تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ} (29)

{ قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ( 29 ) وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 30 ) } .

المفردات :

الجزية : هي ضريبة لنا على أهل الكتاب ؛ جزاء حمايتهم وحقن دمائهم .

عن يد وهم صاغرون : أي : عن يد مواتية منقادة وهم خاضعون .

التفسير :

29 – { قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ . . . } الآية .

يأمر الله تعالى المؤمنين في هذه الآية بقتال أهل الكتاب ، بعد ما أمرهم من قبل بقتال المشركين ، ومنعهم من قرب المسجد الحرام بحج أو عمرة .

والغاية من قتال أهل الكتاب في هذه الآية : هي اعترافهم بالدين الحق ، وعدم إلزامهم بالدخول فيه ؛ والاكتفاء بالتصالح معهم ؛ ليستوطنوا في دار الإسلام بأمان وسلام ، مع إخضاعهم لأحكام الإسلام المدنية والجزائية ، وما عدا ذلك فإنا أمرنا بتركهم وما يدينون به في عباداتهم وشئونهم ، مع أخذ الجزية منهم جزاء حمايتهم ، وتوفير الأمن والأمان لهم ، ويصبحون عند ذلك من أهل الذمة والعهد40 .

قال ابن كثير :

" هذه الآية أول أمر نزل بقتال أهل الكتاب – اليهود والنصارى – وكان ذلك سنة تسع ؛ ولهذا تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم لقتال الروم ، ودعا الناس إلى ذلك ، وأظهره لهم ، وبعث إلى إحياء العرب حول المدينة ، فندبهم فخرجوا معه ، واجتمع من المقاتلة نحو ثلاثين ألفا ، وتخلف بعض الناس من أهل المدينة ومن حولها من المنافقين وغيرهم ، وكان ذلك في عام جدب ، ووقت قيظ وحر ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يريد الشام لقتال الروم ، فبلغ تبوك ونزل بها ، وأقام بها قريبا من عشرين يوما ، ثم استخار الله في الرجوع ، فرجع عامه ذلك ؛ لضيق الحال ، وضعف الناس . . . " 41 .

والمعنى : قاتلوا أهل الكتاب إلى أن يستسلموا ويدفعوا الجزية ، عن مقدرة عليها منهم ، وفي نفس الوقت عن عرفان منهم بمقدرة المسلمين وكفاءتهم ؛ ونلاحظ أن الآية بينت أسباب قتال أهل الكتاب وهي ثلاثة أسباب :

1 – عبرت عنهم باسم الموصول فقالت :

{ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر . . . }

وأهل الكتاب يدّعون أنهم يؤمنون بالله وباليوم الآخر ، لكنهم ادعوا أن لله ولدا ، وادعوا أن الله ثالث ثلاثة .

جاء في حاشية الجمل على الجلالين :

إن إيمانهم باليوم الآخر ليس كإيمان المؤمنين ، وذلك لأنهم يعتقدون بعث الأرواح دون الأجساد ، وأن أهل الجنة لا يأكلون فيها ، ولا يشربون ولا ينكحون ، ويرون أن نعيم الجنة وعذاب النار ، معان روحية فقط كالسرور والهم ، فهم لا يؤمنون بحياة مادية كاملة في عالم الآخرة ، وهذا مناف لما أخبر به القرآن ، ومن أنكر البعث الجسماني ؛ فقد أنكر صريح القرآن42 .

2 – { ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله } .

فهم لا يحرمون ما حرمه موسى وعيسى ، عليهما السلام بل حرفوا التوراة والإنجيل ، وشرعوا لأنفسهم أحكاما تخالف أصل دينهم .

فترى اليهود يستحلون أكل أموال الناس بالباطل .

قال تعالى : { وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل } . ( النساء : 161 ) .

والنصارى استباحوا ما حرم عليهم في التوراة كالشحوم والخمور ، وقد استحلوا الرهبانية ، وفسق بعضهم بها عن حكم الله وهدايته .

قال تعالى : { ثم قفينا على آثرهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتينه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون } . ( الحديد : 27 ) .

