تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا وَصِيَّةٗ لِّأَزۡوَٰجِهِم مَّتَٰعًا إِلَى ٱلۡحَوۡلِ غَيۡرَ إِخۡرَاجٖۚ فَإِنۡ خَرَجۡنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِي مَا فَعَلۡنَ فِيٓ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعۡرُوفٖۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (240)

المتعة والنفقة

221

{ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزوجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم( 240 ) وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين( 241 ) كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون( 242 ) }

المفردات :

ويذرون : ويتركون وراءهم .

وصية : فليوصوا وصية .

متاعا إلى الحول غير إخراج : أي أن المتوفى يوصي قبل موته أن تتمتع امرأته حولا كاملا بالسكنى والنفقة غير مخرجة من بيت زوجها مدة حول .

فلا جناح : فلا إثم .

240

التفسير :

{ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف }

هذه الأحكام تتمة ما في السورة من أحكام الأزواج ، وقد جاء ذكر الصلاة أثناء الحديث عن أحكام المطلقات ، حقا للمؤمنين على مراقبة الله تعالى وطاعته عند انفصام الحياة الزوجية وانتهائها .

ومعنى الآية : والذين يتوقعون قرب الوفاة منكم أيها المسلمون ويتركون بعدهم زوجات كتب الله عليكم أيها الأزواج قبل الاحتضار ، وصية لهن بأن يمتعن بعدكم بالنفقة والسكنى إلى نهاية عام كامل بعد الوفاة ، غير مخرجات من مساكنهم طيلة الحول أي لا يخرجن منه أولياء الميت .

وجمهور المفسرين يرون أن هذه الآية منسوخة ، فقد راعى القرآن التدرج في التشريع فشرع عدة المتوفى عنها زوجها سنة كاملة ، ولم يكن لها حق في الميراث وإنما لها الحق في السكنى والنفقة في منزل الزوج .

وقد علم أنه كان من عادة العرب إلزام المرأة زوجها المتوفى سنة كاملة .

فبينت هذه الآية أن عدة المرأة المتوفى عنها زوجها سنة ، ثم نسخت هذه الآية بقوله تعالى :

{ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا }( البقرة : 234 ) .

والآية التي معنا وإن تأخرت تلاوة ، إلا أنها متقدمة في النزول .

قال المفسرون : إن المتوفى عنها زوجها كانت تجلس في بيته حولا وينفق عليها من ماله ما لم تخرج المنزل ، فإن خرجت لم يكن على الورثة جناح في قطع النفقة عنها ، ثم نسخ الحول بالأربعة أشهر والعشر ، ونسخت النفقة بالربع والثمن في سورة النساء( 291 ) .

قال ذلك ابن عباس وقتادة وغيرهما .

قالوا : " ومما يشهد لذلك ما أخرجه أبو داود والنسائي عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية : " نسخت بآية الميراث بما فرض الله لهن من الربع والثمن ، نسخ أجل الحول بأن جعل أجلها أربعة أشهر وعشرا " ( 292 ) .

وبعض المفسرين الآخرين ذهب إلى أن هذه الحكمة وليست منسوخة ، وممن ذهب إلى هذا الرأي مجاهد ، فقد قال ما ملخصه دلت الآية الأولى وهي : { يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } . على أن عدتها المفروضة تعتدها عند أهل زوجها ، ودلت هذه الآية بزيادة سبعة أشهر وعشرين ليلة على العدة السابقة تمام الحول ، وان ذلك من باب الوصية بالزوجات ، أن يمكن بالسكنى في بيوت أزواجهن بعد وفاتهم حولا كاملا ، ولا يمنعن من ذلك لقوله " غير إخراج " فإذا انقضت عدتهم بالأربعة أشهر والعشر أو بوضع الحمل واخترن لخروج والانتقال من ذلك المنزل فإنهن لا يمنعن من ذلك لقوله تعالى : { فإن خرجن . . . }الآية .

ومن المفسرين الذين أيدوا هذا الرأي الإمام ابن كثير في تفسيره فقال : ورأى مجاهد له اتجاه وفي اللفظ مساعدة له ، وقد اختاره جماعة منهم الإمام أبو العباس ابن تيمية( 293 ) .

كما روى هذا الرأي الطبري عن مجاهد . وقال القرطبي : ما ذكره الطبري عن مجاهد صحيح ثابت .

كما أيد أيضا الإمام فخر الرازي في تفسيره ، فقد قال بعد أن ساق بعض الأدلة التي تثبت ضعف قول من قال بالنسخ : " فكان المصير إلى قول مجاهد أولى من التزم النسخ من غير دليل " ( 294 ) .

ويتضح لك أن أصحاب الرأي الثاني لا يرون معارضة بين هذه الآية ، وبين آية : { والذين يتوفون منكم ويذرون أزوجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } ، لأن الآية التي معنا لا تتحدث عن عدة المتوفى عنها زوجها ، وإنما تتحدث عن حقها في البقاء في منزل الزوجية بعد وفاة زوجها ، وأن هذا الحق ثابت لها فإن شاءت بقيت فيه ، وإن شاءت خرجت منه على حسب ما تراه مصلحة لها ، ولأنها لا يوجد في ألفاظها أو معانيها ما يلزم المرأة بالتربص والامتناع عن الأزواج مدة معينة .

أم الآية الثانية فتراها واضحة في الأمر بالتربص أربعة أشهر وعشرا وهي العدة التي يجب أن تمتنع فيها المرأة التي مات عنها زوجها عن التزين والتعرض للزواج ، إذن فلا تعارض بيت الآيتين ، ومتى انتفى التعارض انتفى النسخ .

ثم ختم الآية بقوله :

{ والله عزيز حكيم } .

