تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۚ وَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ بِٱلۡقِسۡطِۖ لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۖ وَإِذَا قُلۡتُمۡ فَٱعۡدِلُواْ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰۖ وَبِعَهۡدِ ٱللَّهِ أَوۡفُواْۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ} (152)

المفردات :

أشده : أي : يبلغ قوته البدنية والعقلية ويحسن التصرف .

بالقسط : بالعدل وعدم الجور .

فاعدلوا : فاصدقوا في القول .

وبعهد الله أوفوا : وبما طلب الله منكم من العدل وتأدية أحكام الشرع ، أوفوا وأتموا .

لعلكم تذكرون : لكي تتعظوا .

التفسير :

152- ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده . . . الآية .

هذه وصية سادسة تتعلق بالمعاملة الحسنة لليتيم . وقد تعرض القرآن المكي والمدني للوصية باليتيم ورعايته ، والمحافظة على ماله وعدم خلط ماله بمال الموصى ؛ توطئة لأكل مال اليتيم ؛ ولما تكررت هذه الوصايا ؛ تحرج المسلمون من خلط أموال اليتيم بأموالهم فأنزل الله تعالى : ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح . . .

وهنا في سورة الأنعام يقول الله تعالى :

ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن .

أي : لا تتعرضوا له بخصلة من الخصال أو بوجه من الوجوه إلا بالخصلة التي هي أحسن .

لأن الوصي ربما احتال بالحيلة لأكل مال اليتيم . فنهوا عن ذلك لكن إذا كان اقتراب الوصي من مال اليتيم وسيلة لتثميره وتنميته بطريقة حسنة ؛ فيجوز الاقتراب حينئذ ما دام في صالح اليتيم ونفعه وزيادة ماله .

حتى يبلغ أشده .

أي : احفظوا ماله حتى يبلغ الحلم فإذا بلغ الحلم رشيدا عاقلا حسنا للتصرف ، دفع الوصي إليه ماله ، وقد وردت هذه المعاني في صدر سورة النساء . قال تعالى :

وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم . . . ( النساء : 6 )

أي : اختبروا اليتيم في مرحلة الصبا ، بأن تعطوه مبلغا مناسبا ليتصرف فيه برأيه وحكمته ، فإذا أحسن التصرف فزيدوه ومكنوه من التصرف في ماله جزئيا ، حتى إذا بلغ سن الرشد عاقلا محسنا للتصرف فادفعوا إليه ماله .

ونلاحظ أن القرآن دائما يذكر المؤمن بالله ورقابته ، فإن الموصى قد يتلاعب في الدفاتر ويزيف الحسابات ، فيكون منضبطا أمام المجلس الحسبي وأمثاله من مجالس المحاسبين والرقباء ، لكن هناك رقابة الله وحسابه قال تعالى :

فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا . ( النساء : 6 )

أي : يجب إشهاد الشهود على دفع الوصي مال اليتيم إليه ، مع علمه أن هناك رقابة من الله الذي لا تخفى عليه خافية ، وهو سريع الحساب سبحانه وتعالى .

وأوفوا الكيل والميزان بالقسط .

لا غنى للناس عن الكيل والوزن ، وقد تكررت وصايا القرآن بوفاء الكيل والميزان ، وحثت السنة المطهرة على عدم تطفيف الكيل والميزان ؛ لأن الجائر لا يكاد يأخذ إلا الشيء الطفيف قال تعالى : ويل للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون * ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون * ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين . ( المطففين : 1 – 6 ) .

وعلى لسان نبي الله شعيب يقول القرآن الكريم :

أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين * وزنوا بالقسطاس المستقيم * ولا تبخسوا الناس أشيائهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين . ( الشعراء : 181-183 ) .

لا نكلف نفسا إلا وسعها .

أي : إن قواعد الشريعة مبنية على رفع الحرج فلا تكليف إلا بما يطاق قال تعالى : لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها . ( الطلاق : 7 ) .

فالغبن اليسير في الكيل والوزن وغير ذلك مما لا يمكن التحرز منه معفو عنه .

قال أبو السعود : لا نكلف نفسا إلا وسعها : إلا ما يسعها ولا يعسر عليها ، وهو اعتراض جيء به عقيب الأمر بالعدل ؛ للإيذان بأن مراعاة العدل كما هو عسير كأنه قيل عليكم بما في وسعكم وما وراءه معفو عنكم .

وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى .

القرآن هنا يرتفع بالضمير البشري إلى مستوى سامي رفيع ، على هدى من العقيدة في الله بأن يكلفه بتحري العدل في كل أحواله ولو إزاء أقرب المقربين إليه .

قال الشوكاني في فتح القدير : إذا قلتم فاعدلوا . في خبر أو شهادة أو جرح أو تعديل ، فاعدلوا فيه وتحروا الصواب ولا تتعصبوا في ذلك لقريب ، ولا على بعيد ، ولا تميلوا إلى صديق ، ولا على عدو ، بل سووا بين الناس ولو كان . المقول فيه . أو المقول له ذا قربى . أي : صاحب قرابة لكم .

