تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظٗا} (80)

المفردات :

تولى : أعرض .

حفيظا : رقيبا ، أو مسيطرا .

التفسير :

80- مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا .

أرسل الله رسوله محمد صلى الله عليه وسلم على حين فترة من الرسل فختم به الرسالات ، وأنزل عليه وحي السماء ، وجعل طاعة الرسول فيما يبلغه عن ربه واجبة ؛ لأن طاعته طاعة لوحي الله وأمر الله ، قال تعالى : وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى . ( النجم : 3-4 ) .

فليس لمسلم أن يخالف الرسول فيما يبلغه عن ربه ، قال تعالى : فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . ( النور : 63 ) .

وأما ما رآه الرسول من الأمور الخارجة عن دائرة التبليغ والرسالة ، مما هو خاص بشئون الدنيا ، فليست أوامر ، بل إرشادات ، ولذا راجعه المسلمون في بعض الآراء ، كما حدث في تأبير النخيل فرجع صلى الله عليه وسلم ونزل على رأيهم {[23]} وقال : '' أنتم أعلم بأمر دنياكم ''{[24]} رواه مسلم .

وجاء في تفسير ابن كثير :

يخبر تعالى عن عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، بأن من أطاعه فقد أطاع الله ، ومن عصاه فقد عصى الله ، وما ذاك إلا لأنه ما ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى . قال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن سنان حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله تعالى على آله وسلم : '' من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني ، ومن عصى الأمير فقد عصاني'' {[25]}وهذا الحديث ثابت في الصحيحين عن الأعمش .

وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا . ومن أعرض عن طاعتك ، وعن إتباع الحق الذي جئت به ؛ فاترك أمره إلينا فسنجازيه- فإنما أرسلناك مبلغا ولم نبعثك مسيطرا ولا رقيبا على أعمالهم قال تعالى : فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّر ، ٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِر . ( الغاشية : 21-22 ) .

وفي الحديث '' ومن يطع الله ورسوله ؛ فقد رشد ، ومن يعص الله ورسوله ؛ فإنه لا يضر إلا نفسه'' .


[23]:التفسير الوسيط للقرآن الكريم، مجمع البحوث الإسلامية الحزب التاسع، ص 859.
[24]:24)أنتم أعلم بأمر دنياكم: رواه مسلم في الفضائل (2363) و أحمد في مسنده(12135) من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون فقال: لو لم تفعلوا لصلح قال: فخرج شيصا فمر بهم: فقال: ما لنخلكم قالوا: قلت: كذا وكذا قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم.
[25]:) )من أطاعني فقد أطاع الله: رواه البخاري في الجهاد (2907) وفي الإحكام (7137) ومسلم في الإمارة (1835) والنسائي في البيعة (4193) وفي الاستعاذة (5510) وابن ماجه في المقدمة (3) وفي الجهاد (2859) (8788،8300،7386) من حديث أبي هريرة مرفوعا: من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني.
 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظٗا} (80)

{ مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله } بيان لأحكام رسالته صلى الله عليه وسلم إثر بيان تحققها ، وإنما كان كذلك لأن الآمر والناهي في الحقيقة هو الحق سبحانه ، والرسول إنما هو مبلغ للأمر والنهي فليس الطاعة له بالذات إنما هي لمن بلغ عنه . وفي بعض الآثار عن مقاتل «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : من أحبني فقد أحب الله تعالى ومن أطاعني فقد أطاع الله تعالى فقال المنافقون : ألا تسمعون إلى ما يقول هذا الرجل لقد قارف الشرك ، وهو نهى أن يعبد غير الله تعالى ما يريد إلا أن نتخذه رباً كما اتخذت النصارى عيسى عليه السلام ؟ فنزلت » فالمراد بالرسول نبينا صلى الله عليه وسلم ، والتعبير عنه بذلك ووضعه موضع المضمر للإشعار بالعلية ، وقيل : المراد به الجنس ويدخل فيه نبينا صلى الله عليه وسلم دخولاً أولياً ، ويأباه تخصيص الخطاب في قوله تعالى : { وَمَن تولى فَمَا أرسلناك عَلَيْهِمْ حَفِيظاً } وجعله من باب الخطاب لغير معين خلاف الظاهر ، و { مِنْ } شرطية وجواب الشرط محذوف ، والمذكور تعليل له قائم مقامه أي ومن أعرض عن الطاعة فأعرض عنه لأنا إنما أرسلناك رسولاً مبلغاً لا حفيظاً مهيمناً تحفظ أعمالهم عليهم وتحاسبهم عليها ، ونفي كما قيل كونه حفيظاً أي مبالغاً في الحفظ دون كونه حافظاً لأن الرسالة لا تنفك عن الحفظ لأن تبليغ الأحكام نوع حفظ عن المعاصي والآثام ، وانتصاب الوصف على الحالية من الكاف ، وجعله مفعولاً ثانياً لأرسلنا لتضمينه معنى جعلنا مما لا حاجة إليه ، و { عَلَيْهِمْ } متعلق به وقدم رعاية للفاصلة ، وفي إفراد ضمير الرفع وجمع ضمير الجر مراعاة للفظ من ومعناها ، وفي العدول عن ومن تولى فقد عصاه الظاهر في المقابلة إلى ما ذكر ما لا يخفى من المبالغة .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله } [ النساء : 80 ] لأنه صلى الله عليه وسلم مرآة الحق يتجلى منه للخلق ، وقال بعض العارفين : إن باطن الآية إشارة إلى عين الجمع