{ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قُتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا ( 33 ) }
لا يسرف : أي : لا يتجاوز الحد المشروع فيه .
33- { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق . . . }
أي : لا تقتلوا النفوس التي حرم الإسلام قتلها إلا قتلا متلبسا بالحق .
لقد كرم الله الإنسان ؛ فحلقه بيده ونفح فيه من روحه وأسجد له الملائكة ، وسخر له ما في الكون وفضله على كثير من خلقه ، وحرم الله قتل الإنسان لأن الإنسان ، بنيان الله ، أحكم الله بناءه وأودع فيه الروح ووهبه الحياة وحرم إزهاق روح الإنسان والعدوان على حياته ، وجعل القتل من الكبائر بل هو من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله .
وقد تكرر التحذير من الزنا في القرآن أكثر من القتل من التحذير من القتل ؛ لأن الأول تدفع إليه الشهوة والرغبة ، فتكرر التحذير منه ، أما الإقدام على القتل فلا يوجد إلا لأسباب خاصة ، وقد أباح الدين القتل في ثلاثة مواضع :
1- القصاص : أي : قتل النفس بالنفس .
2- الزاني المحصن ، فعقبه الرجم .
3- المرتد الذي ترك دين الإسلام ورجع عنه .
روى الشيخان وغيرهما عن ابن مسعود أن رسول الله عليه وسلم قال : ( لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا بإحدى ثلاث : النفس بالنفس ، والثيب الزاني ، والتارك لدينه المفارق للجماعة ){[390]} .
فالإسلام شرع القصاص وجعله حياة للأمة والأفراد فقال سبحانه : { ولكم في القصاص حياة . . . } ( البقرة : 179 ) ؛ لأن الإنسان إذا علم أنه إذا قتل عدوه أو خصمه سيقتل بسبب ذلك ؛ كف عن هذا الاعتداء .
ولأن ولي المقتول إذا علم أنه سيؤخذ له بالثأر وستتكفل الدولة بالقصاص ؛ هدأت نفسه وسكنت ثورته ؛ وإلا لاندفع أولياء المقتول في قتال القاتل وأهله في ثورة غضبهم ، والقصاص حياة ، لأن كل فرد يؤمن على شخصه ويطمئن إلى عدالة القصاص فينطلق إلى عمله وإنتاجه فإذا الأمة كلها في الحياة .
وأما الثيب الزاني ؛ فلأنه جحد بنعمة الله ، وترك زوجته الحلال وانطلق يفسد في الأرض وينتهك ؛ الأعراض ويعرض النسل للقتل والضياع فاستحق القتل .
وأما المرتد فإنه يقتل ؛ لأنه اختار الإسلام برغبته ودخل في جسم الجماعة المسلمة واطلع على أسرارها فخروجه بعد ذلك عليها فيه تهديد لها ولو بقي خارجها من أول الأمر ما أكرهه أحد على الإسلام ، بل لتكفل الإسلام بحمايته إن كان من أهل الكتاب ، وبإجارته وإبلاغه مأمنه إن كان من المشركين ، وليس بعد ذلك سماحة للمخالفين في العقيدة .
والحديث النبوي بتمامه تفسير لقوله تعالى : إلا بالحق ، فقد حدد الحالات الثلاث التي يكون فيها القتل بالحق أي : بالعدل .
قال النيسابوري في تفسيره : ثم إنه دلت آية أخرى على حصول سبب رابع وهو قوله : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يُقَتَّلوا . . . } الآية . ( المائدة : 33 ) .
وقد أبدى الفقهاء أسبابا أخرى منها : أن تارك الصلاة يقتل عند الشافعي دون أبي حنيفة وكذا اللائط ، ومنها : الساحر إذا قال : قتلت فلانا بسحري ، وجوز بعضهم قتل من يمنع الزكاة .
والذين منعوا القتل في هذه الصور قالوا : الأصل حرمة القتل كما بيناه فلا يترك هذا الدليل إلا لمعارض أقوى لا أقل من المساوي وهو النص المتواتر{[391]} .
{ ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا } أي : ومن قتل بغير حق يوجب قتله ، جعلنا لمن يلي أمره من وارث أو سلطان عند عدم الوارث تسلطا واستيلاء على القاتل بمؤاخذته بأحد أمرين : إما القصاص منه وإما الدية لقوله تعالى : { كتب عليكم القصاص في القتلى . . . } الآية . ( البقرة : 178 ) . ولقوله عليه السلام يوم الفتح : ( من قتل قتيلا فأهله بين خيرتين ، إن أحبوا قتلوا ، وإن أحبوا أخذوا الدية ){[392]} .
{ فلا يسرف في القتل } . أي : فلا يتجاوز الحد المشروع فيه بأن يقتل اثنين مثلا بإزاء واحد كما كان يقع في الثأر الجاهلي الذي يأخذ فيه الآباء والإخوة والأبناء والأقارب بغير ذنب إلا أنهم من أسرة القاتل ، ويكون الإسراف كذلك بالتمثيل بالقاتل والوالي مسلط على دمه بلا مثلة والرسول صلى الله عليه وسلم قد نهى عنها .