3 – { ولا يدينون دين الحق } .

أي : الدين الثابت الناسخ لجميع الأديان وهو دين الإسلام .

قال تعالى : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } . ( المائدة : 3 ) .

وقال تعالى : { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين } . ( آل عمران : 85 ) .

ويصح أن يكون المراد بدين الحق : ما يشمل دين الإسلام ، وغيره من الأديان السماوية التي جاء بها الأنبياء السابقون . أي : ولا يدينون بدين من الأديان التي أنزلها الله على أنبيائه ، وشرعها لعباده ، وإنما هم يتبعون أحبارهم ورهبانهم فيما يحلونه لهم ويحرمونه عليهم43 .

{ من الذين أوتوا الكتاب } .

أي : الذين أعطاهم الله التوراة وهم اليهود ، أو الإنجيل وهم النصارى .

والمراد بالكتاب : جنسه الشامل للتوراة والإنجيل . أي : قاتلوا من أعطاهم الله التوراة والإنجيل عن طريق موسى وعيسى ، ولكنهم لم يعملوا بتعاليمها ؛ وإنما عملوا بما تمليه عليهم أهواؤهم وشهواتهم ، والمقصود بقوله : { من الذين أوتوا الكتاب } تميزهم عن المشركين عبدة الأوثان في الحكم ؛ لأن عبدة الأوثان في بلاد العرب يخيرون بين أمرين الإسلام أو القتال .

أما أهل الكتاب فإنهم يخيرون بين ثلاثة أشياء : الإسلام ، أو القتال ، أو الجزية .

والجزية : كلمة فارسية هي( كزيت ) ؛ وكانت نظاما معولا به عند الفرس وغيرهم .

وقد عمل به الإسلام ؛ لمن أراد البقاء على دينه من أهل الكتاب ؛ فأعفاه الإسلام من دخول الجيش أو الدفاع عن الدولة ، حيث إنه لا يعتقد بعقيدة الإسلام ، فأعفاه الإسلام من الاشتراك في الجندية ، وأخذ منه ما يشبه البدل النقدي الذي يؤخذ من بعض المتخلفين عن الخدمة في الجيش في هذه الأيام .

وقد اشترط الإسلام على المسلمين حماية أهل الذمة ، والدفاع عنهم مقابل أخذ الجزية ، فإذا لم يستطع المسلمون الدفاع عن أهل الكتاب ، ردوا عليهم الجزية .

وقد فعل ذلك خالد بن الوليد حين شغل بالقتال ، عن الدفاع عن بعض أهل الكتاب فرد عليهم الجزية ، وقال : إنما أخذنا الجزية جزاء حمايتكم والدفاع عنكم ، فإذا شغلنا عنكم رددنا الجزية لكم ، فاعترف أهل الكتاب له بالشكر وبحسن المعاملة .

{ حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } .

أي : أن الغاية من قتال أهل الكتاب ، هو اتفاقهم مع المسلمين ، والاعتراف لهم بحقهم ، وإن لم يدخلوا في الإسلام ؛ فإذا دخلوا مع المسلمين في معاهدة ، أصبحت لهم ذمة الله ورسوله ؛ ولذلك كانوا يسمون : أهل الذمة ؛ أي : أهل المعاهدة .

وإذا أسلموا سقطت عنهم الجزية باتفاق الفقهاء ؛ لما رواه أحمد وأبو داود والبيهقي والدارقطني : عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ليس على مسلم جزية " 44 .

وفي رواية للطبراني : عن ابن عمر " من أسلم فلا جزية عليه " 45 .

ملحق بتفسير الآية

جاء في التفسير الوسيط لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ، ص 1689 ما يأتي :

معنى : عن يد وهم صاغرون .

( أ )اليد هنا يحتمل أن تكون كناية عن الاستسلام والانقياد ، أي : حتى يعطوا الجزية عن خضوع وانقياد وطاعة .

( ب )ويحتمل أن تكون كناية عن الدفع نقدا بدون تأجيل ، أي : حتى يعطوها نقدا بدون تسويف أو تأخير .

