{ لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ، وإذا أخذ الله ميثاق الذين أتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون }
لتبلون في أموالكم وأنفسكم : لتختبرن فيها ببعض الإصابة ببعض البلايا .
من عزم الأمور : من الجد في الأمور ، مأخوذ من عزم الأمر ، أي جد فيه .
186- { لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتستمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور } .
أي والله لتختبرن وتمتحنن في أموالكم بالفقر والمصائب وفي أنفسكم بالشدائد والأمراض والجراح والآلام ولتسمعن من اليهود والنصارى وكفار العرب والمشركين أعدائكم الأذى الكثير كالطعن في دينكم والاستهزاء بعقيدتكم والتفنن فيما يضركم .
وإن تصبروا على تلك الشدائد ، وتقابلها بضبط النفس وقوة الاحتمال : وتتقوا الله في الأقوال والأعمال ، فإن الصبر والتقوى منكم من عزم الأمور والجد فيها ، وهو فضيلة يتنافس فيها المتنافسون ، وأنتم بها أحق وأولى .
وقد ورد في القرآن والسنة ما يوضح حقيقة الحياة ويبين أن الله يمتحن المؤمن بالبلاء والاختبار رفعا لدرجته وتكفيرا لسيئاته وتمييزا للمؤمن من المنافق قال تعالى : { ولنبلونكم بشئ من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين ، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون } . ( البقرة 155-157 ) .
وقال سبحانه : { ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم } ( محمد 61 ) .
وروى الترمذي عن مصعب بن سعد عن أبيه قال : ( قلت : يا رسول الله ، أي الناس أشد بلاء ؟ قال : الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ، فيبتلى الرجل على حسب دينه ، فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه ، وإن كان في دينه رقة ابتلى على حسب دينه ، فما يبرح البلاء حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة ) 147 .
ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب ، ويصبرون على الأذى ، فهي سنة الدعوات تحتاج إلى بلاء وصبر ومقامة وصمود ، قال تعالى : { ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعدما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير } ( البقرة 109 ) .
وفي تفسير ابن كثير حديث طويل رواه البخاري عن عروة بن الزبير ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب يعود سعد بن عبادة ببني الخزرج قبل وقعة بدر ، فمر على مجلس فيه ( عبد الله بن أبي ابن سلول ) فدعاهم إلى الله عز وجل وقرأ عليهم القرآن . فقال عبد الله بن أبي : أيها المرء ، إنه لا أحسن مما تقول ، إن كان حقا فلا تؤذنا به في مجالسنا ، ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه .
فقال عبد الله بن رواحة : بل ى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا ، فإنا نحب ذلك ، فاستب المسلمون والمشركون واليهود ، فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم بخفضهم حتى سكتوا ، ثم سار النبي صلى الله عليه وسلم حتى دخل سعد بن عبادة فأخبره بما فعل عبد الله بن أبي ابن سلول ، فقال سعد : يا رسول الله اعف عنه واصفح ، فوالذي انزل عليك الكتاب ، لقد جاءك الله بالحق الذي نزل عليك ، ولقد اصطلح أهل المدينة على أن يتوجوه ملكا ، فلما ظهر الإسلام غض به ، فذلك الذي فعل به ما رأيت ، فعفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم 148 .
قوله تعالى : ( لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ) .
جاء في سبب نزول هذه الآية أن كعب بن الأشرف اليهودي – وكان شاعرا ، وكان يهجو النبي صلى الله عليه و سلم ويحرض عليه كفار قريش في شعره ، وكان النبي صلى الله عليه و سلم قدم المدينة وأهلها أخلاط ، منهم المسلمون ومنهم المشركون ومنهم اليهود . فأراد النبي صلى الله عليه و سلم أن يستصلحهم ، فكان المشركون واليهود يؤذونه ويؤذون أصحابه أشد الأذى . فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه و سلم بالصبر على ذلك وفيهم أنزل الله ( ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب ) {[659]} .
قوله : ( لتبلون في أموالكم وأنفسكم ) اللام للقسم . والنون للتوكيد .
والابتلاء معناه الاختبار والامتحان . والمعنى : لتمتحنن في أموالكم وذلك بتكليفكم بإنفاقها في سبيل الله ووجوه الخير أو بما يصيبها من إتلاف وآفات .
أما الابتلاء في الأنفس ، فهو بالقتل والأسر والجراح وما يرد عليها من أنواع المخاوف والأرزاء .
وقوله : ( ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا ) .
يبين الله لرسوله صلى الله عليه و سلم والمسلمين عند مقدمهم المدينة قبل وقعة بدر مسليا لهم عما ينالهم من أذى أهل الكتاب والمشركين . وفي ذلك ترويض لهم مسبق ؛ كيما يوطنوا أنفسهم فتحتمل البلاء والمصاعب وما تهذي به حناجر المشركين وأهل الكتاب من ضروب التشويه والتحريض والفتنة . فقد كانوا يطعنون في الرسول صلى الله عليه و سلم بكل ما استطاعوا . وقد هجاه كعب بن الأشرف اليهودي ، وكان شاعرا وكانوا يحرضون الناس على مخالفته ، وكذلك المشركون كانوا يحرضون الناس على مخالفة الرسول صلى الله عليه و سلم ويؤلبون العساكر على محاربته ويثبطون المسلمين عن نصرته . وذلك هو ديدن الكافرين من المشركين وأهل الكتاب في كل زمان ومكان . فما كان دأبهم على الدوام غير تشويه الإسلام ، وتخويف المسلمين ، والطعن في عقيدتهم وقرآنهم ، والتشكيك في نبوة الرسول الأعظم صلى الله عليه و سلم وذلك بسائر الأساليب والأسباب القائمة على الافتراء والدجل وفساد الفطرة والضمير .
قوله : ( وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ) الصبر هنا يراد به احتمال المكروه . والتقوى هي الاحتراز عن فعل المعاصي والعزم على إتيان الطاعات . والمعنى أن الصبر والتقوى ( من عزم الأمور ) أي من معزومات الأمور التي يجب العزم عليها . وعلى هذا فتأويل الآية التحريض على المصابرة على الابتلاء في النفس والمال ، والمصابرة على تحمل الأذى والطعن والتجريح بفاسد القول من أعداء الرسالة الإسلامية . فمثل هذه المصابرة وما يشفعها من تقوى ( من عزم الأمور ) أي مما ينبغي لكل عاقل أن يعزم عليه . والعزم من جملة الحزم أو الاجتهاد والجد في الأمر .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.