فهو سبحانه قوي قادر على أمره ، حكيم فيما شرع لعباده من آداب وأحكام .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا وَصِيَّةٗ لِّأَزۡوَٰجِهِم مَّتَٰعًا إِلَى ٱلۡحَوۡلِ غَيۡرَ إِخۡرَاجٖۚ فَإِنۡ خَرَجۡنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِي مَا فَعَلۡنَ فِيٓ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعۡرُوفٖۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (240)

{ والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أزواجا } عود إلى بيان بقية الأحكام المفصلة فيما سبق ، وفي { يُتَوَفَّوْنَ } مجاز المشارفة { وَصِيَّةٍ } قرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة عن عاصم بنصب { بَعْدِ وَصِيَّةٍ } على المصدرية ، أو على أنها مفعول به ، والتقدير ليوصوا أو يوصون وصية أو كتب الله تعالى عليهم ، أو/ ألزموا وصية ويؤيد ذلك قراءة عبد الله ( كتب عليكم الوصية لأزواجكم متاعاً إلى الحول ) مكان { والذين } الخ ، وقرأ الباقون بالرفع على أنه خبر بتقدير ليصح الحمل أي ووصية ( الذين يتوفون ) أو حكمهم وصية أو { والذين يُتَوَفَّوْنَ } أهل وصية ، وجوّز أن يكون نائب فاعل فعل محذوف ، أو مبتدأ لخبر محذوف مقدّم عليه أي : كتب عليهم أو عليهم وصية وقرأ أبيّ ( متاع لأزواجهم ) ، وروي عنه { فمتاع } بالفاء .

{ متاعا إِلَى الحول } نصب بيوصون إن أضمرته ويكون من باب الحذف والإيصال ، وإلا فبالوصية لأنها بمعنى التوصية ، وبمتاع على قراءة أبيّ لأنه بمعنى التمتع { غَيْرَ إِخْرَاجٍ } بدل منه بدل اشتمال إن اعتبر اللزوم بين التمتع { إِلَى الحول } وبين غير الإخراج وبدل الكل بحسب الذات فإنهما متحدان بالذات ، ومتغايران بالوصف ، وذكر بعضهم أنه على تقدير البدل لا بدّ من تقدير مضاف إلى غير تقديره : متاعاً إلى الحول متاع غير إخراج وإلا لم يصح لأن متاعاً مفسر بالإنفاق ، { غَيْر إِخْرَاجٍ } عبارة عن الإسكان وليس مدلوله مدلول الأوّل ، ولا جزأه ، ولا ملابساً له ، فيكون بدل غلط وهو لا يصح في الكلام المجيد فيتعين التقدير ، وحينئذ يكون إبدال الخاص من العام وهو من قبيل إبدال الكل من الجزء نحو رأيت القمر فلكه ، وهو بدل الاشتمال كما صرح به صاحب «المفتاح » وأجيب بأنا لا نسلم أنّ متاعاً مفسر بالإنفاق فقط بل المتاع عام شامل للإنفاق والإسكان جميعاً ، فيكون { غَيْرَ إِخْرَاجٍ } عبارة عن الإسكان الذي هو بعض من { متاعا } فيكون بدل البعض من الكل ، وجوّز أن يكون مصدراً مؤكداً لأن الوصية بأن يمتعن حولا يدل على أنهنّ لا يخرجن ، فكأنه قيل : لا يخرجن غير إخراج ويكون تأكيداً لنفي الإخراج الدال عليه { لا يَخْرُجْنَ } [ الطلاق : 1 ] فيؤول إلى قولك : لا يخرجن لا يخرجن ، وأن يكون حالا من ( أزواجهم ) والأكثرون على أنها حال مؤكدة إذ لا معنى لتقييد الإيصاء بمفهوم هذه الحالة وأنها مقدّرة ؛ لأنّ معنى نفي الإخراج إلى الحول ليس مقارناً للإيصار وفيه تأمّل ، وأن يكون صفة ( متاع ) أو منصوباً بنزع الخافض ، والمعنى : يجب على الذين يتوفون أن يوصوا قبل أن يحتضروا لأزواجهم بأن يمتعن بعدهم حولا بالنفقة والسكنى ، وكان ذلك على الصحيح في أوّل الإسلام ثم نسخت المدّة بقوله تعالى :

{ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } [ البقرة : 234 ] وهو وإن كان متقدماً في التلاوة فهو متأخر في النزول وكذا النفقة بتوريثهنّ الربع أو الثمن ، واختلف في سقوط السكنى وعدمه ، والذي عليه ساداتنا الحنفية الأوّل ، وحجتهم أنّ مال الزوج صار ميراثاً للوارث ، وانقطع ملكه بالموت ، وذهب الشافعية إلى الثاني لقوله صلى الله عليه وسلم : «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله » واعترض بأنه ليس فيه دلالة على أنّ لها السكنى في مال الزوج ، والكلام فيه { فَإِنْ خَرَجْنَ } بعد الحول ، ومضى العدّة ، وقيل : في الأثناء باختيارهن { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } يا أولياء الميت ، أو أيها الأئمة . { فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ } لا ينكره الشرع كالتطيب والتزين وترك الحداد والتعرض للخطاب أو في ترك منعهنّ من الخروج ، أو قطع النفقة عنهنّ ، فلا نص في الآية على أنه لم يكن يجب عليهنّ ملازمة مسكن الزوج والحداد عليه وإنما كنّ مخيرات بين الملازمة وأخذ النفقة ، وبين الخروج وتركها { والله عَزِيزٌ } غالب على أمره ينتقم ممن خالف أمره في الإيصاء وإنفاذ الوصية وغير ذلك { حَكِيمٌ } يراعي/ في أحكامه مصالح عباده فينبغي أن يمتثل أمره ونهيه .