تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ فَلۡيَكۡتُبۡ وَلۡيُمۡلِلِ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبۡخَسۡ مِنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ فَإِن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ سَفِيهًا أَوۡ ضَعِيفًا أَوۡ لَا يَسۡتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلۡيُمۡلِلۡ وَلِيُّهُۥ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَٱسۡتَشۡهِدُواْ شَهِيدَيۡنِ مِن رِّجَالِكُمۡۖ فَإِن لَّمۡ يَكُونَا رَجُلَيۡنِ فَرَجُلٞ وَٱمۡرَأَتَانِ مِمَّن تَرۡضَوۡنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحۡدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحۡدَىٰهُمَا ٱلۡأُخۡرَىٰۚ وَلَا يَأۡبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْۚ وَلَا تَسۡـَٔمُوٓاْ أَن تَكۡتُبُوهُ صَغِيرًا أَوۡ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقۡوَمُ لِلشَّهَٰدَةِ وَأَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَرۡتَابُوٓاْ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةٗ تُدِيرُونَهَا بَيۡنَكُمۡ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَلَّا تَكۡتُبُوهَاۗ وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٞ وَلَا شَهِيدٞۚ وَإِن تَفۡعَلُواْ فَإِنَّهُۥ فُسُوقُۢ بِكُمۡۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ} (282)

و بعد أن أمر سبحانه المؤمنين أن يسارعوا في التصدق على المحتاجين وأن يجتنبوا الربا والمرابين وبين لهم ان أموالهم تزكو وتنمو بالإنفاق في وجوه الخير وتمحق وتذهب بتعاطي الربا بعد ان وضح كل ذلك ساق لهم آية جامعة متى اتبعوا توجيهاتها واستطاعوا أن يحفظوا أموالهم بأفضل طريق وأشرف وسيلة وأن يصونوها عن الهلاك والضياع عندما يعطي أحدهم أخاه شيئا من المال على سبيل الدين او القرض الحسن المنزه عن الربا استمع إلى القرآن وهو يتكلم عن أحكام الدين وعن أحكام بعض المعاملات التجارية الحاضرة فيقول :

{ يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو وضيعا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونوا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسئموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا ان تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم }

قال ابن كثير : قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } هذا إرشاد منه تعالى لعباده المؤمنين إذا تعاملوا بمعاملات مؤجلة أن يكتبوها ليكون ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها وأضبط للشاهد فيها وقد نبه على ذلك في آخر الآية حيث قال : { ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا } .

و روى البخاري عن ابن عباس أنه قال : أشهد ان السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله وأذن فيه ثم قرأ : { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم . . } الآية .

و ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال : قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلقون في الثمار السنة والسنتين والثلاث فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم " ( 89 ) .

و معنى { تداينتم } تعاملتم بالدين وداين بعضكم بعضا ، وحقيقة الدين كما يقول القرطبي : " عبارة عن كل معاملة كان أحد العوضين فيها نقدا والآخر في الذمة نسيئة فإن العين عند العرب ما كان حاضرا والدين ما كان غائبا " ( 90 ) .

و الأجل في اللغة هو الوقت المضروب لانقضاء الأمد واجل الإنسان الوقت المحدد لانقضاء عمره وأجل الدين هو الوقت المعين لأدائه في المستقبل وأصله من التأخير يقال أجل الشيء يأجل أي تأخر والآجل نقيض العاجل .

و المعنى : أيها الذين آمنوا إذا عامل بعضكم بعضا بالدين إلى وقت معين فاكتبوا هذا الدين لأن في هذه الكتابة حفظا له وضبطا لمقداره ومنعا للتنازع من ان يقع بينكم .

قال صاحب الكشاف فإن قلت هلا قيل إذا تداينتم إلى أجل مسمى وأي حاجة إلى ذكر الدين ؟ قلت : ذكر لفظ الدين ليرجع الضمير إليه في قوله : فاكتبوه إذ لو لم يذكر لوجب أن يقال فاكتبوا الدين فلم يكن النظم بذلك الحسن ولأنه أبين لتنويع الدين إلى مؤجل وحال .

فإن قلت : ما فائدة قوله : مسمى . قلت : ليعلم أن من حق الأجل أن يكون معلوما كالتوقيت بالسنة والأشهر والأيام ولو قال إلى الحصاد أو الدياس أو رجوع الحاج لم يجز لعدم التسمية " ( 91 ) .

و جمهور العلماء على ان الأمر في قوله : " فاكتبوه " للندب ولأن الله تعالى قد قال بعد ذلك : { فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي ائتمن أمانته } ولان النبي صلى الله عليه وسلم لم يلزم الدائنين بكتابة ديونهم ولا المدينين بأن يكتبوها .

و قال الظاهرية إن الأمر هنا للوجوب ومن لم يفعل ذلك كان آثما لأن الأصل في الأمر للوجوب . . .

وقوله : { وليكتب بينكم كاتبا بالعدل } بيان لكيفية الكتابة المأمور بها وتعيين من يتولاها عقب الأمر بها على سبيل الإجمال .

أي : عليكم أيها المؤمنون إذا تعاملتم بالدين إلى أجل معين أن تكتبوا هذا الدين وليتول الكتابة بينكم شخص يجيدها وعنده فقهها وعلمها بأن يكون على معرفة بشروط العقود وتوثيقها وما يكون من الشروط موافقا لشريعة الإسلام وما يكون منها غير موافق .

و على هذا الكتاب أن يلتزم الحق مع الدائن والمدين في كتابته لأن الله تعالى يقول : { و لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى } ( المائدة : 8 ) . فالجملة الكريمة تحض المتعاملين بالدين ان يختاروا لكتابته شخصا تتوافر فيه إجادة الكتابة والخبرة بشروط العقود وتوثيقها كما تتوافر فيه الاستقامة وتحري الحق . ومفعول " يكتب " محذوف ثقة بالفهامة أي وليكتب بينكم الكتابة كاتب بالعدل والتقييد والظرف بينكم للإيذان بأنه ينبغي للكتاب ألا يسمح لنفسه بأن ينفرد به أحد المتعاقدين لأن في هذا الانفراد تهمة يجب ان يربأ بنفسه عنها .

و الجار والمجرور وهو : " بالعدل " متعلق بمحذوف صفة لكاتب المتصدى للكتابة من شأنه أن يكتب بالسوية من غير ميل إلى أحد الجانبين أو متعلق بالفعل يكتب أي وليكتب بالحق .

ثم نهى الله تعالى من كان قادرا على الكتابة عن الامتناع عنها متى دعى إليها فقال ولا يأب كاتب أن يكتب عما علمه الله فليكتب .

أي : ولا يمتنع كاتب من ان يكتب للمتداينين ديونهما بالطريقة التي علمه الله بأن يتحرى العدل والحق في كتابته وان يلتزم فيها ما تقتضيه أحكام الشريعة الإسلامية .

فالكاف ومجرورها في قوله تعالى : { كما علمه الله } نعت لمصدر محذوف والتقدير : فليكتب كتابه مثل ما علمه الله تعالى بمعنى أن يلتزم الحق والعدل فيها .

و يجوز ان تكون الكاف للتعليل فيكون المعنى لا يمتنع عن الكتابة لأنه كما علمه الله إياها ويسرها له ونفعه بها فعليه ان ينفع غيره بها فهو كقوله تعالى : { و أحسن كما أحسن الله إليك } ( القصص 77 ) . وفي الحديث الشريف : " إن من الصدقة أن تعين صانعا أو تصنع لأخرق " ( 92 ) . وفي حديث " من كتم علما يعلمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة " ( 93 ) .