وهكذا نجد القرآن يسموا بآداب هذه الأمة ويقدم لها النصائح التي تجعلها تقول الحق خالصا لوجه الله ولو كانت الشهادة على النفس أو على الوالدين أو على الأقربين فينبغي أن تؤدى بالحق ، والحق المجرد الخالص .

قال تعالى :

يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين . ( النساء : 135 ) .

وبعهد الله أوفوا .

أي : إذا عاهدتم الله ، أو عاهدتم بالله فأوفوا . وكونوا أوفياء مع الله في كل ما عهد إليكم به من العبادات والمعاملات وغيرها .

ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون .

أي : ذلكم المتلو عليكم في هذه الآية من الأوامر والنواهي ؛ وصاكم الله به في كتابه ؛ رجاء أن تتذكروا وتعتبروا بما أمرتم به .

وجاء في تفسير أبي السعود ما يأتي :

لعلكم تذكرون .

تتذكرون ما في تضاعيفه وتعلمون بمقتضاه ، وقرئ بتشديد الذال .

وهذه أحكام عشرة لا تختلف باختلاف الأمم والأعصار .

عن ابن عباس رضي الله عنه : هذه آيات محكمات لم ينسخهن شيء من جميع الكتب ، وهن محرمات على بني آدم كلهم وهن أم الكتاب من عمل بهن دخل الجنة . ومن تركهن دخل النار وعن كعب الأحبار : والذي نفس كعب بيده إن هذه الآيات لأول شيء في التوراة . بسم الله الرحمن الرحيم :

قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون* ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون .

( الأنعام : 151 ، 152 )

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۚ وَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ بِٱلۡقِسۡطِۖ لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۖ وَإِذَا قُلۡتُمۡ فَٱعۡدِلُواْ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰۖ وَبِعَهۡدِ ٱللَّهِ أَوۡفُواْۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ} (152)

{ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم } أي لا تتعرضوا له بوجه من الوجوه { إِلاَّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ } أي بالفعلة التي هي أحسن ما يفعل بماله كحفظه وتثميره ، وقيل : المراد لا تقربوا ماله إلا وأنتم متصفون بالخصلة التي هي أحسن الخصال في مصلحته فمن لم يجد نفسه على أحسن الخصال ينبغي أن لا يقربه وفيه بعد ؛ والخطاب للأولياء والأوصياء لقوله تعالى : { حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } فإنه غاية لما يفهم من الاستثناء لا للنهي كأنه قيل : احفظوه حتى يبلغ فإذا بلغ فسلموه إليه كما في قوله سبحانه : { فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا اليهم بأموالهم } [ النساء : 6 ] والأشد على ما قال الفراء جمع لا واحد له . وقال بعض البصريين : هو مفرد كآنك ولم يأت في المفردات على هذا الوزن غيرهما . وقيل : هو جمع شدة كنعمة وأنعم ، وقدر فيه زيادة الهاء لكثرة جمع فعل على أفعل كقدح وأقدح . وقال ابن الأنباري : إنه جمع شد بضم الشين كود واود . وقيل : جمع شد بفتحها . وأياً ما كان فهو من الشدة أي القوة أو الارتفاع من شد النهار إذا ارتفع . ومنه قول عنترة

: عهدي به شد النهار كأنما *** خضب البنان ورأسه بالعظلم

والمراد ببلوغ الأشد عند الشعبي وجماعة : بلوغ الحلم . وقيل : أن يبلغ ثماني عشرة سنة ، وقال السدي : أن يبلغ ثلاثين إلا أن الآية منسوخة بقوله تعالى : { حتى إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ } [ النساء : 6 ] وقيل : غير ذلك . وقد تقدم الخلاف في زمن دفع مال اليتيم إليه وأشبعنا الكلام في تحقيق الحق في ذلك فتذكر .

{ وَأَوْفُوا } أي أتموا { الكيل } أي المكيل فهو مصدر بمعنى اسم المفعول { والميزان } كذلك كما قال أبو البقاء وجوز أن يكون هناك مضاف محذوف أي مكيل الكيل وموزون الميزان { بالقسط } أي بالعدل وهو في موضع الحال من ضمير { أَوْفُواْ } أي مقسطين . وقال أبو البقاء : يجوز أن يكون حالاً من المفعول أي تاماً . ولعل الإتيان بهذه الحال للتأكيد . وفي «التفسير الكبير » «فإن قيل : إيفاء الكيل والميزان هو عين القسط فما الفائدة من التكرير ؟ قلنا : أمر الله تعالى المعطي بإيفاء ذي الحق حقه من غير نقصان وأمر صاحب الحق بأخذ حقه من غير طلب الزيادة » فتدبر .

