{ وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدى محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب( 196 ) }
الحصر والإحصار : الحبس والتضييق ، يقال حصره عن السفر وأحصره إذا حبسه ومنعه .
الهدى : يطلق على الواحد والجمع وهو ما يهديه الحاج والمعتمر إلى البيت الحرام من النعم ليذبح ويفرق على الفقراء .
المحل : ( بكسر الحاء ) مكان الحلول والنزول .
حاضروا المسجد الحرام : هم أهل مكة وما دونها إلى المواقيت .
أتموا الحج والعمرة خالصين لله بعيدين عن الرياء .
فإن منعتم من إتمامها وأنتم محرمون فعليكم إذا أردتم التحلل أن تذبحوا ما تيسر لكم من الهدى ولا تتحللوا من إحرامكم بالحلق حتى تعلموا أن الهدى المبعوث قد بلغ مكانه الذي يجب أن يراق فيه دمه وهو الحرم .
ومن كان مريضا أو به جروح ولا يستطيع التمسك بالإحرام ومقضياته فإنه يحلق رأسه وعليه فدية هي صيام ثلاثة أيام أو ذبح شاة أو التصديق بفرق على ستة مساكين ( الفرق مكيال بالمدينة يزن ستة عشر رطلا ) .
فإذا زال الخوف من العدو فمن أتم العمرة وتحلل وبقي متمتعا إلى زمن الحج ليحج من مكة فعليه دم ( يذبح شاة أو يشترك مع سبعة في ذبح جمل أو بقرة ) .
فإذا لم يجد ثمن الهدى فعليه أن يصوم ثلاثة أيام قبل يوم عرفة ، وسبعة أيام إذا رجع إلى بلده .
إلا إذا كان من أهل مكة ، لأنهم يستطيعون أداء العمرة في جميع أيام السنة ، ولذلك يفردون الحج ولا يضمون إليه العمرة .
تعتبر هذه الآية وما بعدها من اجمع الآيات التي وردت في القرآن الكريم مبينة ما يتعلق بأحكام الحج وآدابه ، ويفترق الحج عن العمرة في عدة أشياء هي :
1 . الحج فريضة مرة في العمر لمن استطاع إليه سبيلا .
أما العمرة فهي سنة مؤكدة عند الحنفية والمالكية وفرض عند الشافعية والحنابلة .
2 . الحج له وقت معين يؤدى فيه من السنة . أما العمرة فتؤدى في أي وقت من أوقات السنة .
3 . ليس في العمرة وقوف بعرفة ، ولا نزول بمزدلفة ، ولا رمي جمار ، ولا جمع بين الصلاتين ، ولا طواف قدوم .
4 . ميقات العمرة الحل لجميع الناس ، وميقات للمكي الحرم .
- التحلل من الإحرام بالحلق أو التقصير .
- المبيت في منى الليلة التالية .
- رمي الجمار 49 حصاة أو 70 حصاة .
{ وأتموا الحج والعمرة لله . . . }
أي أتموا هذين النسكين خاصين لوجه الله . وقد كانت العرب تقصد الحج للاجتماع والتظاهر والتفاخر وقضاء الحوائج وحضور الأسواق دون أن يكون الله تعالى فيه حظ يقصد ، ولا قرابة تعتقد ، فأمر الله المسلمين أن ينزهوا عبادتهم عن الأفعال القبيحة والأقوال السيئة ، وأن يخلصوا أداءها لله .
والتجارة لا تنافي الإخلاص إذا لم تقصد لذاتها .
بدليل قوله تعالى : { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } . ( البقرة : 198 )
وأول حجة حجها المسلمون كانت سنة تسع بإمرة أبى بكر رضي الله عنه وكانت تمهيدا لحجة النبي صلى الله عليه وسلم سنة عشر ، وفيها أخبر أبو بكر المشركين الذين حجوا ألا يطوف بعد هذا العام مشرك ، ونزلت الآية : إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا . ( التوبة : 28 ) .
{ فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي . . . }
أي إن منعتم وأنتم محرمون من إتمام النسك بسبب عدو أو مرض أو نحوهما وأردتم أن تتحللوا فعليكم تقديم ما تيسر لكم من الهدى إبلا أو بقرا أو غنما أو معزا .