و قوله : { فليكتب } تفريع على قوله : { و لا يأب كاتب } أي فليكتب الكتابة التي علمه الله إياها فهو توكيد للأمر المستفاد من قوله ولا يأب كاتب أي فليكتب الكتابة التي علمه الله إياها فهو توكيد للأمر المستفاد من قوله ولا يأب كاتب ويجوز أن يكون توكيدا للأمر الصريح في قوله وليكتب بينكم كاتب بالعدل .

قال القرطبي : واختلف الناس في وجوب الكتابة على الكاتب والشهادة على الشاهد فقال الطبري : واجب الكاتب إذا أمر أن يكتب وقال الحسن : ذلك واجب عليه في الموضع الذي لا يقدر على كاتب غيره فيضر صاحب الدين إن امتنع فإن كان كذلك فهو فريضة وإن قدر على كاتب غيره فهو في سعة إذا قام بها غيره " ( 94 ) .

و إلى هنا تكون الآية الكريمة قد قررت مبدأ الكتابة في الدين وبينت كيفية الكتابة وأشارت إلى إجادة الكاتب لها ونهته عن الامتناع عنها إذا دعى لها .

ثم انتقلت الآية بعد ذلك إلى بيان من يتولى الإملاء فقال تعالى : { و لملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا } .

و الإملال معناه الإملاء فهما لغتان معناهما واحد وقد جاء القرآن باللغتين فقال تعالى : { وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا } . ( الفرقان : 5 ) .

أي وعلى المدين الذي عليه الدين وقد التزم بأدائه أن يمل على الكاتب هذا الدين وذلك ليكون إملاؤه إقرارا به وبالحقوق التي يجب عليه الوفاء بها . وعليه كذلك أن يراقب الله تعالى في إملائه فلا ينقص من الدين الذي عليه شيئا لأن هذا الإنقاص ظلم حرمه الله تعالى وقد أمر الله تعالى بأن يكون الذي يملي على الكاتب هو المدين لانه هو المكلف بأداء مضمون الكتابة ولأنه بإملائه يكون قد أقر على نفسه بما عليه ولأنه لو أملى الدائن فربما يزيد في الدين أو يملي شيئا ليس محل اتفاق بينه وبين المدين في الغالب في موقف ضعيف فأعطاه الله تعالى حق الإملاء على الكاتب حتى لا يغبن من الدائن .

فأنت ترى أن الله تعالى قد مكن المدين من الإملاء على الكاتب حتى تكون الكتابة تحت سمعه وبصره وباختياره و لكنه في الوقت نفسه أوجب عليه أمرين تقوى الله وعدم الإنقاص من الدين الذي عليه وان ذلك لتشريع حكيم عادل لا ظلم فيه للدائن ولا للمدين .

ثم بين سبحانه الحكم فيما إذا كان الذي عليه الدين لا يحسن الإملاء فقال تعالى : { فإن كان الذي عليه الحق } وهو المدين { سفيها } أي جاهلا بالإملاء أو ناقص العقل أو متلافا مبذرا لا يحسن تدبير أمره .

أو ضعيفا بان يكون صبيا أو شيخا تقدمت به الشيخوخة .

{ أو لا يستطيع ان يمل هو } بان يكون عييا أو أخرسا أو لا خبرة له بإملاء أمثال هذه المكاتبات .

{ فليملل وليه بالعدل } أي فعلى ولي أمره أو من يهمه شأنه ولا يرضى له أن يضيع حقه أن يتولى الإملاء متحريا الحق والعدل فيما يكلف به .

و بعد هذا البيان الحكيم عن الكتابة وأحكامها في شأن الديون انتقل القرآن إلى الحديث عن الإشهاد فيه قال تعالى : { واستشهدوا شهيدين من رجالكم أي اطلبوا شاهدين عدليين من الرجال ليشهدوا على ما يجري بينكم من معاملات مؤجلة لأن هذا الإشهاد يعطي الديون والكتابة وتثبيتا والسين والتاء في قوله :

" واستشهدوا " للطلب .

قال الألوسي : " و في اختيار صيغة المبالغة في شهيدين للإيماء إلى من تكررت منه الشهادة فهو عالم بها مقتدر على أدائها وكأن فيه رمزا إلى العدالة لأنه لا يتكرر ذلك من الشخص عند الحكام إلا وهو مقبول عندهم ولعله لم يقل رجلين لذلك والامر وللندب أو للوجوب على الخلاف في ذلك " ( 95 ) .

و قوله : { من رجالكم } متعلق بقوله : { و استشهدوا } ومن لابتداء الغاية ويجوز ان يكون متعلقا بمحذوف صفة لشهيدين ومن للتبعيض أي من رجالكم المسلمين الأحرار فإن الكلام في معاملاتهم .

ثم بين سبحانه الحكم إذا لم يتيسر شاهدان من الرجال فقال : { فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء } .

و قوله : { ممن ترضون }

متعلق بمحذوف على انه صفة لرجل وامرأتان أي فإن لم يتيسر رجلان للشهادة فليشهد رجل وامرأتان كائنون مرضيين عندكم بعدالتهم .

وهذا الوصف وإن كان في جميع الشهود إلا انه ذكر هنا للتشدد في اعتباره لأن اتصاف النساء به قد لا يتوافر كثيرا .

وقوله : { من الشهداء } متعلق بمحذوف حال من ضمير المفعول المقدر في " ترضون " العائد إلى الموصول : أي فليشهد رجل وامرأتان ممن ترضونهم حال كونهم من بعض الشهداء لعلمكم بعدالتهم وثقتكم بهم .

و قوله تعالى : { ممن ترضون من الشهداء } أدق في الدلالة على صدق الشهادة من العدالة لأن الإنسان العدل قد يكون مرضيا في دينه وخلقه و لكنه يتأثر بالمشاهد المؤثرة فتخونه ذاكرته في وقت الحاجة إليها وقد يكون ممن يمنعه منصبه وجاهه ومقامه في الناس من الكذب إلا أنه قد يرتكب بعض المعاصي فجاء سبحانه بهذه الجملة الحكيمة لكي يقول للناس : اختاروا الشهداء من الذين يرتضى قولهم ويقيمون الشهادة على وجهها بدون التأثر بأي نوع من أنواع المأثرات .

هذا وشهادة النساء مع الرجال عند الحنفية في الأموال والطلاق والنكاح والرجعة وكل شيء إلا الحدود والقصاص . وعند المالكية تجوز في الأموال وتوابعها خاصة ، ولا تقبل في أحكام الأبدان مثل الحدود والقصاص والنكاح والطلاق والرجعة .

ثم بين سبحانه العلة في أن المرأتين تقومان مقام الرجل الواحد في الشهادة فقال أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى .

قال القرطبي معنى تضل تنسى والضلال عن الشهادة وإنما نسيان جزء منها وذكر ويبقى المرء حيران بين ذلك ضالا " ( 96 ) .

و المعنى : جعلنا المرأتين بدل رجل واحد في الشهادة خشية أن تنسى إحداهما فتذكر كل واحدة منهما الأخرى إذ المرأة لقوة عاطفتها وشدة انفعالها بالحوادث قد تتوهم ما لم تر فكان من الحكمة أن يكون مع المرأة أخرى في الشهادة بحيث تتذاكران الحق فيما بينهما .

