تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَۚ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يُلۡقُونَ أَقۡلَٰمَهُمۡ أَيُّهُمۡ يَكۡفُلُ مَرۡيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ} (44)

44- { ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك }

المفردات :

يلقون أقلامهم : أي الأقلام التي يكتبون بها التوراة او السهام والأزلام التي يضربون بها القرعة ويقامرون بها .

يختصمون : يتنازعون في كفالتها .

التفسير :

أي هذه أخبار قصصناها عليك من أخبار مريم وزكريا لم تشهدها أنت ولا أحد من قومك ولم تقراها في كتاب بل هي وحي نوحيه إليك على يد الروح الامين لتكون دلالة على صحة نبوتك وإلزاما للمعاندين الجاحدين .

وصدق الله العظيم { وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخلطه بيمينك إذا لارتياب المبطلون ( العنكبوت 48 ) .

{ وما كنت لديهم غذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون } .

أي وما كانت يا محمد معاينا لفعلهم وما جرى من أمرهم في شأن مريم إذ يلقون أقلامهم أي سهامهم التي جعلوا عليها علامات يعرف بها من يكفل مريم على وجهة القرعة { وما كنت لديهم إذ يختصمون } بسببها تنافسا في كفالتها مع زوج خالتها زكريا يريدها لان خالتها معه ولأنه كان رئيس الأحبار ويرى انه أحق بها لذلك وكان كل واحد من القراء يريدها لأنها ابنة عالمهم فاقترحوا حلا لهذه المشكلة ان يقترعوا .

وطريقة الاقتراع لم يرد بها خبر صحيح وقد روى عن قتادة وغيرهم انهم ذهبوا إلى نهر الأردن واقترعوا هناك على ان يلقوا أقلامهم فأيهم ثبت في جريه الماء فهو كافلها فألقوا أقلامهم فاحتملها الماء إلا قلم زكريا فإنه ثبت ( 166 ) .

وأيا كانت كيفية القرعة التي اتفقوا عليها فإن هذه القرعة كانت سبيلا إلى فوز زكريا عليه السلام بكفالة مريم .

وفي هذه الآية دليل على ان القرعة سبيل مشروع لتمييز الحقوق والاستفهام ( 167 ) ورد في القرآن في موضعين هذا الموضع وقوله تعالى : { فساهم فكان من المدحضين } ( الصافات 141 ) . وروى الشيخان ان الرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيهما خرج سهمها سافرت معه ( 168 ) .

وإنباء القرآن بما وقع في كفالة مريم من نزاع وخصام ولجوء المتنازعين إلى القرعة دليل على نبوته صلى الله عليه وسلم لان ذلك لا يعلم إلا عن طريق الوحي .

قال تعالى :

{ وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون } . أي كانت عندهم في الحالين ، حتى تعلم أمرهم . وإنما أعلمك الله بوحيه

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَۚ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يُلۡقُونَ أَقۡلَٰمَهُمۡ أَيُّهُمۡ يَكۡفُلُ مَرۡيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ} (44)

قوله تعالى : ( ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون ) هذه الأخبار من أستار الغيب ، أي مما يخفى من أخبار القوم التي لم تطلع عليها أنت يا محمد ولا قومك ، ثم أوحى الله بها إليك لتكون حجة لك على نبوتك وصدق ما جئتهم به .

وقوله : ( نوحيه إليك ) أي ننزله إليك وحيا ، أي عن طريق الوحي ، وأصل الإيحاء إلقاء الموحي إلى الموحى إليه ، وذلك قد يكون بكتاب أو إشارة أو إيماء أو إلهام .

قوله : ( وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ) أي ما كنت يا محمد عندهم فتعلم ما نعلمك به من أخبارهم التي لم تشهدها ، لكنك إنما تعلم ذلك بإعلامنا لك به كأنك حاضر وشاهد لما كان من أمرهم حيت اقترعوا في شأن مريم أيهم يكفلها ؛ وذلك لرغبتهم في الأجر ( إذ يلقون أقلامهم ) أي سهامهم التي استهم بها المستهمون من بني إسرائيل على كفالة مريم .

قوله : ( وما كنت لديهم إذ يختصمون ) كانت مريم ابنة إمامهم وسيدهم فتشاحّ عليها بنو إسرائيل ، فاقترعوا بسهامهم أيهم يكفلها ، فقرعهم زكريا وكان زوج خالتها ، وقيل : زوج أختها ، وذلك بعد اختصامهم فيها أيهم أحق بها وأولى{[468]} .


[468]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 363 وتفسير البيضاوي ص 73 والقاموس المحيط جـ 1 ص 161.