يذبحه المحصر عند الأكثرين حيث أحصر لأنه صلى الله عليه وسلم ذبح بالحديبية ، لما أحصر فيها وهي من الحل .
وعند أبو حنيفة رحمه الله يبعث به إلى الحرم ، ويتفق مع من بعثه على يوم يذبح فيه فإذا جاء اليوم وظن أنه ذبح تحلل ، لقوله تعالى : { ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله } .
وبعض العلماء كالشافعية والمالكية يرون ن المراد بالإحصار في الآية ما كان بسبب عدو ، كما حدث للمسلمين في الحديبية ، أما إذا كان الإحصار بسبب مرض ، فإن الحاج أو المعتمر على إحرامه حتى يبرأ من مرضه ثم يذهب إلى البيت فيطوف به سبعا ويسعى بين الصفا والمروة ، وبهذا يتحلل من عمرته أو حجه ، ولا يتحلل بالذبح عندهم لا يكون إلا في حالة الإحصار بسبب العدو .
أما الأحناف فيرون أن الإحصار سواء أكان بسبب عدو أو مرض أو ما يشابههما فإنه يسيغ التحلل بالذبح إذ الآية عندهم تعم كل منع ، وعلى من أحصر أن يقضي الحج أو العمرة فيما بعد .
ومن لا هدلا معه وقت الإحصار ولا قدرة له عليه ، ثم أهدى عندما يقدر عليه ، نقله القرطبي عن الشافعي ، ويرى بعض الفقهاء إن المحصر بعدو لا يجب عليه القضاء وله ثواب الفريضة ، بأن لم يسبق له حج ولا عمرة ، وإلا وجب عليه أداؤها عندما يستطيع .
{ ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله . . . }
أي لا تتحللوا من إحرامكم بالحلق حتى تعلموا أن الهدى المبعوث قد بلغ مكانه الذي يجب أن يراق فيه دمه وهو الحرم .
وهذا رأي الأحناف ، فقد قرروا أن المراد بالمحل البيت العتيق فهو اسم مكان لأن الله عو وجل قال في آية أخرى : ثم محلها إلى البيت العتيق . ( الحج : 33 ) .
وعليه فلا يجوز للمحصر أن يحلق ويتحلل إلا بعد أن يصل الهدى الذي يرسله إلى البيت الحرام ويذبح .
أما جمهور الفقهاء فيرون أن محل الهدى للمحصر هو المكان الذي فيه الإحصار ، دليلهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نحر هو وأصحابه هديهم بالحديبية وهي ليست من الحرم ، وذلك عندما منعه المشركون من دخول مكة .
قال الإمام الرازي : ومنشأ الخلاف البحث في تفسير هذه الآية ، فقد قال الشافعي وغيره : المحل في هذه الآية اسم للزمان الذي يحصل فيه التحلل : وقال أبو حنيفة : إنه اسم للمكان( 104 ) .
{ فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } .
يجب على المحرم إذا كان صحيحا ألا يخلع ملابس الإحرام ولا يحلق شعره أو يقصه طول مدة الإحرام ، فإن كان مريضا بمرض يحوجه إلى الحلق فله أن يلبس ملابسه العادية ، ويؤدي الفدية عن ذلك ، ومن كان برأسه أذى من حشرات أو جروح يستدعي علاجه أن يحلق ، حلق وفدى . والفدية هنا صوم ثلاثة أيام ، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين صاع من الطعام أو ذبح شاة وتوزيعها على الفقراء .
وعن ابن عباس في قوله : { من صيام أو صدقة أو نسك } . قال : إذا كان أو فأية أخذت أجزءا عنك ، قال ابن أبى حاتم ، وروى عن مجاهد وعكرمة وعطاء وغيرهم نحو ذلك ، قلت وهو مذهب الأئمة الأربعة وعامة العلماء أنه يخير في هذا المقام :
إن شاء صام وإن شاء تصدق بفرق( 105 ) ، وهو ثلاثة أصع لكل مسكين نصف صاع ، وهو مدان وإن شاء ذبح شاة وتصدق بها على الفقراء أي ذلك فعل أجزأه( 106 ) .
{ فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي } .
أي فإذا تمكنتم من أداء مناسك الحج ثم تحلل من إحرامه وتمتع بحظ الروح في العمرة وبحظ الجسد في التحلل من الإحرام . ثم أحرم بالحج يوم التروية وهو الثامن من ذي الحجة وأدى مناسك الحج فعليه ما استيسر له الحصول عليه من الأنعام سواء الإبل أو البقر أو الغنم أو المعز يذبحه جبرا للتمتع عند قوم أو شكر لله عليه عند آخرين ، حيث تقرب إلى الله بالعمرة ، قبل أن يتقرب إليه بالحج .
ويذبح الهدى يوم النحر ويأكل كل منه كالأضحية لأنه دم شكران على نعمة التمتع فأجاز أبو حنيفة الأكل منه .
وذهب الشافعي إلى أن التمتع فيه تقصير والهدى لجبر هذا التقصير ، ولهذا لا يأكل منه صاحبه عند الشافعي .
{ فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم }
أي فمن لم يجد الهدى لعدم وجوده ، أو عدم المال الذي يشتري به . فعليه صيام ثلاثة أيام في أيام الإحرام بالحج .
وقد جعل سبحانه الصيام بدلا من الهدى زيادة في الرخصة والرحمة وزيادة في الرفق والتيسير ، فقد جعله على مرحلتين إحداهما تكون في وقت الحج ، ويفضل كثير من الفقهاء أن يصوم سادس ذي الحجة وسابعه وثامنه ، وثانيتهما تكون بعد الرجوع إلى أهله حيث يطمئن ويستقر فيصوم سبعة أيام .
أي هذه الأيام الثلاثة ، والأيام السبعة عشرة كاملة ، ووصفها بالكمال للتأكيد كما تقول العرب رأيت بعيني ، وسمعت بأذني وكتبت بيدي( 107 ) .
وقال الحسن ، كاملة في الثواب كمن أهدى ، وقيل كاملة في البدل عن الهدى يعني العشرة كلها بدل عن الهدى ، وقيل لفظها لفظ الإخبار ومعناها الأمر أي أكملوها فذلك فرضها( 108 ) .
{ ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام }
أي أن أهل الآفاق هم الذين يحتاجون إلى هذا التمتع لما يلحقهم مكن المشقة بالسفر إلى الحج وحده ثم العمرة وحدها ، أما أهل الحرام فليسوا في حاجة إلى ذلك ، فلا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام ، لأن في إمكانهم أداء العمرة طول العام .
{ واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب }
ختم الآية بعد ذكر أحكامها بطلب التقوى جريا على النسق المطرد في آيات الأحكام السابقة .
أي راقبوا الله وحافظوا على امتثال أوامره والانتهاء عن نواهيه .
واعلموا أن شديد العقاب : أي لمن خالف أمره وانتهك حرماته وركب معاصيه .
قوله تعالى : ( وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا آمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب ) .
إتمام الحج والعمرة أي أداؤهما وإقامتهما على خير وجه من تمام النسك والإخلاص لله .
والعمرة من الاعتمار بمعنى الزيارة . وهي مفرد وتجمع على عمر وعمرات{[265]} .
ومن حيث المعنى الشرعي فهي الحج الأصغر ، وهي ركنها الطواف والسعي وشرطها بينهما وبين الحج في إحرام واحد ، فقد ثبت أن النبي ( ص ) جمع في إحرامه بحج وعمرة{[266]} . وثبت عنه كذلك في الصحيح أنه قال لأصحابه : " من كان معه هدي فليُهل بحج وعمرة " وعنه ( ص ) أنه قال في الصحيح : " دخلت العمرةُ في الحج إلى يوم القيامة " .
أما العمرة من حيث حكمها الشرعي فهي موضع خلاف . فقد ذهب فريق من أهل العلم وفيهم ابن عباس وعطاء وطاووس ومجاهد والحسن البصري وابن سيرين وسعيد بن جبير والشافعي وأحمد وإسحاق إلى أنها واجبة . واحتجوا لذلك بحديث مرفوع عن محمد بن سيرين عن زيد بن ثابت قال : قال رسول الله ( ص ) : " إن الحج والعمرة فريضتان لا يغُرّك بأيهما بدأت " واحتجوا كذلك بظاهر قوله تعالى : ( وأتموا الحج والعمرة لله ) فقد أوجب إتمامها مثلما أوجب إتمام الحج ، وذلك تكليف بالشيء فهو واجب لا سنة .