{ لاَ نُكَلّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } إلا ما يسعها ولا يعسر عليها . والجملة مستأنفة جيء بها عقيب الأمر بإيفاء الكيل والميزان بالعدل للترخيص فيما خرج عن الطاقة لما أن في مراعاة ذلك كما هو حرجاً مع كثرة وقوعه فكأنه قيل : عليكم بما في وسعكم في هذا الأمر وما وراءه معفو عنكم . وجوز أن يكون جىء بها لتهوين أمر ما تقدم من التكليفات ليقبلوا عليها كأنه قيل : جميع ما كلفناكم به ممكن غير شاق ونحن لا نكلف ما لا يطاق .

{ وَإِذَا قُلْتُمْ } قولاً في حكومة أو شهادة أو نحوهما { فاعدلوا } فيه وقولوا الحق { وَلَوْ كَانَ } المقول له أو عليه { ذَا قربى } أي صاحب قرابة منكم { وَبِعَهْدِ الله أَوْفُواْ } أي ما عهد إليكم من الأمور المعدودة أو أي عهد كان فيدخل فيه ما ذكر دخولاً أولياً أو ما عاهدتم الله تعالى عليه من أيمانكم ونذوركم . والجار والمجرور متعلق بما بعده ، وتقديمه للاعتناء بشأنه { ذلكم } أي ما فصل من التكاليف الجليلة { وصاكم بِهِ } أمركم به أمرا مؤكدا { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } ما في تضاعيفه وتعملون بمقتضاه . وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم { تَذَكَّرُونَ } بتخفيف الذال والباقون بالتشديد في كل القرآن وهما بمعنى واحد .

وختمت الآية الأولى بقوله سبحانه : { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } [ الأنعام : 151 ] وهذه بقوله تعالى : { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } لأن القوم كانوا مستمرين على الشرك وقتل الأولاد وقربان الزنا وقتل النفس المحرمة بغير حق غير مستنكفين ولا عاقلين قبحها فنهاهم سبحانه لعلهم يعقلون قبحها فيستنكفوا عنها ويتركوها . وأما حفظ أموال اليتامى عليهم وإيفاء الكيل والعدل في القول والوفاء بالعهد فكانوا يفعلونه ويفتخرون بالاتصاف به فأمرهم الله تعالى بذلك لعلهم يذكرون إن عرض لهم نسيان ؛ قاله القطب الرازي ، ثم قال فإن قلت إحسان الوالدين من قبيل الثاني أيضاً فكيف ذكر من الأول ؟ قلت : أعظم النعم على الإنسان نعمة الله تعالى ويتلوها نعمة الوالدين لأنهما المؤثران في الظاهر ومنهما نعمة التربية والحفظ عن الهلاك في وقت الصغر فلما نهى عن الكفر بالله تعالى نهى بعده عن الكفران في نعمة الأبوين تنبيهاً على أن القوم لما لم يرتكبوا الكفران فبطريق الأولى أن لا يرتكبوا الكفر .

وقال الإمام : السبب في ختم كل آية بما ختمت «أن التكاليف الخمسة المذكورة في الآية الأولى ( أمور ) ظاهرة جلية فوجب تعقلها وتفهمها والتكاليف الأربعة المذكورة في هذه الآية أمور خفية غامضة لا بد فيها من الاجتهاد والفكر الكثير حتى يقف على موضع الاعتدال وهو التذكر » انتهى . ويمكن أن يقال : إن أكثر التكليفات الأول أُدِّي بصيغة النهي وهو في معنى المنع والمرء حريص على ما منع فناسب أن يعلل الإيصاء بذلك بما فيه إيماء إلى معنى المنع والحبس وهذا بخلاف التكليفات الأُخر فإن أكثرها قد أُدِّي بصيغة الأمر وليس المنع فيه ظاهراً كما في النهي فيكون تأكيد الطلب والمبالغة فيه ليستمر عليه ويتذكر إذا نسي فليتدبر .

( ومن باب الإشارة ) :{ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم } أي ما أعد ليتيم القلب المنقطع عن علائق الدنيا والآخرة من المعارف التي هي وراء طور العقل { إِلاَّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ } وهي التصديق بذلك إجمالاً وعدم إنكاره { حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } فيقوى على قبول أنواع التجليات ، وحينئذٍ يصح لكم أن تقربوا ما أعد الله تعالى له من هاتيك المعارف لقوة قلوبكم وتقدس أرواحكم . ومن الناس من جعل اليتيم إشارة إلى حضرة الرسالة عليه الصلاة والسلام وهو كما ترى { وَأَوْفُوا الكيل } أي كيل الشرع بمراعاة الحقوق الظاهرة { والميزان } أي ميزان الحقيقة بمراعاة الحقوق الباطنة { بالقسط } بالعدل { وَإِذَا قُلْتُمْ فاعدلوا } أي لا تقولوا إلا الحق { وَبِعَهْدِ الله أَوْفُواْ } [ الأنعام : 152 ] وهو التوحيد