و العلة في الحقيقة هي التذكير ولكن الضلال لما كان سببا في التذكير نزل منزلة العلة وذلك كأن تقول : أعددت السلاح خشية أن يجيء العدو فأدفعه فإن العلة هي الدفاع عن النفس ولكن لما كان مجيء العدو سببا فيه نزل منزلته .

و كما أمر الله تعالى الكتاب في أول الآية بعدم الامتناع عن الكتابة أمر الشهود أيضا بعدم الامتناع عن الشهادة فقال : { و لا يأب الشهداء إذا ما دعوا } أي ولا يمتنع الشهود عن أداء الشهادة وتحملها متى دعوا إليها لأن الامتناع عن تحمل الشهادة وأدائها قد يؤدي إلى ضياع الحقوق والله تعالى قد شرع الشهادة لإلحاق الحق ونشر العدالة بين الناس فعلى من اشتهروا بالعدالة ووثق الناس بهم أن يؤدوا الشهادة كما أمرهم الله تعالى . ثم أمر سبحانه بكتابة الدين سواء أكبر الدين أم صغر فقال : { و لا تسأموا أن كتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله } .

السأم : الضجر والملل يقال سئمت الشيء أسأمه سأما وسآمة أي مللته وضجرته . والمعنى عليكم أيها المؤمنون ألا تسأموا من كتابة الدين إلى الوقت المحدد له سواء أكان هذا الدين كبيرا أو صغيرا لأن الكتابة في الحالتين أدى إلى حفظ الحقوق وصيانتها . وإلى عدم نشوب التنازع أو التخاصم بينكم ولأن الدين قد يكون صغيرا في نظر الغني المليء إلا أنه كبير في نظر الفقير المعسر ولأن التهاون في شأن الدين الصغير قد يؤدي إلى التهاون في شأن الدين الكبير ، لذا وجب عليكم أن تنقادوا لشرع الله وأن تكتبوا ما بينكم .

و الضمير في قوله : { أن تكتبوه } يعود إلى الدين أو إلى الحق وقوله : { صغيرا أو كبيرا } حال من الضمير أي لا تسأموا أن تكتبوه على كل حال قليلا أو كثيرا وقدم الصغير على الكبير اهتماما به وانتقالا من الأدنى إلى الأعلى .

ثم بين سبحانه ثلاث فوائد تعود عليهم إذا ما امتثلوا ما أمرهم الله تعالى به فقال : { ذلكم أقسط عند الله } . واسم الإشارة ذلكم يعود إلى ما سبق ذكره في الآية من الكتابة والإشهاد ومن عدم الامتناع عنهما ومن تحري الحق والعدل .

و { أقسط } بمعنى أعدل ان يقال أقسط فلان في الحكم يقسط إقساطا إذا عدل فهو مقسط قال تعالى : { إن الله تعالى يحب المقسطين } ( المائدة 42 ) . ويقال قاسط إذا جار وظلم قال تعالى : { و أما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا } ( الجن 15 ) .

أي ذلكم الذي شرعناه في أمر الديون من الكتابة والإشهاد وغيرهما أعدل في علم الله تعالى وكل ما كان كذلك فهو أعدل وأفضل وأحكم في ذاته لانه سبحانه هو الأعلم بما فيه مصلحتكم فاستجيبوا له وتلك هي الفائدة الأولى أما الفائدة الثانية فهي قوله سبحانه : { و أقوم للشهادة } ومعنى أقوم ابلغ في الاستقامة التي هي ضد الاعوجاج أي أثبت لها وأعون على إقامتها وأدائها واما الفائدة الثالثة فهي قوله : { و أدنى ألا ترتابوا } أي أقرب إلى زوال الشك والريبة أي أن الأوامر والنواهي السابقة إذا نفذت على وجهها كان تنفيذها أعدل في علم الله تعالى وأعون في إقامة الشهادة إذ بها يتم الاعتماد على الحفظ واقرب إلى عدم الشك في جنس الدين وقدره وأجله وإذا توافرت هذه الفوائد الثلاث في المعاملات ساد الوفاق والتعاون بين الناس أما إذا فقدت فإن الثقة تزول من بينهم ويحل محلها النزاع والشقاق .

ثم أ باح سبحانه في التجارة الحاضرة عدم الكتابة فقال : { إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناحا ألا تكتبوها } .

و التجارة الحاضرة التي تدور بين التجار وهي التي يجري فيه التقابض في المجلس أو التي يتأخر فيها الأداء زمنا يسيرا وسميت الحاضرة لأن البيع والثمن كلاهما حاضر .

و المعنى : ان الله تعالى يأمركم بكتابة الديون وبالإشهاد عليها إلا أنه سبحانه رحمة بكم اباح لكم عدم الكتابة في التجارة الحاضرة التي تكثرون إدارتها والتعامل فيها لأنه لو كلفكم بذلك لشق الامر عليكم ، وهو سبحانه : { وما جعل عليكم في الدين من حرج } ( الحج 78 ) . ولأن أمثال هذه التجارات التي يحصل فيها التقابض ويكثر تكرارها ، لا يتوقع فيها التنازع أو النسيان .

و الاستثناء هنا منقطع لأنه ليس هناك دين حتى يكتب وليست التجارة الحاضرة من جنس التعامل بالديون فكأنه قيل : إذا تداينتم فتكاتبوا وأشهدوا لكن التجارة الحاضرة التي يجري فيها التقابض لا جناح عليكم في عدم كتابتها .

و قيل الاستثناء متصل والجملة مستثناه في موضع نصب لأنه من الجنس لا لأنه أمر بالكتابة في كل معاملة واستثنى منها التجارة الحاضرة والتقدير آمركم بالكتابة والإشهاد في كل معاملة إلا في حال حضور التجارة فلا بأس من ترك الكتابة و " تجارة " قرأها الجمهور بالرفع على انها اسم تكون والخبر جملة تديرونها بينكم أو على أنها فاعل تكون إذا اعتبرناها تامة .

و قرأها عاصم بالنصب على انها خبر تكون واسمها ضمير مستتر فيها يعود على التجارة أي : إلا أن تكون التجارة حاضرة .

و قوله تعالى : { و أشهدوا إذا تبايعتم } أمر منه سبحانه بالإشهاد عند البيع وهذا أمر للإرشاد والتعليم عند جمهور العلماء ويرى الظاهرية أنه للوجوب .

قال صاحب الكشاف : هذا أمر بالإشهاد على التبايع مطلقا ناجزا أو كالئا أي مؤجلا لأنه أحوط وأبعد مما عسى يقع من الاختلاف ويجوز أن يراد : وأشهدوا إذا تبايعتم هذا التبايع يعني التجارة الحاضرة على أن الإشهاد كاف فيه دور الكتابة وعن الضحاك : " هي عزيمة من الله ولو على باقة بقل " ( 97 ) .

ثم نهى سبحانه عن المضارة فقال : { ولا يضار كاتب ولا شهيد } .

و المضارة إدخال الضرر والفعل : يضار احتمل ان يكون مبنيا للفاعل وأن أ صله " و لا يضار بكسر الراء ويحتمل أن يكون مبنيا للمفعول وأن أصله لا يضار بفتح الراء الأولى .

