تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَثَلِ رِيحٖ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتۡ حَرۡثَ قَوۡمٖ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَأَهۡلَكَتۡهُۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِنۡ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ} (117)

117- مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون }

المفردات :

حرث قوم : زرعهم .

صر : برد شديد .

التفسير :

قال أكثر المفسرين : الصر : البرد الشديد .

وفي الصحاح : الصر بالكسر برد يضر بالنبات والحرث .

وقيل الصر : السموم الحارة وعن ابن عباس فيها صر أي نار وعلى القولين الغرض من التشبيه حاصل سواء كان بردا مهلكا أو حرا محرقا65 .

وقوله تعالى : { إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا } . . { شيئا } منصوب على أنه مفعول أي لن تغني عنهم أموالهم ولا أوالدهم شيئا من الإفناء والدفع وتنكير شيئا للتقليل .

وفي تفسير ابن كثير " صر " أي برد شديد وقال عطاء برد وجليد أو فيها صر أي نار وهو يرجع إلى القول الأول فإن البرد الشديد ولاسيما الجليد يحرق الزرع والثمار كما يحرق الشيء بالنار .

وترسم الآية مشهدا حسيا ينبض بالحركة يصور ضياع أعمال الكافرين وذهاب ما ينفقون في حياتهم الدنيا من أموال .

قال النيسابوري : والظاهر ان الضمير في ينفقون عائد إلى جميع الكفار وذلك أن إنفاقهم إما ان يكون لمنافع الدنيا فلا يبقى له أثر في الآخرة في حق المسلم فضلا عن الكافر وإما ان يكون لمنافع الآخرة فالكفر مانع عن الانتفاع به ولعلهم كانوا ينفقون في الخيرات كالإحسان إلى الضعفاء والأرامل راجين خيرا كثيرا في المعاد لكنهم إذا قدموا الآخرة رأوا كفرهم مبطلا لآثار تلك الخيرات فكان كمن زرع زرعا وتوقع منه نفعا كبيرا فأصابته جائحة فلا يبقى معه إلا الحزن والأسف .

ولعلهم كانوا ينفقون فيما ظنوه خيرا وهو معصية كإنفاق الأموال في إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم وفي تخريب ديار المسلمين .

ولا يبعد أيضا تفسير الآية بخيبتهم في الدنيا فإنهم أنفقوا أموالا كثيرة في تجهيز الجيوش والإغارة على المسلمين وتحملوا المتاعب ثم انقلب الامر عليهم واظهر الله الإسلام وأعز أهله فلم يبق مع الكفار من ذلك الإنفاق إلا الحيرة والحسرة وقيل المراد بالإنفاق ههنا هو جميع أعمالهم التي يرجون الانتفاع بها في الآخرة66 .

وجاء في ظلال القرآن :

( وتنظر فإذا نحن أمام حقل تهيأ للإخصاب ثم إذا العاصفة تهب إنها عاصفة باردة ثلجية تحرق هذا الحرث بما فيها من صر واللفظة ذاتها كأنما هي مقذوف يلقى بعنف فيصور معناه بجرسه النفاذ وإذا الحرث كله مدمر خرب .

إنها لحظة تم فيها كل شيء تم فيها الدمار والهلاك وإذا الحرث كله يباب . . . ذلك مثل ما ينفق الذين كفروا في هذه الدنيا ومثل ما بأيديهم من نعم الأموال والأولاد . . كله إلى هلاك وفناء دون متعة حقة ودون ما جزاء67 .

وقوله تعالى : { أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته } أي أصابت زرع قوم ظلموا أنفسهم بالكفر وارتكاب المعاصي فدمرته وأهلكت ما فيه من ثمار وهم أحوج ما يكونون إلى هذا الزرع وتلك الثمار .

وما ظلمهم الله . بإحباط الأجر وذهاب الثواب على ما أنفقوا ولكن أنفسهم يظلمون ولكنهم هم الذين ظلموا أنفسهم بإيثارهم الكفر على الإيمان أو بترك النظر في الآيات البينات بعدما ظهرت لهم او بالجحود بعد النظر ونهوض الحجة68 .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَثَلِ رِيحٖ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتۡ حَرۡثَ قَوۡمٖ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَأَهۡلَكَتۡهُۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِنۡ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ} (117)

قوله تعالى : ( إن الذين كفروا لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكناهم وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون )

بعد أن بين الله حال المؤمنين من أهل الكتاب وما أعده لهم من الخير وحسن الجزاء ، توعد الله الآخرين الفاسقين من أهل الكتاب الذين كفروا بدعوة الإسلام وبنبوة محمد صلى الله عليه و سلم توعدهم بأن أموالهم وأولادهم لن تنفعهم في الآخرة ولن تدفع عنهم عذاب الله في هذا اليوم العصيب .

ولئن حسب الإنسان أن بماله وولده ناج من البلايا والنوائب لما يجد في ذلك من عون له على دفع ما يصيبه من مكروه ، أو حسب وهو يحوطه المال والولد أنه يتفيأ ظلال الأمن والرخاء فلا يعتوره بعد ذلك هم ولا قلق ، لئن كان كذلك فلا ريب أنه موغل في الوهم والغفلة ، وسادر في الغي وهوان التفكير . إن ذلكم الخاسر لسوف تحيط بهم القواصم الفواقر وهو موقوف على ربه ليناقش الحساب . وإذ ذاك يغيب عنه الأعوان والأموال ويذهل عنه الصحب والخلان فلا يبرح حتى يهوي في النار مع الخالدين .

أما ما ينفقه الكافرون من أموال في وجوه الخير والإصلاح والتعمير بما ينفع الناس فلا جرم أن ذلك كله في ميزان الله باطل وحابط . ولئن كان في إنفاقهم ما يجر للناس نفعا كبناء الجسور وإصلاح الطرقات وإطعام الجياع وإغناء العالة والمحاويج فليس لذلك أيما اعتبار أو قيمة ما دام هؤلاء المنفقون سادرين في الكفر ؛ إذ لا يقبل الله من الكافرين أعمالهم ، بل إنهم في زمرة الخاسرين الذين خسروا أنفسهم يوم القيامة . وقد شبه الله إنفاقهم وأعمالهم التي أتى عليها الحبوط برزع قد عصفت به ريح شديد هو جاء فيها صرّ يصرّ صريراً أي صاح صياحا شديدا ، والصرة بالفتح تعني الصيحة{[570]} . وقيل : الصر بمعنى النار الحارقة وإنما وصف بأنها صر لتصويتها عند الالتهاب .

وتقدير الكلام أن إنفاق الكافرين والمنافقين لا وزن له ولا قيمة ، بل إن ما أنفقوه أشبه بريح باردة أو حارقة أصابت زرع قوم ظلموا أنفسهم بالكفران والضلال فأهلكته إهلاكا . وتلك عاقبة المجرمين الذين لم يظلمهم الله ولكنهم ظالمون لأنفسهم بإيرادها في الكفر والحبوط وضلال الأعمال ، وهذا هو مقتضى قوله تعالى : ( مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون ) .


[570]:- القاموس المحيط جـ 2 ص 71