وذهب آخرون وهم الحنفية ومالك والنخعي إلى أن العمرة سنة وليست واجبا مستدلين لذلك بما ذكر عن جابر بن عبد الله قال : سأل رجل رسول الله ( ص ) عن الصلاة والزكاة والحج : أواجب هو ؟ قال : " نعم " فسأله عن العمرة : أواجبة هي ؟ قال : " لا وأن تعتمر خير لك " .
أما الآية فقد ردوا الاحتجاج بها على فرضية العمرة وقالوا أن الله سبحانه وتعالى إنما قرنها بوجوب الإتمام لا في الابتداء . أي أن الآية جاءت للإلزام بالإتمام لا للإلزام بالابتداء وهذا هو الراجح والله أعلم{[267]} .
وقوله : ( فإن حضرتم فما استيسر من الهدى ) جاء في هذه الآية أنها نزلت عام الحديبية سنة ست عندما حيل بين النبي ( ص ) وبلوغ البيت الحرام لأداء العمرة .
فرخص الله للمسلمين يومئذ أن يذبحوا ما معهم من هدي وكان سبعين بدنة ، وأن يحلقوا رؤوسهم ، وأن يتحللوا من إحرامهم .
والإحصار لغة معناه المنع والحبس . حصره العدو أو المرض ، وأحصره ، بمعنى منعه أو حبسه{[268]} . والمحصر من حيل بينه وبين بلوغ البيت الحرام لسبب من عدو أو جور سلطان أو مرض .
لكن العلماء اختلفوا في تعيين حقيقة المانع الذي تكون به الرخصة للإحصار . وذلك على قولين . أولهما : أنه العدو خاصة وهو قول جماعة فيهم ابن عباس وابن عمر وأنس والشافعي فقد ذهب هؤلاء إلى أن الحصر يختص بالعدو فلا يتحلل من إحرامه إلا من حصره عدو وليس غيره .
وثانيهما : أن الحصر عام فهو يتناول كل سبب يمنع من الوصول إلى البيت سواء في ذلك العدو أو المرض أو الضلال في الطريق أو غير ذلك من أسباب . وهو ما ذهب إليه بعض السلف منهم ابن مسعود وابن الزبير وسعيد بن المسيّب وعروة بن الزبير ومجاهد وآخرون غيرهم . وهو ما نرجحه استنادا إلى عموم المدلول لمفهوم الإحصار الذي يتناول جملة العوائق أو الأعذار دون تخصيص . ولما روي عن الرسول ( ص ) قوله : " من كُسر أو وُجع أو عرج فقد حلّ وعليه حجة أخرى " .
وعلى العموم فإن المحصر الذي منعه من بلوغ البيت مانع سواء كان عدوا أو غيره- يتحلل من إحرامه حيث أحصر ثم ينحر هديه ويحلق رأسه . وقيل : يبعث بهديه إلى الحرام إن أمكن ذلك . فإذا بلغ الهدي محلّه صار المحصر حلالا . أي تحلل من إحرامه بمجرد بلوغ الهدي محلّه{[269]} .
وثمة خلاف آخر حول وجوب القضاء على من أحصر . فذهب مالك والشافعي إلى أن من أُحصر بعدو فلا قضاء عليه سواء في الحج أو العمرة ، شريطة أن يكون قد حج الفريضة قبلها ، أو اعتمر عند من أوجبها إيجابا ، فإن حج أو اعتمر قبلها فما عليه من قضاء . وذهب أبو حنيفة إلى أن المحصور بمرض أو عدو عليه حج أو عمرة من قابل أو في وقت يزول فيه الإحصار{[270]} .
وقوله : ( فما استيسر من الهدي ) ما اسم موصول في محل رفع مبتدأ وخبره محذوف تقديره عليكم . والجملة الفعلية بعده صلة الموصول لا محل لها من الإعراب . وقيل ما في محل نصب مفعول به لفعل محذوف تقديره انحروا او اهدوا . والهدْي ما يُهدى إلى بيت الله من بهيمة الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم .
ومعنى الآية : انحروا مما كان في ميسوركم من بهيمة الأنعام سواء كان ذلك من الشياه أو الأبقار أو الإبل . وبذلك فإن الشاة مما استيسر من الهدي وأنها تجزئ . وذلك الذي عليه جمهور العلماء . وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت : أهدي النبي ( ص ) مرة غنما .
