . } الآية .

هذه قصة أخرى من قصص هؤلاء المشركين ، الذين عبدوا اللات والعزى ومناة ، وزعموا أن هذه الأصنام تشفع لهم في الدنيا ، بالنعيم والسعادة والغنى والعافية ، وتشفع لهم في الآخرة ، بدخول الجنة .

أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال : كان النضر بن الحارث يقول : إذا كان يوم القيامة ؛ شفعت لي اللات والعزى ؛ فنزلت هذه الآية :

{ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ } . أي : إن من شأن الإله المعبود أن ينفع صاحبه الذي يعبده ويستجيب دعاءه ، ويدفع عنه المكروه والضر ، لكن هذه الأصنام التي يعبدونها لا تضرهم إن لم يعبدوها ، ولا تنفعهم إن عبدوها ؛ لأنها صماء لا تسمع ولا تعقل ولا تحس ولا تجيب ، وهي غافلة عن عبادتهم .

{ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ } .

إذا توجه القول إلى الكفار : بأن هذه الأصنام لا تسمع ولا تجيب ولا تنفع ولا تضر ؛ قالوا : { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } . ( الزمر : 3 ) ؛ فهم شفعاؤنا عند الله ، أي : نتوسل بهم إلى الله ؛ لإصلاح معاشنا في الدنيا ، وإصلاح معادنا في الآخرة .

وحال هؤلاء المشركين إن دل على شيء ، فإنما يدل على فرط الحماقة والجهل ؛ حيث تركوا عبادة الإله ، القادر الواحد الأحد ، النافع الضار ؛ الفرد الصمد ، وتوجهوا بعبادتهم إلى ما لا يضر ولا ينفع .

{ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ } .

أي : قل أيها الرسول لهؤلاء الحمقى ؛ إنكارا عليهم وتوبيخا لهم ، وسخرية منهم : أتخبرون الله تعالى بشيء لا وجود له أصلا في السماوات والأرض ، وهو أن الأصنام شفعاؤكم عند الله تعالى .

جاء في تفسير التحرير والتنوير ما يأتي :

ولما كان ذلك شيئا اخترعوه من عند أنفسهم ، وهو غير واقع ؛ جعل اختراعه بمنزلة أنهم أعلموا الله به ، وكان لا يعلمه فصار ذلك كناية عن بطلانه ؛ لأن ما لم يعلم الله وقوعه فهو منتف ، ومن هذا قول من يريد نفي شيء عن نفسه : ما علم الله هذا مني ، وفي ضده قولهم في تأكيد وقوع الشيء : يعلم الله كذا حتى صار عند العرب من صيغ اليمين . xi

{ سبحانه وتعالى عما يشركون } .

وهي اعتراض تذييلي من جهته سبحانه وتعالى أي : تنزيها لله تعالى عن إشراكهم الذي بنوا عليه هذا القول الزائف ، وعن الشركاء الذين يشركونهم في العبادة معه تعالى .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡ وَيَقُولُونَ هَـٰٓؤُلَآءِ شُفَعَـٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِۚ قُلۡ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ} (18)

{ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ } حكاية لجناية أخرى لهم وهي عطف على قوله سبحانه : { وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ } [ يونس : 15 ] الآية عطف قصة على قصة ، و { مِن دُونِ } في موضع الحال من فاعل { يَعْبُدُونَ } أي متجاوزين الله تعالى إما بمعنى ترك عبادته سبحانه بالكلية لأنها لا تصح ولا تقع عبادة مع الشركة أو بمعنى عدم الاكتفاء بها وجعلها قريباً لعبادة غيره سبحانه كما اختاره البعض ، و { مَا } إما موصولة أو موصوفة ، والمراد بها الأصنام ، ومعنى كونها لا تضر ولا تنفع أنها لا تقدر على ذلك لأنها جمادات ، والمقصود من هذا الوصف نفي صحة معبوديتها لأن من شأن المعبود القدرة على ما ذكر ، وقيل : المعنى لا تضرهم إن تركوا عبادتها ولا تنفعهم إن عبدوها والمقصود أيضاً نفي صحة معبوديتها لأن من شأن المعبود أن يثبت عابده ويعاقب من لم يعبده ، والفرق بين التفسيرين على ما قاله القطب اطلاق النفع والضر في الأول والتقييد بالعبادة وتركها في الثاني ، وقيل : المقصود على الأول من الموصول الأصنام بعينها وعلى الثاني فاقد أوصاف المعبودية ، ويجوز أن يدخل فيه غير الأصنام من الملائكة والمسيح عليهم السلام ، والظاهر أن المراد هنا الأصنام لأن العرب إنما كانوا يعبدونها وكان أهل الطائف يعبدون اللات وأهل مكة العزى ومناة وهبل وأسافا ونائلة { وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شفعاؤنا عِندَ الله } أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال : كان النضر بن الحرث يقول : إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزى وفيه نزلت الآية .

