تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَيۡلٞ لِّكُلِّ هُمَزَةٖ لُّمَزَةٍ} (1)

مقدمة السورة:

تفسير سورة الهمزة

أهداف سورة الهمزة

( سورة الهمزة مكية ، وآياتها 9 آيات ، نزلت بعد سورة القيامة )

فكرة السورة

تعكس هذه السورة صورة من الصور الواقعية في حياة الدعوة في عهدها الأول ، وهي في الوقت ذاته نموذج يتكرر في كل بيئة ، صورة اللئيم الصغير النفس ، الذي يؤتي المال فتستطير نفسه به ، حتى ما يطيق نفسه ، ويروح يشعر أن المال هو القيمة العليا في الحياة ، القيمة التي تهون أمامها جميع القيم وجميع الأقدار : أقدار الناس ، وأقدار المعاني ، وأقدار الحقائق . كما يروح يحسب أن هذا المال إله قادر على كل شيء ، لا يعجز عن دفع شيء ، حتى دفع الموت ، وتخليد الحياة .

ومن ثم ينطلق في هوس بهذا المال ، يعده ويستلذ تعداده ، وتنطلق في كيانه نفخة فاجرة ، تدفعه إلى الاستهانة بأقدار الناس ، وهمزهم ولمزهم ، وانتقاص قدرهم ، وتحقير شأنهم . وهي صورة لئيمة من صور النفوس البشرية حين تخلو من المروءة . والإسلام يكره هذه الصورة الهابطة ، وقد نهى القرآن عن السخرية واللمز في مواضع شتى ، إن أن ذكرها هنا بهذا التشنيع ، يوحي بأنه كان يواجه حالة واقعية من بعض المشركين تجاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجاه المؤمنين ، فجاء الرد عليها في صورة الردع والتهديد والوعيد .

أسباب النزول

قال عطاء والكلبي : نزلت هذه السورة في الأخنس بن شريق ، كان يلمز الناس ويغتابهم ، وبخاصة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقال مقاتل : نزلت في الوليد بن المغيرة ، كان يغتاب النبي صلى الله عليه وسلم من ورائه ، ويطعن فيه في وجهه .

وقال محمد بن إسحاق صاحب السيرة : ما زلنا نسمع أن هذه السورة نزلت في أمية بن خلف .

مع آيات السورة

1- ويل لكل همزة لمزة . ويل وعذاب شديد لكل سبّاب عيّاب ، ينتقص الناس بالإشارة والحركة ، والقول والفعل .

وبناء الصفة على فعلة يفيد كثرة وقوع الفعل ، وجريانه مجرى العادة .

وعن مجاهد وعطاء : الهمزة الذي يغتاب ويطعن في وجه الرجل ، واللمزة الذي يغتاب من خلفه إذا غاب .

2- الذي جمع مالا وعدّده . إن الذي دعا هذا وأمثاله إلى الحط من أقدار الناس ، ظنه الخاطئ بأن جمع المال ، والمبالغة في عدّه والمحافظة عليه ، مما يرفع قدره ، ويضمن له منزلة رفيعة ، يستطيع بها أن يطلق لسانه في أعراض الناس ، وأن يؤذيهم بالقول والفعل .

3- يحسب أن ماله أخلده . إن حبه للمال أنساه الموت والمآل فهو يأنس بماله ، ويظن أن هذا المال الذي أجهد نفسه في جمعه ، وبخل به حتى على نفسه ، ويحميه من الموت ويورثه الخلود .

4- كلاّ لينبذنّ في الحطمة . لقد قابل القرآن بين كبريائه وتعاليه على الناس ، وبين جزائه في الحطمة التي تحطم كل ما يلقى إليها ، فتحطم كيانه وكبريائه .

5- وما أدراك ما الحطمة . سؤال للتهويل والتعظيم ، أي : أي شيء أعلمك بها ؟ فإن هذه الحطمة مما لا يحيط بها عقلك ، ولا يقف على كنهها علمك ، ولا يعرف حقيقتها إلا خالقها سبحانه وتعالى .