والمعنى على الأول : نهي الكاتب والشاهد عن أن ينزلا ضررا بأحد المتعاقدين بأن يبخس الكاتب أحدهما أو يشهد الشاهد بغير الحق .

و المعنى على الثاني : وهو الظاهر نهي الدائن والمدين عن ان ينزل أحدهما ضررا بالكاتب أو الشاهد لحملهما على كتابة غير الحق أو قول غير الحق فإنهما أمينان والإضرار بهما قد يحملهما على الخيانة وفي ذلك ضياع للأمانة وذهاب الثقة ولذا قال تعالى بعد ذلك : { و إن تفعلوا فإنه فسوق بكم } .

أي وإن تفعلوا ما نهيتكم عنه أو تخالفوا ما أمرتكم به فإنكم بذلك تكونون قد خرجتم عن طاعة الله وتلبستم بمعصيته وصرتم أهلا للعقوبة فعليكم ان تقفوا عند حدود الله حتى تتحقق لكم السعادة في دينكم ودنياكم .

ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بالأمر بخشيته وبتذكيرهم بنعمه فقال : { و اتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم } .

أي : واتقوا الله فيما أمركم الله به ونهاكم عنه فهو سبحانه الذي يعلمكم ما يصلح لكم أمر دنياكم وما يصلح لكم أمر دينكم متى اتقيتموه واستجبتم له وهو سبحانه بكل شيء عليم لا تخفي عليه خافية في الأرض ولا في السماء .

و بعد : فهذه هي آية الدين التي هي أطول آية في القرآن تقرؤوها فتراها قد اشتملت على أذق التشريعات واحكم التوجيهات وانجح الإرشادات التي تهدي إلى حفظ الحقوق وضبطها وتوثيقها بمختلف الوسائل .

تقرؤها فترى الدقة العجيبة في الصياغة بأن وضع كل لفظ في مكانه المناسب وترى الطلاوة في التعبير والعذوبة في الألفاظ بحيث لا تطغى دقة الصيانة على جمال العرض .

و ترى الوفاء الكامل لكل الجوانب التشريعية والاحتراس التام على المؤثرات التي قد تؤثر على سلامة التعاقد والإرشاد الجامع إلى كل ما يتضمن وصول الحق والعدل على جميع الأطراف بدون محاباة أو غبن .

و ترى قبل ذلك وبعد ذلك كيف يسوق القرآن تشريعاته بطريقة تغرس في النفوس الخوف من الله تعالى والمراقبة له والاستجابة لأوامره لا كطريقة البشر في قوانينهم التي صاغوها في قوالب صماء من الألفاظ لا تشعر معها بتأثير في النفس ولا باهتزاز في القلب .

و لو لم يكن في شريعة الله سوى هذا التأثير الذي تشعر به النفوس النقية الصافية عند تدبرها لكفاها ذلك دليلا على سموها وفضلها وعلى انها من صنع الله تعالى ولو أن المسلمين أخذوا بها وبتوجيهاتها في سائر شؤونهم لظفروا بالسعادتين الدينية والدنيوية .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ فَلۡيَكۡتُبۡ وَلۡيُمۡلِلِ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبۡخَسۡ مِنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ فَإِن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ سَفِيهًا أَوۡ ضَعِيفًا أَوۡ لَا يَسۡتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلۡيُمۡلِلۡ وَلِيُّهُۥ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَٱسۡتَشۡهِدُواْ شَهِيدَيۡنِ مِن رِّجَالِكُمۡۖ فَإِن لَّمۡ يَكُونَا رَجُلَيۡنِ فَرَجُلٞ وَٱمۡرَأَتَانِ مِمَّن تَرۡضَوۡنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحۡدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحۡدَىٰهُمَا ٱلۡأُخۡرَىٰۚ وَلَا يَأۡبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْۚ وَلَا تَسۡـَٔمُوٓاْ أَن تَكۡتُبُوهُ صَغِيرًا أَوۡ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقۡوَمُ لِلشَّهَٰدَةِ وَأَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَرۡتَابُوٓاْ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةٗ تُدِيرُونَهَا بَيۡنَكُمۡ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَلَّا تَكۡتُبُوهَاۗ وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٞ وَلَا شَهِيدٞۚ وَإِن تَفۡعَلُواْ فَإِنَّهُۥ فُسُوقُۢ بِكُمۡۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ} (282)

{ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ } بالله تعالى وبما جاء منه { إِذَا تَدَايَنتُم } أي تعاملتم وداين بعضكم بعضاً { بِدَيْنٍ } فائدة ذكره تخليص المشترك ودفع الإيهام نصراً لأن ( تداينتم ) يجيء بمعنى تعاملتم بدين ، وبمعنى تجازيتم ، ولا يرد عليه أن السياق يرفع لأن الكلام في النصوصية على أن السياق قد لا يتنبه له إلا الفطن ، وقي : ذكر ليرجع إليه الضمير إذ لولاه لقيل : فاكتبوا الدين فلم يكن النظم بذلك الحسن عند ذي الذوق العارف بأساليب الكلام ، واعترض بأن التداين يدل عليه فيكون من باب { اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ } [ المائدة : 8 ] وأجيب بأن الدين لا يراد به المصدر بل هو أحد العوضين ولا دلالة للتداين عليه إلا من حيث السياق ولا يكتفي به في معرض البيان لا سيما وهو ملبس ، وقيل : ذكر لأنه أبين لتنويع الدين إلى مؤجل ، وحال لما في التنكير من الشيوع والتبعيض لما خص بالغاية ولو لم يذكر لاحتمل أن الدين لا يكون إلا كذلك { إلى أَجَلٍ } أي وقت وهو متعلق بتداينتم ، ويجوز أن يكون صفة للدين أي مؤخر أو مؤجل إلى أجل { مُّسَمًّى } بالأيام أو الأشهر ، أو نظائرهما مما يفيد العلم ويرفع الجهالة لا بنحو الحصاد لئلا يعود على موضوعه بالنقض { فاكتبوه } أي الدين بأجله لأنه أرفق وأوقف ؛ والجمهور على استحبابه لقوله سبحانه : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا } والآية عند بعض ظاهرة في أن كل دين حكمه ذلك ، وابن عباس يخص الدين بالسلم فقد أخرج البخاري عنه أنه قال : أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله تعالى أجله وأذن فيه ثم قرأ الآية واستدل الإمام مالك بها على جواز تأجيل القرض .

{ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بالعدل } بيان لكيفية الكتابة المأمور بها وتعيين من يتولاها إثر الأمر بها إجمالاً ، ومفعول يكتب محذوف ثقة بانفهامه أو للقصد إلى إيقاع نفس الفعل والتقييد بالظرف للإيذان بأنه ينبغي للكاتب أن لا ينفرد به أحد المتعاملين دفعاً للتهمة والجار متعلق بمحذوف وقع صفة للكاتب أي ليكن الكاتب من شأنه التسوية وعدم الميل إلى أحد الجانبين بزيادة أو نقص ويجوز أن يكون ظرفاً لغواً متعلقاً بكاتب أو بفعله ، والمراد أمر المتداينين على طريق الكناية بكتابة عدل فقيه دين حتى يكون ما يكتبه موثوقاً به متفقاً عليه بين أهل العلم ، فالكلام كما قال الطيبي مسوق لمعنى ، ومدمج فيه آخر بإشارة النص وهو اشتراط الفقاهة في الكاتب لأنه لا يقدر على التسوية في الأمور/ الخطرة إلا من كان فقيهاً ولهذا استدل بعضهم بالآية على أنه لا يكتب الوثائق إلا عارف بها عدل مأمون ، ومن لم يكن كذلك يجب على الإمام أو نائبه منعه لئلا يقع الفساد ويكثر النزاع والله لا يحسب المفسدين .

{ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ } أي لا يمتنع أحد من الكتاب الموصوفين بما ذكر { أَن يَكْتُبَ } بين المتداينين كتاب الدين { كَمَا عَلَّمَهُ الله } أي لأجل ما علمه الله تعالى من كتابة الوثائق وتفضل به عليه وهو متعلق بيكتب والكلام على حد وأحسن كما أحسن الله تعالى { إليك } [ القصص : 77 ] أي لا يأب أن يتفضل على الناس بكتابته لأجل أن الله تعالى تفضل عليه وميزه ويجوز أن يتعلق الكاف بأن يكتب على أنه نعت لمصدر محذوف أو حال من ضمير المصدر على رأي سيبويه ، والتقدير أن يكتب كتابة مثل علمه الله تعالى أو أن يكتبه أي الكتب مثل ما علمه الله تعالى وبينه له بقوله سبحانه : { بالعدل } وجوز أن يتعلق بقوله تعالى : { فَلْيَكْتُبْ } والفاء غير مانعة كما في { وَرَبَّكَ فَكَبّرْ } [ المدثر : 3 ] لأنها صلة في المعنى ، والأمر بالكتابة بعد النهي عن الأداء منها على الأوّل للتأكيد ، واحتيج إليه لأن النهي عن الشيء ليس أمراً بضده صريحاً على الأصح فأكده بذكره صريحاً اعتناءاً بشأن الكتابة ، ومن هذا ذهب بعضهم إلى أن الأمر للوجوب ومن فروض الكفاية ولكن الأمر لما كان لنا لا علينا صرف عن ذلك لئلا يعود ما تقدم في مسألة جهالة الأجل ، وأما على الوجه الثاني : فلا تأكيد وإنما هو أمر بالكتابة المقيدة بعد النهي عن الامتناع عن المطلقة وهذا لا يفيد التأكيد لأن النهي عن الامتناع عن المطلق لا يدل على الأمر بالمقيد ليكون ذكره بعده تأكيداً ، وادعاه بعضهم لأنه إذا كان الامتناع عن مطلق الكتابة منهياً فلأن يكون الامتناع عن الكتابة الشرعية منهياً بطريق الأولى ، والنهي عن الامتناع عن الكتابة الشرعية أمر بها فيكون الأمر بالكتابة الشرعية صريحاً للتوكيد ، وأيضاً إذا ورد مطلق ومقيد والحادثة واحدة يحمل المطلق على المقيد سواء تقدم المطلق أو تأخر فكما حمل الأمر بمطلق الكتابة في الوجه الأول على الكتابة المقيدة ليفيد التأكيد ، فلم لم يحمل النهي عن الامتناع عن مطلق الكتابة على الكتابة المقيدة للتأكيد ، وهل التفرقة بين الأمرين إلا تحكم بحت كما لا يخفى ؟

و ( ما ) قيل : إما مصدرية أو كافة وجوز أن تكون موصولة أو موصوفة وعليهما فالضمير لها ، وعلى الأولين للكاتب ، وقدر بعضهم على كل تقدير المفعول الثاني لعلم كتابة الوثائق فافهم .

{ وَلْيُمْلِلِ } من الإملال بمعنى الإلقاء على الكاتب ما يكتبه وفعله أمللت ، وقد يبدل أحد المضاعفين ياءاً ويتبعه المصدر فيه وتبدل همزة لتطرفها بعد ألف زائدة فيقال : إملاءاً فهو والإملال بمعنى ، أي : وليكن الملقى على الكاتب ما يكتبه من الدين { الذي عَلَيْهِ الحق } وهو المطلوب لأنه المشهود عليه فلا بد أن يكون هو المقر لا غيره وانفهام الحصر من تعليق الحكم بالوصف فإن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية والأصل عدم علة أخرى { وَلْيَتَّقِ } أي الذي عليه الحق { الله رَبَّهُ } جمع بين الاسم الجليل والوصف الجميل مبالغة في الحث على التقوى بذكر ما يشعر بالجلال والجمال { وَلاَ يَبْخَسْ } أي لا ينقص { مِنْهُ } أي من الحق الذي يمليه على الكاتب { شَيْئاً } وإن كان حقيراً ، وقرئ ( شياً ) بطرح الهمزة ( وشيّاً ) بالتشديد .

وهذا هو التفسير المأثور عن سعيد بن جبير ، وقيل : يجوز أن يرجع ضمير يتق للكاتب وليس بشيء لأن ضمير ( يبخس ) لمن عليه الحق ؛ إذ هو الذي يتوقع منه البخس خاصة ، وأما الكاتب فيتوقع منه الزيادة كما يتوقع منه النقص فلو أريد نهيه لنهى/ عن كليهما ، وقد فعل ذلك حيث أمر بالعدل وإرجاع كل منهما لكل منهما تفكيك لا يدل عليه دليل ، وإنما شدد في تكليف المملي حيث جمع فيه بين الأمر بالاتقاء والنهي عن البخس لما فيه من الدواعي إلى المنهي عنه فإن الإنسان مجبول على دفع الضرر عنه ما أمكن ، وفي { مِنْهُ } وجهان : أحدهما : أن يكون متعلقاً بيبخس ومن لابتداء الغاية ، وثانيهما : أن يكون متعلقاً بمحذوف لأنه في الأصل صفة للنكرة فلما قدمت عليه نصبت حالاً ، و{ شَيْئاً } إما مفعول به وإما مصدر .

{ فَإن كَانَ الذي عَلَيْهِ الحق } صرح بذلك في موضع الإضمار لزيادة الكشف لا لأن الأمر والنهي لغيره ، وعليه متعلق بمحذوف أي وجب و( الحق ) فاعل ، وجوز أن يكون { عَلَيْهِ } خبراً مقدماً و{ الحق } مبتدءاً مؤخراً فتكون الجملة اسمية ، وعلى التقديرين لا محل لها من الإعراب لأنها صلة الموصول { سَفِيهًا } أي عاجزاً أحمق قاله ابن زيد ، أو جاهلاً بالإملال قاله مجاهد ، أو مبذراً لماله ومفسداً لدينه قاله الشافعي { أَوْ ضَعِيفًا } أي صبياً ، أو شيخاً خرفاً { أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ } جملة معطوفة على مفرد هو خبر ( كان ) لتأويلها بالمفرد أي أو غير مستطيع للإملاء بنفسه لخرس كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أو لما هو أعم منه ومن الجهل باللغة وسائر العوارض المانعة ، والضمير البارز توكيد للضمير المستتر في أن يمل وفائدة التوكيد به رفع المجاز الذي كان يحتمله إسناد الفعل إلى الضمير والتنصيص على أنه غير مستطيع بنفسه ، وقيل : إن الضمير فاعل ليمل وتغيير الأسلوب اعتناءاً بشأن النفي ، ولا يخفى حسن الإدغام هنا والفك فيما تقدم ، ومثله الفك في قوله تعالى : { فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ } أي متولي أمره وإن لم يكن خصوص الولي الشرعي فيشمل القيم والوكيل والمترجم ، والإقرار عن الغير في مثل هذه الصورة مقبول وفرق بينه وبين الإقرار على الغير فاعرفه { بالعدل } بين صاحب الحق والمولى عليه فلا يزيد ولا ينقص ولم يكلف بعين ما كلف به من غير الحق لأنه يتوقع منه الزيادة كما يتوقع منه البخس ، واستدل بعضهم بالآية على أنه لا يجوز أن يكون الوصي ذمياً ولا فاسقاً وأنه يجوز أن يكون عبداً أو امرأة لأنه لم يشترط في الأولياء إلا العدالة ذكره ابن الفرس وليس بشيء كما لا يخفى .