وفي قول آخر لابن عمر وعائشة وابن الزبير بأنه لا يجزئ في الهدي من الأنعام للمحصر إلا من الإبل والبقر فقط ، ولا يكون الهدي من الشياه . والقول الأول هو الراجح ؛ نظرا للدليل من السنّة الذي ساقه الجمهور واستنادا إلى الظاهر من الآية وهو أن يقدم المحصر ما تيسر له من الأنعام وقد لا يتيسر له غير الشاة في هذه الحال{[271]} .
قوله : ( ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله ) المخاطب بذلك من كان حاجا أو معتمرا سواء كان محصرا أو غير محصر فليس له أن يحلق إلا بعد أن يبلغ هديه موضعه ، وموضع الهدي بالنسبة للمحصر هو موضع إحصاره الذي لا يستطيع مجاوزته إلى البيت العتيق ، كالذي فعله النبي ( ص ) وأصحابه بعد أن صدتهم قريش عن بلوغ البيت عام الحديبية فنحروا ثم حلقوا . وهكذا الحاج أو المعتمر إذا كان في حالة من الإحصار فإنه لا يتحلل من إحرامه بالحلق إلا بعد أني نحر الهدْي في محلّه الذي وقع عليه فيه الإحصار .
وأما موضع الهدْي بالنسبة لغير المحصر فهو البيت العتيق ، فليس له أن يتحلل من إحرامه بالحلق إلا بعد نحره للهدي في محل وهو البيت ؛ لقوله تعالى : ( ثم محلها إلى البيت العتيق ) وذلك في حق الآمن غير المحصر{[272]} .
وقوله : ( فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) .
جاء في سبب نزول هذه الآية ما روي عن كعب بن عجرة أنه كان مع رسول الله ( ص ) فآذاه القمل في رأسه ، فأمره رسول الله ( ص ) أن يحلق رأسه وقال : " صم ثلاثة أيام ، أو أطعم ستة مساكين مدّين مدّين لكل إنسان ، أو انسك شاة ، أي ذلك فعلت أجزأ عنك " . يستفاد من هذا أن الحاج أو المعتمر في حال الإحرام إذا أصابه في رأسه سوء أو مرض ونحوه مما يؤذيه ويسبب له المضايقة والحرج جاز له أن يحلق رأسه فيُذهب الشعر حيث المرض أو التفث أو الأذى على أن يفتدي بأي الأشياء الثلاثة المذكورة في الآية . وهي إما صيام أيام ثلاثة ، أو إطعام ستة مساكين لكل واحد منهم مدّان ، او تقديم نسك وهو شاة . ولا يشترط في هذه الأشياء الثلاثة الترتيب ، بل للمعذور الرخصة في اختيار منها ما يشاء فورودها في الآية لا يفهم منه الترتيب ، بل التخيير ويعزز ذلك الحديث الذي ذكرناه " أي ذلك فعلت أجزأ عنك " .
وقوله : ( فإذا آمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ) إذا ذهب الخوف وزال الإحصار وأصبحتم آمنين ثم فرغتم من القران أو التمتع فعليكم أن تذبحوا ما أمكنكم من الهدي وأقّله شاة . ويؤخذ من هذه الآية تشريع الإحرام بأقسامه الثلاثة : الإفراد والقِران والتمتع . فمن أحرم بالحج وحده كان مفردا ، ومن احرم بالعمرة والحج معا كان قارنا ، ومن أحرم بالعمرة فتحلل منها بعد أدائها ثم أحرم بعد ذلك بالحج في موعده من نفس العام والشهر كان متمتعا . وذلك جائز كله بالإجماع . وأخرج مسلم في صحيحه عن السيدة عائشة قالت : خرجنا مع رسول الله ( ص ) فقال : " من أراد منكم أن يهلّ بحج وعمرة فليفعل ، ومن أراد أن يُهل بحج فليهلّ ، ومن أراد أن يهلّ بعمرة فليهلّ " قالت عائشة : فأهلّ رسول الله ( ص ) بحج ، وأهلّ به ناس معه ، وأهلّ ناس بالعمرة والحج . وأهلّ ناس بعمرة وكنت فيمن أهلّ بالعمرة .
