تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (139)

139- { ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الأعلون إن كنتم مؤمنين }

المفردات :

تهنوا : تضعفوا .

الأعلون : المتفوقون بالدين الظاهرون على العدو .

التفسير :

( الوهن ) هو الضعف واصله ضعف الذات قال تعالى حكاية عن زكريا : قال رب إني وهن العظم مني . . . ( مريم4 ) . أي ضعف جسمي وهو هنا مجاز عن خور العزيمة وضعف الإرادة وانقلاب الرجاء يأسا والشجاعة جبنا واليقين شكا ولذلك نهوا عنه .

والحزن ألم نفسي يصيب الإنسان عند فقد ما يحب أو عدم إدراكه او عند نزول أمر يجعل النفس في هم وقلق .

والقرآن هنا يأسو جراحهم ويمسح أحزانهم ويبعث في نفوسهم القوة والعزيمة والأمل والرجاء فيقول لهم :

لا تضعفوا ولا تجبنوا ولا تيأسوا من رحمة الله وفضله ولا تحزنوا لما أصابكم من جراح وآلام وقتلى .

وانتم الأعلون . عقيدتكم أعلى من عقيدتهم ومكانكم في الأرض أعلى فلكم وراثة الأرض التي وعدكم الله .

{ إن كنتم مؤمنين } جملة شرطية وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله .

أي إن كنتم مؤمنين حقا فلا تهنوا ولا تحزبوا بل اعتبروا بمن سبقكم ولا تعودوا لما وقعتم فيه من أخطاء فإن الإيمان يوجب قوة القلب وصدق العزيمة والصمود في وجه الأعداء والإصرار على قتالهم حتى تكون كلمة الله هي العليا .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (139)

قوله تعالى : ( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتهم الأعلون إن كنتم مؤمنين إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون ) .

قال ابن عباس في سبب نزول هذه الآية : انهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم أحد . فبينما هم كذلك إذ أقبل خالد بين الوليد بخيل المشركين يريد أن يعلو عليهم الجبل . فقال النبي صلى الله عليه و سلم : " اللهم لا يعلون علينا ، اللهم لا حول ولا قوة لنا إلا بك ، اللهم ليس بعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر " فأنزل الله تعالى هذه الآيات . وثاب نفر من المسلمين رماة فصعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى هزموهم . فذلك قوله : ( وأنتم الأعلون ) .

وقوله : ( إن يمسسكم قرح ) جاء في سبب نزولها أنه لما انصرف رسول الله صلى الله عليه و سلم كئيبا حزينا يوم أحد ، جعلت المرأة تجيء بزوجها وابنها مقتولين وهي تلدم{[593]} فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " أهكذا يفعل برسولك ؟ " فأنزل الله : ( إن يمسسكم قرح ) .

وقوله : ( وما محمد إلا رسول ) جاء في سبب نزولها أنه لما كان يوم أحد انهزم الناس ، فقال بعض الناس : قد أصيب محمد فأعطوهم بأيديكم ، فإنما هو إخوانكم . وقال بعضهم : إن كان محمد أصيب ألا تمضون على ما مضى عليكم نبيكم حتى تلحقوا به فأنزل الله تعالى في ذلك ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ) {[594]} .

بعد ذلك نقول : إن الله تعالى يعزي المؤمنين ويسرّي عنهم بما يكفكف عنهم نائبة الحزن والاغتمام فيقول : ( ولا تهنوا ولا تحزنوا ) أي لا تضعفوا ولا يمسنكم الخور أو العجز والفشل ، ولا يقعدنكم الحزن عن جهاد أعدائكم ( وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ) وهذه بشارة لهم بالعلو والغلبة . أي وأنتم الأعلون في العاقبة أي الغالبون ، ( إن كنتم مؤمنين ) : أي إن كنتم مصدقين بما يعدكم الله ويبشركم به من الغلبة .


[593]:- تلدك، من اللدم، بسكون الدال، وهو اللطم والضرب بشيء ثقيل يسمع وقعه. والتدم أي اضطرب والمرأة ضربت صدرها في النياحة. انظر القاموس المحيط جـ 4 ص 177.
[594]:- أسباب النزول للنيسابوري . ص 82، 83