ومن الناس من استدل بقوله سبحانه : { فَلْيَكْتُبْ } { وَلاَ يَأْبَ } على وجوب الكتابة ، وإلى ذلك ذهب الشعبي والجبائي والرماني إلا أنهم قالوا : إنها واجبة على الكفاية وإليه يميل كلام الحسن وقال مجاهد والضحاك : واجب عليه أن يكتب إذا أمر ، وقيل : هي مندوبة ، وروي عن الضحاك أنها كانت واجبة ثم نسخ ذلك .

{ واستشهدوا شَهِيدَيْنِ } أي اطلبوهما ليتحملا الشهادة على ما جرى بينكما ، وجوز أن تكون السين والتاء زائدتين أي اشهدوا ، وفي اختيار صيغة المبالغة إيماء إلى طلب من تكررت منه الشهادة فهو عالم بموقعها مقتدر على أدائها وكأن فيه رمزاً إلى العدالة لأنه لا يتكرر ذلك من الشخص عند الحكام إلا وهو مقبول عندهم ، ولعله لم يقل رجلين لذلك ، والأمر للندب أو للوجوب على الخلاف في ذلك { مّن رّجَالِكُمْ } متعلق باستشهدوا و{ مِنْ } لابتداء الغاية أو بمحذوف على أنه صفة لشهيدين ، و{ مِنْ } تبعيضية ، والخطاب للمؤمنين المصدر بهم الآية ، وفي ذكر الرجال مضافاً إلى ضمير المخاطبين دلالة على اشتراط الإسلام والبلوغ والذكورة في الشاهدين والحرية ؛ لأن المتبادر من الرجال الكاملون والأرقاء بمنزلة البهائم ، وأيضاً خطابات الشرع لا تنتظم العبيد بطريق العبارة كما بين في محله ، وذهب الإمامية إلى عدم اشتراط الحرية في قبول الشهادة وإنما/ الشرط فيه عندهم الإسلام والعدالة ، وإلى ذلك ذهب شريح وابن سيرين وأبو ثور وعثمان البتي ، وهو خلاف المروي عن علي كرم الله تعالى وجهه فإنه لم يجوز شهادة العبد في شيء ولم تتعرض الآية لشهادة الكفار بعضهم على بعض ، وأجاز ذلك قياساً الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه وإن اختلفت مللهم .

{ فَإِن لَّمْ يَكُونَا } أي الشهيدان { رَجُلَيْنِ } أي لم يقصد إشهادهما ولو كانا موجودين والحكم من قبيل نفي العموم لا عموم النفي وإلا لم يصح قوله تعالى : { فَرَجُلٌ وامرأتان } أي فإن لم يكونا رجلين مجتمعين فليشهد رجل وامرأتان ، أو فرجل وامرأتان يشهدون أو يكفون ، أو فالشاهد رجل وامرأتان أو فليستشهد رجل وامرأتان ، أو فليكن رجل وامرأتان شهوداً ، وإن جعلت يكن تامة استغنى عن تقدير شهود ، وكفاية الرجل والمرأتين في الشهادة فيما عدا الحدود والقصاص عندنا ، وعند الشافعي في الأموال خاصة لا في غيرها كعقد النكاح ، وقال مالك : لا تجوز شهادة أولئك في الحدود ولا القصاص ولا الولاء ولا الإحصان ، وتجوز في الوكالة والوصية إذا لم يكن فيها عتق ، وأما قبول شهادة النساء مفردات فقد قالوا به في الولادة والبكارة والاستهلال وما يجري مجرى ذلك مما بين في الكتب الفقهية ، وقرئ وامرأتان بهمزة ساكنة ، ولعل ذلك لاجتماع المتحركات { مِمَّن تَرْضَوْنَ } متعلق بمحذوف وقع صفة لرجل وامرأتان أي : كائنون ممن ترضونهم والتصريح بذلك هنا مع تحقق اعتباره في كل شهيد لقلة اتصاف النساء به فلا يرد ما في «البحر » من أن جعله صفة للمذكور يشعر بانتفاء هذا الوصف عن شهيدين ، وقيل : هو صفة لشهيدين وضعف بالفصل الواقع بينهما ، وقيل : بدل من رجالكم بتكرير العامل وضعف بالفصل أيضاً ، واختار أبو حيان تعلقه باستشهدوا ليكون قيداً في الجميع ويلزمه الفصل بين اشتراط المرأتين وتعليله وهو كما ترى والخطاب للمؤمنين ، وقيل : للحكام ولم يقل من المرضيين لإفهامه اشتراط كونهم كذلك في نفس الأمر ولا طريق لنا إلى معرفته فإن لنا الظاهر والله تعالى يتولى السرائر { مِنَ الشهداء } متعلق بمحذوف على أنه حال من العائد المحذوف أي ممن ترضونهم حال كونهم كائنين بعض الشهداء لعلمكم بعدالتهم وإدراج النساء في الجمع بطريق التغليب .