( ج )ويحتمل أن تكون بمعنى : الغنى ، ولذلك لم تجب على الفقير العاجز من أهل الكتاب والمعنى : حتى يدفعوا الجزية عن مقدرة منهم على دفعها ، مع الاعتراف للمسلمين بالسيادة .

وهذه المعاني الثلاثة إذا أريد باليد : يد الكتابي ، أما إذا أريد باليد : اليد الآخذة وهي يد الحاكم المسلم ؛ ففي هذه الحالة يكون معناها : القوة والقهر والغلبة والحماية .

أي : حتى يعطوها للمسلمين عن يد قاهرة مستولية ؛ وهي يد المسلمين ، أو حتى يعطوها للمسلمين عن يد من المسلمين . أي : إنعام من المسلمين عليهم ؛ لأن قبول الجزية منهم وترك أرواحهم له نعمة عظيمة46 .

وجاء في تفسير سورة التوبة للدكتور محمد سيد طنطاوي ما يأتي :

{ وهم صاغرون } : وهم خاضعون لولايتكم عليهم ؛ وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن معنى : وهم صاغرون أنهم يؤدونها في ذلة وانكسار ومهانة .

قال الزمخشري في تفسير الكشاف :

{ وهم صاغرون } .

تؤخذ منهم على الصغار والذل ، وهو أن يأتي بنفسه ماشيا غير راكب ، ويسلمها وهو قائم والمتسلم جالس ، وأن يتلتل تلتلة ، ويؤخذ بتلابيبه ويقال له : أد الجزية ، ويدفع في قفاه47 .

وقال السيوطي : استدل بقوله تعالى : وهم صاغرون من قال : إنها تؤخذ بإهانة بأن يجلس الآخذ ؛ ويقوم الدمي يطأطئ رأسه ، ويحني ظهره . . . إلخ .

وقد رد الإمام ابن القيم على هذا القائل بقوله : هذا كله مما لا دليل عليه ، ولا هو من مقتضى الآية ؛ ولا نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه .

والصواب في الآية : أن الصغار هو التزامهم بجريان أحكام الله عليهم وإعطاء الجزية فإن ذلك هو الصغار ، وبه قال الشافعي48 .

ونرى أن كلام الإمام ابن القيم أقرب إلى المعقول والمنقول ؛ ويتفق مع عدالة الإسلام وسماحته ورحمته بالناس أجمعين خاصة ونحن في زمن صار العالم كله قرية واحدة ، وصار بعضهم يدعي الدفاع عن حقوق الإنسان ، وديننا هو الذي كرم إنسانية الإنسان ؛ فقد خلق الله آدم بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وأسجد له الملائكة ، واستخلفه في إعمار الأرض ، وقال سبحانه : { ولقد كرمنا بني ءادم } .

مقدار الجزية

لم يحدد القرآن مقدار الجزية ، وقد اختلف الفقهاء في تقديرها .

( أ ) قال الشافعي : هي في السنة دينار على الغني والفقير من الأحرار البالغين ، وإن صولحوا على أكثر من دينار ؛ جاز لهم وتؤخذ في آخر السنة49 .

( ب )وقال المالكية : إنها أربعة دنانير على أهل الذهب ؛ وأربعون درهما على أهل الفضة ، الغني والفقير سواء .

( ج )وقال الحنفية : 12 درهما على الفقراء الذين لهم كسب ، 24 درهما على الأوساط ، 48 درهما على الأغنياء ؛ وتؤخذ في أول السنة ، ولا تؤخذ من فقير لا كسب له50 .

ولعلك بالتأمل ترى أن الجزية عطاء مرتبط بقوة المسلمين ، وقدرتهم على حماية أهل الكتاب والدفاع عنهم .

هذا أمر متغير متقلب ونسبة الجزية تتأثر بمدى قوة المسلمين ومدى ضعف الآخرين . وربما كان من المناسب أن نقول : إن مقدار الجزية يترك تقديره إلى كل حالة بما يناسبها ، أو إلى تقدير أهل الحل والعقد .