أما التمتع بالعمرة إلى الحج الوارد في الآية فهو على وجهين :
أولهما : التمتع المعلوم الذي أجمع عليه العلماء ، وهو المراد بقوله سبحانه : ( فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ) وكيفيته أن يحرم المسلم بعمرة في أشهر الحج على ألا يكون من أهل مكة ، فإذا قدم مكة واعتمر تحلل من إحرامه وظل مقيما حلالا بمكة حتى موعد الحج فيؤدي مناسكه قبل خروجه إلى بلده كما سنبينه .
ثانيهما : القِران : وكيفيته أن يجمع بين العمرة والحج في إحرام واحد فيهلّ بهما جميعا ويقول حين التلبية : لبيك اللهم بحجة وعمرة معا ، فإذا قدم مكة طاف بالحجة والعمرة طوافا واحدا وسعى سعيا واحدا . وذلك الذي ذهب إليه مالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور ، وهو مذهب كثير من الصحابة والتابعين . واستدلوا على ذلك بما أخرجه البخاري من حديث النبي ( ص ) لعائشة : " يسعك طوافك لحجك وعمرتك " وفي رواية أخرى : " يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك " .
وذهب آخرون وفيهم أبو حنيفة والثوري والأوزاعي إلى أن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين . واستدلوا لذلك بحديث عن علي كرم الله وجهه أنه جمع بين الحج والعمرة فطاف لهما طوافين ، وسعى لهما سعيين ، ثم قال : هكذا رأيت رسول الله ( ص ) فعل .
أما أن يسمى القران تمتعا ؛ فذلك لأن القارن يتمتع بترك السفر وما يتخلله من تعب مرتين . واحدة للعمرة وأخرى للحج فهو إذا متمتع ببحبوحة الاختصار في السفر من مرتين إلى واحدة ويجمعهما معا في إحرام واحد . هذا وجه من التمتع يستفاد من قوله سبحانه : ( فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ) {[273]} .
وقوله : ( فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ) . المتمتع بالعمرة إلى الحج إذا لم يجد هديا لعدم المال أو لعدم البهيمة نفسها ، فإن عليه صيام عشرة أيام . الثلاثة الأولى منها في الحج ، والسبعة الأخرى إذا رجع إلى أهله وبلده ، واختلفوا في موعد الأيام الثلاثة الأولى . فقد ذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن المتمتع الذي لا يجد هديا يصوم اليوم الذي قبل يوم التروية ثم يوم التروية نفسه ثم يوم عرفة فتلك أيام ثلاثة ، وذهب الشافعي وأحمد بن حنبل إلى صيامهن ما بين الإهلال بالحج إلى يوم عرفة . وقال الثوري والأوزاعي : له صيامهن من أول أيام العشر من ذي الحجة . وقيل : يصومها مادام بمكة في أيام منى وقيل غير ذلك .
ويبقى في ذمته صيام أيام سبعة أخرى . وقد رخص الله له في الآية أن يصومها إذا رجع إلى وطنه ، فقال سبحانه في ذلك : ( وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ) ذلك تأكيد على اكتمال الأيام لتكون عشرة . وهو كقول تعالى : ( ولا طائر يطير بجناحيه ) .
وقوله : ( ذلك لمن لم يكن اهله حاضري المسجد الحرام ) اسم الإشارة عائد على وجوب الدم على التمتع . ويراد به الغريب الذي ليس من أهل مكة . أما أهل مكة فإنهم لا متعة لهم وهو ما يفهم ظاهرا من الآية . فقد ذكر عن ابن عباس أنه كان يقول : يا أهل مكة ، لا متعة لكم أحلّت لأهل الآفاق وحرمت عليكم ، وإنما يقطع أحدكم واديا أو قال : يجعل بينه وبين الحرم واديا ثم يهل " بعمرة . على أنه يمكن تحديد مكان يكون ما دونه داخلا في الحرم ( مكة ) وما كان بعده خارجا من نطاق الحرم . وتحديد ذلك بالمواقيت التي جعلت للحجاج والمعتمرين ليبدأوا منها إحرامهم . وعلى هذا فمن كان أهله دون المواقيت فهو كأهل مكة ليس له أن يتمتع . ومن كان أهله وراء المواقيت كان غريبا عن مكة فله أن يتمتع{[274]} .