{ أَن تَضِلَّ إحداهُمَا فَتُذَكّرَ أَحَدُهُمَا الأخرى } بيان لحكمة مشروعية الحكم واشتراط العدد في النساء أي شرع ذلك إرادة أن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت إحداهما لما أن النسيان غالب على طبع النساء لكثرة الرطوبة في أمزجتهن ، وقدرت الإرادة لما أن قيد الطلب يجب أن يكون فعلاً للآمر وباعثاً عليه وليس هو هنا إلا إرادة الله تعالى للقطع بأن الضلال والتذكير بعده ليس هو الباعث على الأمر بل إرادة ذلك ، واعترض بأن النسيان وعدم الاهتداء للشهادة لا ينبغي أن يكون مراد الله تعالى بالإرادة الشرعية سيما وقد أمر بالاستشهاد ، وأجيب بأن الإرادة لم تتعلق بالضلال نفسه أعني عدم الاهتداء للشهادة بل بالضلال المرتب عليه الإذكار ، ومن قواعدهم أن القيد هو مصب الغرض فصار كأنه علق الإرادة بالإذكار المسبب عن الضلال والمرتب عليه فيؤول التعليل إلى ما ذكرنا ، وهذا أولى مما ذهب إليه البعض في الجواب من أن المراد من الضلال الإذكار لأن الضلال سبب للإذكار فأطلق السبب وأريد المسبب لظهور أنه لا يبقى على ظاهره معنى لقوله تعالى : { فَتُذَكّرَ } قيل : والنكتة في إيثار { أَن تَضِلَّ } الخ على أن تذكر إن ضلت الإيماء إلى شدة الاهتمام بشأن الإذكار بحيث صارا هو مكروه كأنه مطلوب لأجله من حيث كونه مفضياً إليه ، و( إحداهما ) الثانية يجوز أن تكون فاعل تذكر وليس من وضع المظهر موضع المضمر إذ ليست المذكرة هي الناسية ، ويجوز أن تكون مفعولاً لتذكر والأخرى فاعل وليس من قبيل ضرب موسى عيسى كما وهم حتى يتعين الأول بل من قبيل أرضعت الصغرى الكبرى ؛ لأن سبق إحداهما بعنوان نسبة الضلال رافع للضلال والسبب في تقديم المفعول على الفاعل التنبيه على الاهتمام بتذكير الضال ولهذا كما قيل عدل عن الضمير إلى الظاهر ؛ لأن التقديم حينئذٍ لا ينبه على الاهتمام كما ينبه عليه تقديم المفعول الظاهر الذي لو أخر لم يلزم شيء سوى وضعه موضعه الأصلي ، وذكر غير واحد أن العدول عن فتذكرها الأخرى وهي قراءة ابن مسعود كما رواه الأعمش إلى ما في النظم الكريم لتأكيد الإبهام والمبالغة في الاحتراز عن توهم اختصاص الضلال بإحداهما بعينها والتذكير بالأخرى ، وأبعد الحسين بن علي المغربي في هذا المقام فجعل ضمير ( إحداهما ) الأولى راجعاً إلى الشهادتين ، وضمير ( إحداهما ) الأخرى إلى المرأتين فالمعنى أن تضل إحدى الشهادتين أي تضيع بالنسيان فتذكر إحدى المرأتين الأخرى منهما ، وأيده الطبرسي بأنه لا يسمى ناسي الشهادة ضالاً وإنما يقال : ضلت الشهادة إذا ضاعت كما قال سبحانه : { ضَلُّواْ عَنَّا } [ الأعراف : 37 ] أي ضاعوا منا ، وعليه يكون الكلام عارياً عن شائبة توهم الإضمار في مقام الإظهار رأساً وليس بشيء إذ لا يكون لإحداهما أخرى في الكلام مع حصول التفكيك وعدم الانتظام ، وما ذكر في التأييد ينبئ عن قلة الاطلاع على اللغة . ففي «نهاية ابن الأثير » وغيرها إطلاق الضال على الناسي ، وقد روي ذلك في الآية عن سعيد بن جبير والضحاك والربيع والسدي وغيرهم ، ويقرب هذا في الغرابة مما قيل : إنه من بدع التفسير وهو ما حكي عن ابن عيينة أن معنى { فَتُذَكّرَ } الخ فتجعل إحداهما الأخرى ذكراً يعني أنهما إذا اجتمعتا كانتا بمنزلة الذكر فإن فيه قصوراً من جهة المعنى واللفظ لأن التذكير في مقابلة النسيان معنى مكشوف وغرض بين ، ورعاية العدد لأن النسوة محل النسيان كذلك ولأن جعلها ذكراً مجازاً عن إقامتها مقام الذكر ثم تجوز ثانياً لأنهما القائمتان مقامه فلم تجعل إحداهما الأخرى قائمة مقامه وبعد التجوز ليس على ظاهره ؛ لأن الاحتياج إلى اقتران ذكر ألبتة معهما .

وقوله سبحانه : { فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ } ينبئان عن قصورهما عن ذلك أيضاً والتزام توجيه مثل ذلك ، وعرضه في سوق القبول لا يعد فضلاً بل هو عند أرباب الذوق عين الفضول ، ولقد رأيت في «طراز المجالس » أن الخفاجي سأل قاضي القضاة شهاب الدين الغزنوي عن سر تكرار إحدى معرضاً بما ذكره المغربي فقال :

يا رأس أهل العلوم السادة البرره *** ومن نداه على كل الورى نشره

ما سر تكرار إحدى دون تذكرها *** في آية لذوي الأشهاد في البقره

وظاهر الحال إيجاز الضمير على *** تكرار ( إحداهما ) لو أنه ذكره

وحمل الإحدى على نفس الشهادة في *** أولاهما ليس مرضياً لدى المهره

فغص بفكرك لاستخراج جوهره *** من بحر علمك ثم ابعث لنا درره

فأجاب القاضي

يا من فوائده بالعلم منتشره *** ومن فضائله في الكون مشتهره

يا من تفرد في كشف العلوم لقد *** وافى سؤالك والأسرار مستتره ( تضل إحداهما ) فالقول محتمل*** كليهما فهي للإظهار مفتقره

ولو أتى بضمير كان مقتضيا *** تعيين واحدة للحكم معتبره

ومن رددتم عليه الحل فهو كما*** أشرتم ليس مرضياً لمن سبره

هذا الذي سمح الذهن الكليل به *** والله أعلم في الفحوى بما ذكره

وقرئ { أَن تَضِلَّ } بالبناء للمفعول والتأنيث ، وقرئ فتذاكر ، وقرأ ابن كثير ويعقوب وأبو عمرو والحسن فتذكر بسكون الذال وكسر الكاف ، وحمزة { أَن تَضِلَّ } على الشرط فتذكر بالرفع وعلى ذلك فالفعل مجزوم والفتح لالتقاء الساكنين ، والفاء في الجزاء قيل : لتقدير المبتدأ وهو ضمير القصة أو الشهادة ، وقيل : لا تقدير لأن الجزاء إذا كان مضارعاً مثبتاً يجوز فيه الفاء وتركه ، وقيل : الأوجه أن يقدر المبتدأ ضمير الذاكرة و( إحداهما ) بدل عنه أو عن الضمير في ( تذكر ) وقال بعض المحققين : الأوجه من هذا كله تقدير ضمير التثنية أي فهما تذكر إحداهما الأخرى وعليه كلام كثير من المعربين ، والقائلون عن ذلك تفرقوا أيدي سبا لما رأوا تنظير الزمخشري قراءة الرفع بقوله تعالى : { وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ } [ المائدة : 95 ] ولم يتفطنوا بأن ذلك إنما هو من جهة تقدير ضمير بعد الفاء بحسب ما يقتضيه المقام لا من جهة خصوص الضمير إفراداً وتثنية والله تعالى الملهم للرشاد فتدبر .

{ وَلاَ يَأْبَ الشهداء إِذَا مَا دُعُواْ } لأداء الشهادة أو لتحملها وهو المروي عن ابن عباس والحسن رضي الله تعالى عنهم وخص ذلك مجاهد وابن جبير بالأول وهو الظاهر لعدم احتياجه إلى ارتكاب المجاز إلا أن المروي عن الربيع أن الآية نزلت حين كان الرجل يطوف في القوم الكثير فيدعوهم إلى الشهادة فلا يتبعه أحد منهم فإن ظاهره يستدعي القول بمجاز المشارفة ، و{ مَا } صلة وهي قاعدة مطردة بعد { إِذَا } { وَلاَ تَسْئَمُواْ } أي تملوا أو تضجروا ، ومنه قول زهير :

سئمت تكاليف الحياة ومن يعش *** ثمانين حولاً لا أبا لك يسأم

{ أَن تَكْتُبُوهُ } أي الدين أو ( الحق ) أو الكتاب المشعر به الفعل والمنسبك مفعول به لتسأموا ويتعدى بنفسه ، وقيل : يتعدى بحرف الجر وحذف للعلم به ، وقيل : المراد من السأم الكسل إلا أنه كنى به عنه ؛ لأنه وقع في القرآن صفة للمنافقين كقوله تعالى : { وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى } [ النساء : 142 ] ولذا وقع في الحديث : " لا يقول المؤمن كسلت وإنما يقول ثقلت " وقرئ ولا يسأموا أن يكتبوه بالياء فيهما { صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا } حالان من الضمير أي على كل حال قليلاً أو كثيراً مجملاً أو مفصلاً ، وقيل : منصوبان على أنهما خبرا كان المضمرة وقدم الصغير على الكبير اهتماماً به وانتقالاً من الأدنى إلى الأعلى { إِلَى أَجَلِهِ } حال من الهاء في تكتبوه أي مستقراً في ذمة المدين إلى وقت حلوله الذي أقر به وليس متعلقاً بتكتبوه لعدم استمرار الكتابة إلى الأجل ؛ إذ هي مما ينقضي في زمن يسير .