وتقدير الحنفية أقرب إلى روح العصر ؛ لأنها تراعي حالة الكتابي من الفقير أو الغني وتؤخذ منه حسب حالته .

من أحكام الآية

ذكر الأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوي في تفسير سورة التوبة : أن العلماء قد أخذوا من هذه الآية الأحكام الآتية :

1 – إن هذه الآية أصل في مشروعية الجزية ، وأنها لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب عند كثير من الفقهاء ؛ لأن أهل الكتاب هم الذين يخيرون بين الإسلام أو القتال أو الجزية ، أما غيرهم من مشركي العرب فلا يخيرون إلا بين الإسلام أو القتال .

قال القرطبي ما ملخصه :

وقد اختلف العلماء فيمن تؤخذ منه الجزية ؛ فقال الشافعي : لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب خاصة ، عربا كانوا أو عجما ؛ لهذه الآية ؛ فإنهم هم الذين خصوا بالذكر فتوجه الحكم إليهم دون من سواهم ؛ لقوله تعالى : في شأن المشركين : { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } . لم يقل : حتى يعطوا الجزية كما قال في أهل الكتاب .

وقال الشافعي : وتقبل من المجوس لحديث " سنوليهم سنة أهل الكتاب " أي : في أخذ الجزية منهم .

وبه قال أحمد وأبو ثور : وهو مذهب الثوري وأبي حنيفة وأصحابه .

وقال الأوازعي : تؤخذ الجزية من كل عابد وثن أو نار أو جاحد أو مكذب .

وكذلك مذهب مالك : فإنه يرى أن الجزية تؤخذ من جميع أجناس الشرك والجحد ، عربيا أو عجميا ، تغلبيّا أو قرشيا ، كائنا من كان إلا المرتد51 .

2 – إن أخذ الجزية منهم إنما هو نظير ما ينالهم وكفنا عن قتالهم ، ومساهمة منهم في رفع شأن الدولة الإسلامية التي أمنتهم وأموالهم وأعراضهم ومعتقداتهم ، ومقدساتهم . . . وإقرار منهم بالخضوع لتعاليم هذه الدولة وأنهم متى التزموا بدفعها ؛ وجب علينا حمايتهم ، ورعايتهم ، ومعاملتهم بالعدل والرفق والرحمة .

وفي تاريخ الإسلام كثير من الأمثلة التي تؤيد هذا المعنى ، ومن ذلك ما جاء في كتاب الخراج لأبي يوسف أنه قال في خطابه لهارون الرشيد : " وينبغي يا أمير المؤمنين – أيدك الله – أن تتقدم في الرفق بأهل ذمة نبيك وابن عمك محمد صلى الله عليه وسلم – والتفقد لهم ؛ حتى لا يظلموا ولا يؤذوا ولا يكلفوا فوق طاقتهم ، ولا يؤخذ شيء من أموالهم إلا بحق يجب عليهم ؛ فقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . أنه قال : " من ظلم من أمتي معاهدا أو كلفه فوق طاقته ؛ فأنا حجيجه " .

وكان فيما تكلم عمر بن الخطاب عند وفاته : أوصى الخليفة من بعدي بذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم . أن يوفى لهم بعهدهم ، وأن يقاتل من ورائهم ولا يكلفوهم فوق طاقتهم52 .

وجاء في كتاب " أشهر مشاهير الإسلام " :

وأن جيوش التتار ، لما اكتسحت بلاد الإسلام من حدود الصين إلى الشام ، ووقع في أسرهم من وقع من المسلمين والنصارى ثم خضد المسلمون شوكة التتار ودان ملوكهم بالإسلام ، خاطب شيخ الإسلام ابن تيمية ، أمير التتار بإطلاق الأسرى فسمح له بالمسلمين وأبى أن يسمح بأهل الذمة ، فقال له شيخ الإسلام : لا بد من إطلاق جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا ولا ندع أسيرا لا من أهل الملة ، ولا من أهل الذمة ، فأطلقهم له53 .