6- نار الله الموقدة . إنها النار التي تنسب إلى الله الذي خلقها ، وهي موقدة لا تخمد أبدا ، ثم وصف هذه النار بعدة صفات فيها تناسق تصويري يتفق مع أفعال ( الهمزة اللمزة ) .

7- التي تطّلع على الأفئدة . إنها تصل إلى الفؤاد الذي ينبعث منه الهمز واللمز ، وهي تتغلب على الأفئدة وتقهرها ، فتدخل في الأجواف حتى تصل إلى الصدور فتأكل الأفئدة ، والقلب أشد أجزاء الجسم تألما ، فإذا استولت عليه النار فأحرقته فقد بلغ العذاب بالإنسان غايته .

والنار لا تصل إلى الفؤاد إلا بعد أن تأكل الجلود واللحوم والعظام ، ثم تصل إلى القلوب ، والأفئدة موطن الإحساس والاعتقاد ، ومن لكمات عمر بن الخطاب للكفار : ( حرق الله قلوبكم ) . أي : أصابكم بأشد ألوان المحن والألم .

8- إنها عليهم مؤصدة . إنها مطبقة عليهم لا يخرجون منها ، ولا يستطيعون الفرار أو الهرب .

قال تعالى : كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غمّ أعيدوا فيها . . . ( الحج : 22 ) .

9- في عمد ممدّدة . العمد جمع عمود وهو معروف ، والممددة : المطولة ، أي أنه أطبقها عليهم وأغلقها في عمد طويلة ، تمد على أبوابها بعد أن تؤصد ، وهو تصوير لشدة الإطباق وإحكامه ، وتأكيد اليأس من الخلاص .

قال مقاتل : إن الأبواب أطبقت عليهم ، ثم شدت بأوتاد من حديد ، فلا يفتح عليهم باب ، ولا يدخل عليهم روح .

اللهم أجرنا من النار ، ومن عذاب النار ، وأدخلنا الجنة مع الأبرار ، بفضلك وكرمك يا عزيز يا غفار .

مقاصد السورة

1- من الناس من يرى مثله الأعلى جمع المال والتعالي على العباد ، وهو نموذج سيء .

2- الويل والعذاب ينتظران كل عيّاب وسبّاب .

3- المال نعمة من الله ، ولكن العمل الصالح هو الوسيلة النافعة .

4- البخيل بالمال المتعالي على العباد له نار متقدة تحرق جسمه وتصل إلى فؤاده .

5- هذه النار مغلقة عليه يظل حبيسا فيها أبد الآبدين .

بسم الله الرحمان الرحيم

{ ويل لكل همزة لمزة 1 الذي جمع مالا وعدّده 2 يحسب أنّ ماله أخلده 3 كلاّ لينبذنّ في الحطمة 4 وما أدراك ما الحطمة 5 نار الله الموقدة 6 التي تطّلع على الأفئدة 7 إنها عليهم مؤصدة 8 في عمد ممدّدة 9 }

المفردات :

ويل : خزي وهلاك وعذاب ، وهو لفظ لا يستعمل إلا في الذم والقبح .

همزة : من ينتقص الناس بالقول .

لمزة : من يؤذي الناس بالفعل ، فكلاهما طعّان عيّاب .

التفسير :

1

التفسير :

1- ويل لكل همزة لمزة .

عذاب شديد لكل همّاز يعيب الناس ، ويغضّ من أقدارهم ، وينتقص من هممهم في حضورهم أو في غيبتهم ، يفعل ذلك بالقول أو بالإشارة .

قال ابن عباس : همزة لمزة . طعّان عيّاب .

وقال الربيع بن أنس : الهمزة . يهمزه في وجهه . واللمزة : من خلفه .

وسئل ابن عباس مرة أخرى عن ( اللمزة اللمزة ) فقال : هو المشّاء بالنميمة ، المفرّق بين الجمع ، المغري بين الإخوان .