والظاهر أن سائر المشركين كانوا يقولون هذا القول ، ولعل ذلك منهم على سبيل الفرض والتقدير أي إن كان بعث كما زعمتم فهؤلاء يشفعون لنا ، فلا يقال : إن المتبادر من الشفاعة عند الله تعالى أنه في الآخرة وهو مستلزم للبعث وهم ينكرونه كما يدل عليه قوله تعالى : { وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ } [ النحل : 38 ] وكذا ما تقدم آنفاً من قوله سبحانه : { الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا } [ يونس : 15 ] فيلزم المنافاة بين مفاهيم الآيات ، وكأنه لذلك قال الحسن عليه الرحمة : إنهم أرادوا من هذه الشفاعة الشفاعة في الدنيا لإصلاح المعاش ، وحينئذٍ لا منافاة والجمهور على الأول ، ومن سبر حال القوم رآهم مترددين ولذلك اختلفت كلماتهم ، ونسبة الشفاعة للأصنام قيل باعتبار السببية وذلك لأنهم كما هو المشهور وضعوها على صور رجال صالحين ذوي خطر عندهم وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادتها فإن أولئك الرجال يشفعون لهم ، وقيل : إنهم كانوا يعتقدون أن المتولي لكل إقليم روح معين من أرواح الأفلام فعينوا لذلك الروح صنماً من الأصنام واشتغلوا بعبادتها قصداً إلى عبادة الكواكب وقيل : غير ذلك ، والحق أن من الأصنام ما وضع على الوجه الأول ومنها ما وضع لكونها كالهياكل للروحانيات { قُلْ } تبكيتاً لهم { أَتُنَبّئُونَ الله بِمَا لاَ يَعْلَمُ } أي أتخبرونه سبحانه بما لا وجود له ولا تحقق أصلاً وهو كون الأصنام شفعاءهم عنده جل شأنه فإن ما لا يعلمه علام الغيوب المحيط علمه بالكليات والجزئيات لا يكون له تحقق بالكلية ، وذكروا أن مثل ذلك لا يسمى شيئاً بناءً على أنه كما قال سيبويه ما يصح أن يعلم ويخبر عنه وهو يشمل الموجود والمعدوم كما حققه بعض أصحابنا كالمعتزلة وسموا ما لا يعلم بالمنفي كالشريك وكاجتماع الضدين ، وحقق ذلك الشيخ إبراهيم الكورابي في رسالة مستقلة أتى فيها بالعجب العجاب ، ويجوز أن يراد بالموصول أن له سبحانهش ريكاً والمقصود على الوجهين من ذكر إنباء الله تعالى بما لا تحقق له ولم يتعلق به علمه التهكم والهزء بهم وإلا فلا إنباء ، وقوله سبحانه : { فِي السموات * وَلاَ فِى الارض } في موضع الحال من العائد المحذوف أي بما لا يعلمه كائناً في ذلك ، والمقصود منه تأكيد النفي المدلول عليه بما قبله فإنه قد جرى في العرف أن يقال عند تأكيد النفي للشيء ليس هذا في السماء ولا في الأرض لاعتقاد العامة أن كل ما يوجد إما في السماء وإما في الأرض كما هو رأى المتكلمين في كل ما سوى الله تعالى إذ هو سبحانه المعبود المنزه عن الحلول في المكان ، والآيات التي ظاهرها ذلك من المتشابه والمذاهب فيه شهيرة ، وهذا إذا أريد بالسماء والأرض جهتا العلو والسفل ، وقيل : الكلام إلزامي لزعم المخاطبين الكافرين أن الأمر كذلك ، وقيل : إن معنى الآية أتخبرونه تعالى بشريك أو شفيع لا يعلم شيئاً في السموات ولا في الأرض كما في قوله تعالى :

{ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مّنَ * السموات والارض } [ النحل : 73 ] وليس بشيء { سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } أي عن إشراكهم المستلزم لتلك المقالة الباطلة أو عن شركائهم الذين يعتقدونهم شركاء ، وقرىء { أَتُنَبّئُونَ } بالتخفيف ، وقرأ حمزة . والكسائي { تُشْرِكُونَ } بتاء الخطاب على أنه من جملة القول المأمور به ، وعلى الأول هو اعتراض تذييلي من جهته سبحانه وتعالى .