وجاء في كتاب " الإسلام والنصرانية " للأستاذ الإمام محمد عبده ما ملخصه :

" . . . الإسلام كان يكتفي من الفتح بإدخال الأرض المفتوحة تحت سلطانه ، ثم يترك الناس وما كانوا عليه من دين . ثم يكلفهم بجزية يدفعونها ؛ لتكون عونا على صيانتهم والمحافظة على أمنهم في ديارهم ، وهم في عقائدهم ومعابدهم وعاداتهم بعد ذلك أحرارا ، لا يضايقون في عمل ، ولا يضامون في معاملة .

خلفاء المسلمين كانوا يوصون قوادهم باحترام العبّاد الذين انقطعوا عن العامة في الصوامع والأديرة للعبادة ، كما كانوا يوصونهم باحترام دماء النساء والأطفال وكل من لم يعن على القتال .

جاءت السنة بالنهي عن إيذاء أهل الذمة ، وبتقرير ما له من الحقوق على المسلمين ، " لهم ما لنا وعليهم ما علينا " و " من آذى ذميا فليس منا " .

واستمر العمل على ذلك ما استمرت قوة الإسلام . ولست أبالي إذا انحرف بعض المسلمين عن هذه الأحكام عندما بدأ الضعف في أبناء الإسلام فضيق الصدر من طبع الضعيف .

ثم قال : أما المسيحية فترى لها حق القيام على كل دين يدخل تحت سلطانها تراقب أعمال أهله ، وتخصهم دون الناس بضروب من المعاملة لا يحتملها الصبر مهما عظم ، حتى إذا تمت لها القدرة على طردهم – بعد العجز عن إخراجهم من دينهم – طردتهم عن ديارهم ، وغسلت الديار من آثارهم ، كما حصل ويحصل في كل أرض استولت عليها أمة مسيحية استيلاء حقيقيا .

ولا يمنع غير المسيحي من تعدي المسيحي إلا كثرة العدد أو شدة العضد ، كما شاهد التاريخ ، وكما يشهد كاتبوه .

ثم قال : فأنت ترى الإسلام يكتفي من الأمم والطوائف التي يغلب على أرضها ، بشيء من المال ، أقل مما كانوا يؤدونه من قبل تغلبه عليهم ، وبأن يعيشوا في هدوء ، لا يعكرون معه صفو الدولة ، ولا يخلون بنظام السلطة العامة ، ثم يرخى لهم بعد عنان الاختيار في شئونهم الخاصة بهم ، لا رقيب عليهم فيها سوى ضمائرهم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ} (29)

