{ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم( 224 ) لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم ( 225 ) للذين يؤولون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءو فإن الله غفور رحيم( 226 ) وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم( 227 ) }
عرضة : عرض يتصرف على معان مرجعها إلى المنع لأن كل شيء اعترض فقد منع ، ويقال للسحاب : عارض لأنه من رؤية السماء والشمس والقمر والكواكب . والعرضة كالغرفة المانع المعترض دون شيء .
الأيمان : الأمور المحلوف عليها .
الطلاق : هم حل عقد النكاح الذي بين الرجل والمرأة . وأصله من الانطلاق وهو الذهاب يقال طلقت المرأة تطلق ن باب نصر طلاقا ، إذا أصبحت مخلاة بدون رجل بعد أن كانت في عصمت رجل معين .
لا تجعلوا الحلف بالله حاجزا بينكم وبين فعل الخير والبر والتقوى والإصلاح بين الناس .
{ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم }
لا تجعلوا الحلف بالله حاجزا ومانعا عن البر والتقوى والإصلاح بين الناس . والله سميع لما تلفظون به عالم بأيمانكم فلا ينبغي أن يكون الحلف بالله مانعا عن عمل الخير فالله لا يرضى أن يكون اسمه حجاجا دون خير .
فكثيرا ما يسرع الإنسان إلى الحلف بألا يفعل كذا ويكون خيرا ، وأن يفعل كذا ويكون شرا فنهانا الله عن ذلك وأمرنا بتحري وجوه الخير .
فإذا حلف الإنسان على ترك الخير ، فليفعل الخير وليكفر عن يمينه ولا يجعل اليمين مانعة له من المعروف .
قال ابن عباس : لا تجعل الله عرضة ليمينك ألا تصنع الخير ، ولكن كفر عن يمينك واصنع الخير .
روى مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها ، فليكفر عن يمينه ، وليفعل الذي هو خير " ( 216 ) .
والآية توحي بالإقلال من الحلف حتى لا يتعود عليه اللسان ، وقد ذم الله المكثرين من الحلف فقال : ولا تطع كلل حلاف مهين . ( القلم : 10 ) .
قال الإمام الرازي : والحكمة في الأمر بتقليل الأيمان أم من حلف في كل قليل وكثير بالله انطلق لسانه بذلك ولا يبقى لليمين في قلبه وقع . فلا يؤمن إقدامه على اليمين الكاذبة ، فيختل ما هو الغرض في اليمين .
وأيضا كلما كان الإنسان أكثر تعظيما لله ، كان أكمل في العبودية ، ومن كمال العبودية التعظيم ، وأن يكون ذكر الله تعالى أجل وأعلى عنده من أن يستشهد به في كل غرض دنيوي ، وأما قوله بعد ذلك " أن تبروا " فهو علة لهذا الشيء أي إرادة أن تبروا ، والمعنى إنما نهيتم عن هذا أي عن الإكثار من الحلف لما أن توقى ذلك من البر والتقوى والإصلاح ، فتكونوا يا معشر المؤمنين بسبب عدم إكثاركم من الأيمان بررة أتقياء مصلحين . " 217 )
قال القرطبي وابن جرير الطبري وغيرهم :
نزلت في أبى بكر الصديق رضي الله عنه إذا حلف ألا ينفق على مسطح ابن خالته وكان من الفقراء المهاجرين ، وكان أبو بكر يعطف عليه ويرعنه ثم شارك مسطح في الحديث الإفك وروج الكلام في اتهام السيدة عائشة رضي الله عنها ، فأقسم أبو بكر ألا يبر مسطحا فريبة فأنزل الله هذه الآية . وأنزل أيضا في شأن حديث الإفك ثلاث عشر آية في سورة النور منها قوله تعالى :
{ ولا يأتل ألوا الفضل منكم والسعة أن يأتوا أولوا القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم }( النور : 22 ) .
فقال أبو بكر لما سمع هذه الآية : بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي . ورجع عن يمينه وكفر عنها . وأجرى على مسطح ما كان ينفقه عليه .
{ وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لأيمانكم } أخرج ابن جرير عن ابن جريج أنها نزلت في الصديق رضي الله تعالى عنه لما حلف أن لا ينفق على مسطح بن خالته وكان من الفقراء المهاجرين لما وقع في إفك عائشة رضي الله تعالى عنها ، وقال الكلبي : نزلت في عبد الله بن رواحة حين حلف على ختنه بشير بن النعمان أن لا يدخل عليه أبداً ولا يكلمه ولا يصلح بينه وبين امرأته بعد أن كان قد طلقها وأراد الرجوع إليها والصلح معها ، والعرضة فعلة بمعنى المفعول كالقبضة والغرفة وهي هنا من عرض الشيء من باب نصر أو ضرب جعله معترضاً أو من عرضه للبيع عرضاً من باب ضرب إذا قدمه لذلك ، ونصبه/ له والمعنى على الأول لا تجعلوا الله حاجزاً لما حلفتم عليه وتركتموه من أنواع الخير فيكون المراد بالأيمان الأمور المحلوف عليها وعبر عنها بالأيمان لتعلقها بها ، أو لأن اليمين بمعنى الحلف تقول حلفت يميناً كما تقول حلفت حلفاً فسمي المفعول بالمصدر كما في قوله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه مسلم وغيره : «من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير » ، وقيل : ( على ) في الحديث زائدة لتضمن معنى الاستعلاء .
وقوله تعالى { أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ الناس } عطف بيان ( لأيمانكم ) وهو في غير الأعلام كثير وفيها أكثر ، وقيل : بدل وضعف بأن المبدل منه لا يكون مقصوداً بالنسبة بل تمهيد وتوطئة للبدل وههنا ليس واللام صلة عرضة ، وفيها معنى الاعتراض أو بتجعلوا ، والأول أولى وإن كان المآل واحداً ، وجوز أن تكون الأيمان على حقيقتها واللام للتعليل و( أن تبروا ) في تقدير لأن ويكون صلة للفعل أو لعرضة ، والمعنى : لا تجعلوا الله تعالى حاجزاً لأجل حلفكم به عن البر والتقوى والإصلاح ، وعلى الثاني ولا تجعلوا الله نصباً لأيمانكم فتبتذلوه بكثرة الحلف به في كل حق وباطل لأن في ذلك نوع جرأة على الله تعالى وهو التفسير المأثور عن عائشة رضي الله تعالى عنها ، وبه قال الجبائي وأبو مسلم وروته الإمامية عن الأئمة الطاهرين ، ويكون ( أن تبروا ) علة للنهي على معنى أنهيكم عنه طلب بركم وتقواكم وإصلاحكم إذ الحلاف مجترئ على الله تعالى والمجترئ عليه بمعزل عن الاتصاف بتلك الصفات ويؤول إلى لا تكثروا الحلف بالله تعالى لتكونوا بارين متقين ويعتمد عليكم الناس فتصلحوا بينهم ، وتقدير الطلب ونحوه لازم إن كان { أَن تَبَرُّواْ } في موضع النصب ليتحقق شرط حذف اللام وهو المقارنة لأن المقارنة للنبي ليس هو البر والتقوى والإصلاح بل طلبها وإن كان في موضع الجر بناءاً على أن حذف حرف الجر من ( أن ) وإن قياسي فليس بلازم وإنما قدروه لتوضيح المعنى ، والمراد به طلب الله تعالى لا طلب العبد ، وإن أريد ذلك كان علة للكف المستفاد من النهي كأنه قيل : كفوا أنفسكم من جعله سبحانه عرضة وطلب العبد صالح للكف { والله سَمِيعٌ } لأقوالكم وأيمانكم { عَلِيمٌ } بأحوالكم ونياتكم فحافظوا على ما كلفتموه ، ومناسبة الآية لما قبلها أنه تعالى لما أمرهم بالتقوى نهاهم عن ابتذال اسمه المنافي لها أو نهاهم عن أن يكون اسمه العظيم حاجزاً لها ومانعاً منها .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.