{ إنه كان منصورا } . أي : إن الله أنصر الولي بأن أوجب له القصاص وأمر الحكام أن يعينوه على استيفاء حقه ، فلا ينبغي ما وراءه ولا يطمع في الزيادة على ذلك ، وقد يكون المعنى : أن المقتول ظلما منصور في الدنيا بإيجاب القود له على قاتله ، وفي الآخرة بتكفير خطاياه وإيجاب النار لقاتله{[393]} .
وهذه الآيات أول ما نزل من القرآن الكريم في شأن القتل ؛ لأنها مكية{[394]} .
قوله تعالى : { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا } .
ذلك نهي غليظ عن معصية فظيعة كبرى وهي قتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق . وحقها أن لا تقتل إلا بكفر بعد إسلام ، أو زنا بعد إحصان أو تقتل قودا بنفس ، وفي ذلك ورد في الصحيحين أن رسول الله ( ص ) قال : " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا بإحدى ثلاث : النفس بالنفس ، والزاني المحصن ، والتارك لدينه المفارق للجماعة " .
والأصل في قتل النفس التحريم . وإزهاق النفس بغير حق جريمة فظيعة لا يفوقها في البشاعة والنكر غير الإشراك بالله . وفي الحديث : " لزوال الدنيا عند الله أهون من قتل مسلم " والنفس المؤمنة ذات شأن وقدر عظيمين في ميزان الله . والله جل وعلا يجب أن يُعبد في الأرض حق العبادة . ومن عبدته المؤمنون من البشر الذين يؤمنون به إيمانا ويسبحون بحمده في كل آن ، ويذكرونه قياما وقعودا وفي كل الأحوال .
ذلكم هو الإنسان المؤمن الذي كتب الله أن يصان دمه فلا يُعتدى عليه أيما اعتداء . وما الاعتداء على المسلم بالقتل إلا ذروة العدوان الصارخ وقمة المعاصي والموبقات التي تودي بالمجرمين القتلة إلى جهنم وبئس المصير .
قوله : ( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا ) ( قتل مظلوما ) . أي قتل دون حق . وذلك بغير ما تبين من أسباب وهي القتل والزنا والردة . والولي من الولْي ، بسكون اللام ، ومعناه القرب . والمقصود ههنا : النسب الذي هو البعضية ؛ فكل من ينتسب إليه بنوع من أنواع البعضية فهو ولي .
واختلف العلماء في المراد بالولي ؛ فقد قيل : يراد به الوارث مطلقا ؛ فكل من ورث القتيل فهو وليه . واختلفوا في دخول النساء في الدم ؛ فقد قيل بدخولهن لعموم الآية . وقيل : بعدم دخولهن .
قوله : ( سلطانا ) معناه حجة ، يجوز له بمقتضاها قتل القاتل ؛ فهو بذلك إن شاء قتل ، وإن شاء عفا على الدية ، وإن شاء عفا مطلقا ؛ أي من غير دية ؛ وذلك لما صح عن رسول الله ( ص ) قال يوم فتح مكة : " ألا ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين : بين أن يقتل ، أو يأخذ الدية " على أن تشريع السلطنة لولي القتيل المظلوم على هذه الكيفية لهو أنف وأصلح للناس انسجاما مع فلسفة الإسلام المراعية للفطرة البشرية المختلفة لدى الناس . وهم ما بين راغب في انتقام لنفسه من الجاني ، أو راغب في ماله يأخذه دية عن قتيله وكفى ، أو راغب في عفو مطلقا . لكن التوراة لم تقرر غير القتل تشريعا لجناية القتل العمد . وعلى النقيض منها الإنجيل ؛ إذ لم يقرر القصاص ولا الدية . وإنما أوجب العفو مطلقا . فكل من الكتابين إنما يراعي صنفا من البشر دون الأصناف الأخرى . لكن شريعة الإسلام قد راعت كل أصناف البشر على اختلاف رغباتهم وطبائعهم وأهوائهم .
قوله : ( فلا يسرف في القتل ) أي لا يقتل غير قاتله ؛ فقد كان أهل الجاهلية إذ قتل رجل رجلا ، عمد ولي القتيل إلى الشريف من قبيلة القاتل فقتله بوليه وترك القاتل ؛ فنهى الله عن ذلك ؛ لأنه إسراف في القتل . وقيل : لا يقتل بدل وليه اثنين ، كما كانت العرب تفعله .
وقيل : لا يمثل بالقاتل . وقيل : كل ذلك إسراف منهي عنه .
قوله : ( إنه كان منصورا ) الهاء ، عائدة على القتل . وقيل : على الولي . وقيل : على المقتول . {[2680]} والراجح أنها عائدة على الولي ؛ لأنه أقرب مذكور ، ولأنه ولي دم المقتول ، وقد سلطه الله على القاتل الظالم ، فليكتف بهذا القدر فإنه يكون فيه منصورا ولا ينبغي أن يطمع فيما هو أكثر{[2681]} .