{ قاتلوا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الآخر } أمر بقتال أهل الكتابين إثر أمرهم بقتال المشركين ومنعهم من أن يحوموا حول المسجد الحرام ، وفي تضاعيفه تنبيه لهم على بعض طرق الإغناء الموعود ، والتعبير عنهم بالموصول للإيذان بعلية ما في حيز الصلاة للأمر بالقتال وبانتظامهم بسبب ذلك في سلك المشركين وإيمانهم الذي يزعمونه ليس على ما ينبغي فهو كلا إيمان { وَلاَ يُحَرِمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ } أي ما ثبت تحريمه بالوحي متلواً وغير متلو ، فالمراد بالرسول نبينا صلى الله عليه وسلم ، وقيل : المراد به رسولهم الذي يزعمون اتباعه فإنهم بدلوا شريعته وأحلوا وحرموا من عند أنفسهم اتباعاً لأهوائهم فيكون المراد لا يتبعون شريعتنا ولا شريعتهم ، ومجموع الأمرين سبب لقتالهم وإن كان التحريف بعد النسخ ليس علة مستقلة { وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق } أي الدين الثابت فالإضافة من إضافة الصفة إلى الموصوف . والمراد به دين الإسلام الذي لا ينسخ بدين كما نسخ كل دين به ، وعن قتادة أن المراد بالحق هو الله تعالى وبدينه الإسلام ، وقيل : ما يعمه وغيره أي لا يدينون بدين من الأديان التي أنزلها سبحانه على أنبيائه وشرعها لعباده والإضافة على هذا على ظاهرها { مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب } أي جنسه الشامل للتوراة والإنجيل و { مِنْ } بيانية لا تبعيضية حتى يكون بعضهم على خلاف ما نعت { حتى يُعْطُواْ } أي يقبلوا أن يعطوا { الجزية } أي ما تقرر عليهم أن يعطوه ، وهي مشتقة من جزى دينه أي قضاه أو من جزيته بما فعل أي جازيته لأنهم يجزون بها من منّ عليهم بالعفو عن القتل . وفي «الهداية » أنها جزاء الكفر فهي من المجازاة ، وقيل : أصلها الهمز من الجزء والتجزئة لأنها طائفة من المال يعطى ، وقال الخوارزمي : إنها معرب كزيت وهو الخراج بالفارسية وجمعها جزى كلحية ولحى { عَن يَدٍ } يحتمل أن يكون حالاً من الضمير في { يُعْطُواْ } وأن يكون حالاً من الجزية ؛ واليد تحتمل أن تكون اليد المعطية وأن تكون اليد الآخذة و { عَنْ } تحتمل السببية وغيرها أي يعطوا الجزية عن يد مؤاتية أي منقادين أو مقرونة بالانقياد أو عن يدهم أي مسلمين أو مسلمة بأيديهم لا بأيدي غيرهم من وكيل أو رسول لأن القصد فيها التحقير وهذا ينافيه ولذا منع من التوكيل شرعاً أو عن غنى أي أغنياء أو صادرة عنه ولذلك لا تؤخذ من الفقير العاجز أو عن قهر وقوة أي أذلاء عاجزين . أو مقرونة بالذل أو عن إنعام عليهم فإن إبقاء مهجهم بما بذلوا من الجزية نعمة عظيمة أي منعماً عليهم أو كائنة عن إنعام عليهم أو نقداً أي مسلمة عن يد إلى يد أو مسلمين نقداً ، واستعمال اليد بمعنى الانقياد إما حقيقة أو كناية ، ومنه قول عثمان رضي الله تعالى عنه ، هذي يدي لعمار أي أنا منقاد مطيع له ، واستعمالها بمعنى الغنى لأنها تكون مجازاً عن القدرة المستلزمة له ، واستعمالها بمعنى الإنعام وكذا النعمة شائع ذائع ، وما أمعنى النقدية فلشهرة يداً بيد في ذلك ، ومنه حديث أبي سعيد الخدري في الربا ، وما في الآية يؤول إليه كما لا يخفى على من له اليد الطولى في المعاني والبيان .