وقيل : نزلت هذه السورة في الأخنس بن شريق ، كان يلمز الناس ويغتابهم .

وقيل نزلت في أمية بن خلف ، كان يهمز النبي صلى الله عليه وسلم ويعيبه .

وقيل : نزلت في الوليد بن المغيرة ، كان يغتاب النبي صلى الله عليه وسلم ويغضّ من قدره الشريف .

ولا يستبعد أن تكون قد نزلت في مجموعة ، منها هؤلاء الثلاثة الذين دأبوا على السخرية والاستهزاء بالفضلاء ، مع اليقين بأن اللفظ عام ، يشمل كل من تنطبق عليه هذه الصفات ، فالعبرة عموم اللفظ لا بخصوص السبب .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَيۡلٞ لِّكُلِّ هُمَزَةٖ لُّمَزَةٍ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الهمزة

مكية وآيها تسع بلا خلاف في الامرين

{ وَيْلٌ لّكُلّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ } تقدم الكلام على اعراب مثل هذه الجملة والهمز والكسر كالهمز واللمز الطعن كاللهز شاعا في الكسر من اعراض الناس والغض منهم واغتيابهم والطعن فيهم وأصل ذلك كان استعارة لأنه لا يتصور الكسر والطعن الحقيقيان في الأجسام فصار حقيقة عرفية ذلك وبناء فعلة يدل على الاعتياد فلا يقال ضحكة ولعنة إلا للمكثر المتعود قال زياد الأعجم

إذا لقيتك عن شحط تكاشرني *** وإن تغيبت كنت الهامز اللمزة

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وجماعة عن ابن عباس أن سئل عن ذلك فقال هو المشاء بالنميمة المفرق بين الجمع المغري بين الإخوان وأخرج ابن أبي حاتم وعبد بن حميد وغيرهما عن مجاهد الهمزة الطعان في الناس واللمزة الطعان في الأنساب وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية الهمز في الوجه واللمز في الخلف وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن جريج الهمز بالعين والشدق واليد واللمز باللسان وقيل غير ذلك وما تقدم أجمع . وقرأ الباقر رضي الله تعالى عنه لكل همزة لمزة بسكون الميم فيهما على البناء الشائع في معنى المفعول وهو المسخرة الذي يأتي بالأضاحيك فيضحك منه ويشتم ويهمز ويلمز ونزل ذلك على ما أخرج بن أبي حاتم من طريق ابن إسحق عن عثمان بن عمر في أبي بن خلف وعلى ما أخرج عن السدى في أبي بن عمر والثقفي الشهير بالاخنس بن شريق فإنه كان متغتاباً كثير الوقعية وعلى ما قال ابن اسحق في أمية بن خلف الجمحي وكان يهمز النبي صلى الله عليه وسلم ويعيبه وعلى ما أخرج ابن جرير وغيره عن مجاهد في جميل بن عامر وعلى ما قيل في الوليد بن المغيرة واغتيابه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وغضه منه وعلى قول في العاص بن وائل ويجوز أن يكون نازلاً في جميع من ذكر لكن استشكل نزولها في الأخنس بأنه على ما صححه ابن حجر في «الإصابة » أسلم وكان من المؤلفة قلوبهم فلا يتأتى الوعيد الآتي في حقه فاماً أن لا يصح ذلك أو لا يصح إسلامه وأيضاً استشكلت قراءة الباقر رضي الله تعالى عنه بناء على ما سمعت في معناها وكون الآية نازلة في الوليد بن المغيرة ونحوه من عظماء قريش وبه اندفع ما في التأويلات من أنه كيف عيب الكافر بهذين الفعلين مع أن فيه حالا أقبح منهما وهو الكفر وأما ما أجاب به من أن الكفر غير قبيح لنفسه بخلافهما فلا يخفى ضعفه لأن فوت الاعتقاد الصحيح أقبح من كل شيء قبيح .