{ ذلكم } أي الكتب وهو الأقرب أو الإشهاد وهو الأبعد أو جميع ما ذكر وهو الأحسن والخطاب للمؤمنين { أَقْسَطُ } أي أعدل { عَندَ الله } أي في حكمه سبحانه . { وَأَقْوَمُ للشهادة } أثبت لها وأعون على إقامتها وأدائها وهما مبنيان من أقسط وأقام على رأي سيبويه فإنه يجيز بناء أفعل من الأفعال من غير شذوذ ، وقيل : من قاسط بمعنى ذي قسط وقويم ، وقال أبو حيان : قسط يكون بمعنى جار وعدل ، وأقسط/ بمعنى عدل لا غير حكاه ابن القطاع وعليه لا حاجة إلى رأي سيبويه في أقسط وقيل : هو من قسط بوزن كرم بمعنى صار ذا قسط أي عدل ، وإنما صحت الواو في أقوم ولم يقل أقام ؛ لأنها لم تقلب في فعل التعجب نحو ما أقومه لجموده إذ هو لا يتصرف وأفعل التفضيل يناسبه معنى فحمل عليه { وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ } أي أقرب إلى انتفاء ريبكم وشككم في جنس الدين وقدره وأجله ونحو ذلك ، قيل : وهذا حكمة خلق اللوح المحفوظ ، والكرام الكاتبين مع أنه الغني الكامل عن كل شيء تعليماً للعباد وإرشاداً للحكام ، وحرف الجر مقدر هنا وهو إلى كما سمعت وقيل : اللام ، وقيل : من ، وقيل في ، ولكل وجهة { إِلا أَن تَكُونَ تجارة حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ } استثناء منقطع من الأمر بالكتابة فقوله تعالى : { فَلْيَكْتُبْ بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بالعدل } إلى هنا جملة معترضة بين المستثنى والمستثنى منه أي لكن وقت كون تداينكم أو تجارتكم تجارة حاضرة بحضور البدلين تديرونها بينكم بتعاطيها يداً بيد كذا قيل . وفي «الدر المصون » يجوز أن يكون استثناءاً متصلاً من الاستشهاد فيكون قد أمر بالاستشهاد في كل حال إلا في حال حضور التجارة ، وقيل : إنه استثناء من هذا وذاك وهو منقطع أيضاً أي لكن التجارة الحاضرة يجوز فيها عدم الاستشهاد والكتابة ؛ وقيل : غير ذلك ولعل الأول أولى ونصب عاصم ( تجارة ) على أنها خبر ( تكون ) واسمها مستتر فيها يعود إلى التجارة كما قال الفراء ، وعود الضمير في مثل ذلك على متأخر لفظاً ورتبة جار في فصيح الكلام ، وقال بعضهم : يعود إلى المداينة والمعاملة المفهومة من الكلام ، وعليه فالتجارة مصدر لئلا يلزم الإخبار عن المعنى بالعين ، ورفعها الباقون على أنها اسم { تَكُونُ } والخبر جملة { تُدِيرُونَهَا } ويجوز أن تكون { تَكُونُ } تامة فجملة { تُدِيرُونَهَا } صفة .

{ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا } أي فلا مضرة عليكم أو لا إثم في عدم كتابتكم لها لبعد ذلك عن التنازع والنسيان ، أو لأن في تكليفكم الكتابة حينئذٍ مشقة جداً وإدخال الفاء للإيذان بتعلق ما بعدها بما قبلها { وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ } أي هذا التبايع المذكور أو مطلقاً { وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ } نهي عن المضارة والفعل يحتمل البناء للفاعل والبناء للمفعول والدليل عليه قراءة عمر رضي الله تعالى عنه ولا يضار بالفك والكسر ، وقراءة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بالفك والفتح والمعنى على الأول : نهي الكاتب والشاهد عن ترك الإجابة إلى ما يطلب منهما وعن التحريف والزيادة والنقصان ، وعلى الثاني : النهي عن الضرار بهما بأن يعجلا عن مهم أو لا يعطي الكاتب حقه من الجعل أو يحمل الشاهد مؤونة المجيء من بلد ، ويؤيد هذا المعنى ما أخرجه ابن جرير عن الربيع قال : لما نزلت هذه الآية { وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ } الخ كان أحدهم يجيء إلى الكاتب فيقول : اكتب لي فيقول : إني مشغول أو لي حاجة فانطلق إلى غيري فيلزمه ويقول : إنك قد أمرت أن تكتب لي فلا يدعه ويضاره بذلك ، وهو يجد غيره فأنزل الله تعالى : { وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ } وحمل بعضهم الصيغة على المعنيين وليس بشيء كما لا يخفى ، وقرأ الحسن ولا يضار بالكسر . وقرئ بالرفع على أنه نفي بمعنى النهي { وَإِن تَفْعَلُواْ } ما نهيتم عنه من الضرار أو منه ومن غيره وبعيد وقوعه منكم { فَإِنَّهُ } أي ذلك الفعل { فُسُوقٌ بِكُمْ } أي خروج عن طاعة متلبس بكم ، وجوز كون الباء للظرفية ، قيل : وهو أبلغ إذ جعلوا محلاً للفسق { واتقوا الله } فيما أمركم به ونهاكم عنه { وَيُعَلّمُكُمُ الله } أحكامه المتضمنة لمصالحكم { والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } فلا يخفى عليه حالكم وهو مجازيكم بذلك فإن قيل : كيف كرر سبحانه الاسم الجليل في الجمل الثلاث وقد استكرهوا مثل قوله :

فما للنوى جذ النوى قطع النوى . . .

حتى قيل : سلط الله تعالى عليه شاة تأكل نواه ؟ أجيب بأن التكرير منه المستحسن ومنه المستقبح ، فالمستحسن كل تكرير يقع على طريق التعظيم أو التحقير في جمل متواليات كل جملة منها مستقلة بنفسها ، والمستقبح هو أن يكون التكرير في جملة واحدة أو في جمل بمعنى ، ولم يكن فيه التعظيم والتحقير ، وما في البيت من القسم الثاني لأن جذ النوى قطع النوى فيه بمعنى واحد وما في الآية درة تاج القسم الأول لأن { اتقوا الله } حث على تقوى الله تعالى { وَيُعَلّمُكُمُ الله } وعد بإنعامه سبحانه { والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } تعظيم لشأنه عز شأنه ، ومن هنا علمت وجه العطف فيها من اختلافها في الظاهر خبراً وإنشاءاً ، ومن الناس من جوز كون الجملة الوسطى حالاً من فاعل { اتقوا } أي اتقوا الله مضموناً لكم التعليم ، ويجوز أن تكون حالاً مقدرة ، والأولى ما قدمنا لقلة اقتران الفعل المضارع المثبت الواقع حالاً بالواو .