وتفسير اليد هنا بالقهر والقوة أخرجه ابن أبي حاتم عن قتادة ، وأخرج عن سفيان بن عيينة ما يدل على أنه حملها على ما يتبادر منها طرز ما ذكرناه في الوجه الثاني ، وسائر الأوجه ذكرها غير واحد من المفسرين ، وغاية القتال ليس نفس هذا الإعطاء بل قبوله كما أشير إليه ، وبذلك صرح جمع من الفقهاء حيث قالوا : إنهم يقاتلون إلى أن يقبلوا الجزية ، وإنما عبروا بالإعطاء لأنه المقصود من القبول { وَهُمْ صاغرون } أي أذلاء وذلك بأن يعطوها قائمين والقابض منهم قاعد قاله عكرمة ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تؤخذ الجزية من الذمي ويوجأ عنقه ، وفي رواية أنه يؤخذ بتلبيبه ويهز هزاً ويقال : أعط الجزية يا ذمي ، وقيل : هو أن يؤخذ بلحيته وتضرب لهزمته ، ويقال : أد حق الله تعالى يا عدو الله . ونقل عن الشافعي أن الصغار هو جريان أحكام المسلمين عليهم ، وكل الأقوال لم نر اليوم لها أثراً لأن أهل الذمة فيه قد امتازوا على المسلمين والأمر لله عز وجل بكثير حتى أنه قبل منهم إرسال الجزية على يد نائب منهم ، وأصح الروايات أنه لا يقبل ذلك منهم بل يكلفون أن يأتوا بها بأنفسهم مشاة غير راكبين وكل ذلك من ضعف الإسلام عامل الله تعالى من كان سبباً له بعدله ، وهي تؤخذ عند أبي حنيفة من أهل الكتاب مطلقاً ومن مشركي العجم والمجوس لا من مشركي العرب ؛ لأن كفرهم قد تغلظ لما أن النبي صلى الله عليه وسلم نشأ بين أظهرهم وأرسل إليهم وهو عليه الصلاة والسلام من أنفسهم ونزل القرآن بلغتهم وذلك من أقوى البواعث على إيمانهم فلا يقبل منهم إلا السيف أو الإسلام زيادة في العقوبة عليهم مع اتباع الوارد في ذلك ، فلا يرد أن أهل الكتاب قد تغلظ كفرهم أيضاً لأنهم عرفوا النبي صلى الله عليه وسلم معرفة تامة ومع ذلك أنكروه وغيروا اسمه ونعته من الكتاب ، وعند أبي يوسف لا تؤخذ من العربي كتابياً كان أو مشركاً وتؤخذ من العجمي كتابياً كان أو مشركاً . وأخذها من المجوس إنما ثبت بالسنة ، فقد صح أن عمر رضي الله تعالى عنه لم يأخذها منهم حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر ، وقال الشافعي : رضي الله تعالى عنه إنها تؤخذ من أهل الكتاب عربياً كان أو عجمياً ولا تؤخذ من أهل الأوثان مطلقاً لثبوتها في أهل الكتاب بالكتاب وفي المجوس بالخبر فبقي من وراءهم على الأصل .

ولنا أنه يجوز استرقاقهم وكل من يجوز استرقاقه يجوز ضرب الجزية عليه إذا كان من أهل النصرة لأن كل واحد منهما يشتمل على سلب النفس أما الاسترقاق فظاهر لأن نفع الرقيق يعود إلينا جملة . وأما الجزية فلأن الكافر يؤديها من كسبه والحال أن نفقته في كسبه فكان أداء كسبه الذي هو سبب حياته إلى المسلمين راتبة في معنى أخذ النفس منه حكماً ، وذهب مالك . والأوزاعي إلى أنها تؤخذ من جميع الكفار ولا تؤخذ عندنا من امرأة ولا صبي ولا زمن ولا أعمى ، وكذلك المفلوج والشيخ ، وعن أبي يوسف أنها تؤخذ منه إذا كان له مال ولا من فقير غير معتمل خلافاً للشافعي ولا من مملوك ومكاتب ومدبر ، ولا تؤخذ من الراهبين الذين لا يخالطون الناس كما ذكره بعض أصحابنا ، وذكر محمد عن أبي حنيفة أنها تؤخذ منهم إذا كانوا يقدرون على العمل وهو قول أبي يوسف .

ثم إنها على ضربين جزية توضع بالتراضي والصلح فتقدر بحسب ما يقع عليه الاتفاق كما صالح صلى الله عليه وسلم بني نجران على ألف ومائتي حلة ولأن الموجب التراضي فلا يجوز التعدي إلى غير ما وقع عليه .

وجزية يبتدىء الإمام بوضعها إذا غلب على الكفار وأقرهم على أملاكهم فيضع على الغنى الظاهر الغنى في كل سنة ثمانية وأربعين درهماً يؤخذ في كل شهر منه أربعة دراهم ، وعلى الوسط الحال أربعة وعشرين في كل شهر درهمين وعلى الفقير المعتمل وهو الذي يقدر على العمل وإن لم يحسن حرفة اثني عشر درهماً في كل شهر درهماً ، والظاهر أن مرجع الغنى وغيره إلى عرف البلد .

وبذلك صرح به الفقيه أبو جعفر ، وإلى ما ذهبنا إليه من اختلافها غنى وفقراً وتوسطاً ذهب عمر . وعلي . وعثمان رضي الله تعالى عنهم . ونقل عن الشافعي أن الإمام يضع على كل حالم ديناراً أو ما يعدله والغني والفقير في ذلك سواء ، لما أخرجه ابن أبي شيبة عن مسروق أنه صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له : خذ من كل حالم ديناراً أو عدله مغافر ولم يفصل عليه الصلاة والسلام ، وأجيب عنه بأنه محمول على أنه كان صلحاً . ويؤيده ما في بعض الروايات من كل حالم وحالمة لأن الجزية لا تجب على النساء ، والأصح عندنا أن الوجوب أول الحول لأن ما وجب بدلاً عنه لا يتحقق إلا في المستقبل فتعذر إيجابه بعد مضي الحول فأوجبناها في أوله ، وعن الشافعي أنها تجب في آخره اعتباراً بالزكاة .

وتعقبه الزيلعي بأنه لا يلزمنا الزكاة لأنها وجبت في آخر الحول ليتحقق النماء فهي لا تجب إلا في المال النامي ولا كذلك الجزية فالقياس غير صحيح ، واقتضى كما قال الجصاص في أحكام القرآن وجوب قتل من ذكر في الآية إلى أن تؤخذ منهم الجزية على وجه الصغار والذلة أنه لا يكون لهم ذمة إذا تسلطوا على المسلمين بالولاية ونفاذ الأمر والنهي لأن الله سبحانه إنما جعل لهم الذمة بإعطاء الجزية وكونهم صاغرين فواجب على هذا قتل من تسلط على المسلمين بالغضب وأخذ الضرائب بالظلم وإن كان السلطان ولاه ذلك وإن فعله بغير إذنه وأمره فهو أولى وهذا يدل على أن هؤلاء اليهود والنصارى الذين يتولون أعمال السلطان وأمرائه ويظهر منهم الظلم والاستعلاء وأخذ الضرائب لا ذمة لهم وأن دماءهم مباحة ولو قصد المسلم مسلماً لأخذ ماله أبيح قتله في بعض الوجوه فما بالك بهؤلاء الكفرة أعداء الدين .

وقد أفتى فقهاؤنا بحرمة توليتهم الأعمال لثبوت ذلك بالنص ، وقد ابتلى الحكام بذلك حتى احتاج الناس إلى مراجعتهم بل تقبيل أيديهم كما شاهدناه مراراً ، وما كل ما يعلم يقال فإنا لله وإنا إليه راجعون . هذا وقد استشكل أخذ الجزية من هؤلاء الكفرة بأن كفرهم هن أعظم الكفر فكيف يقرون عليه بأخذ دراهم معدودات .

وأجاب القطب بأن المقصود من أخذ الجزية ليس تقريرهم على الكفر بل إمهال الكافر مدة ربما يقف فيها على محاسن الإسلام وقوة دلائله فيسلم ، وقال الاتقاني : إن الجزية ليست بدلاً عن تقرير الكفر وإنما هي عوض عن القتل والاسترقاق الواجبين فجازت كإسقاط القصاص بعوض ، أو هي عقوبة على الكفر كالاسترقاق ، والشق الأول أظهر حيث يوهم الثاني جواز وضع الجزية على النساء ونحوهن . وقد يجاب بأنها بدل عن النصرة للمقاتلة منا ، ولهذا تفاوتت لأن كل من كان من أهل دار الإسلام يجب عليه النصرة للدار بالنفس والمال ، وحيث إن الكافر لا يصلح لها لميله إلى دار الحرب اعتقاداً أقيمت الجزية المأخوذة المصروفة إلى الغزاة مقامها ، ولا يرد إن النصرة طاعة وهذه عقوبة فكيف تكون العقوبة خلفاً عن الطاعة لما في النهاية من أن الخليفة عن النصرة في حق المسلمين لما في ذلك من زيادة القوة لهم وهم يثابون على تلك الزيادة الحاصلة بسبب أموالهم ، وهذا بمنزلة ما لو أعاروا دوابهم للغزاة . ومن هنا تعلم أن من قال : إنها بدل عن الإقرار على الكفر فقد توهم وهماً عظيماً .