تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَلَمۡ تَقۡتُلُوهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمۡۚ وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ وَلِيُبۡلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡهُ بَلَآءً حَسَنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} (17)

15

17 – { فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم . . . . }

أي : يا أيها الذين آمنوا ، لا توالوا الكفار ظهوركم أبدا ؛ فأنتم أولى منهم بالثبات والصبر ثم بنصر الله تعالى ، انظروا إلى ما أوتيتم من نصر عليهم على قلة عددكم وعدتكم وكثرتهم واستعدادهم ، ولم يكن ذلك إلا بتأييد من الله تعالى لكم وربطه على قلوبكم وتثبيت أقدامكم ، فلم تقتلوهم ذلك القتل الذي أفنى كثيرا منهم بقوتكم وعدتكم ولكن قتلهم بأيديكم ، بما كان من تثبيت قلوبكم بمخالطة الملائكة وملابستها لأرواحكم ، وبإلقائه الرعب في قلوبهم وهذا بعينه هو ما جاء في قوله تعالى : { قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخذهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين } . ( التوبة : 14 ) .

ثم انتقل من خطاب المؤمنين الذين قتلوا أولئك الصناديد بسيوفهم إلى خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهو قائدهم الأعظم فقال :

{ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } . أي : وما رميت أيها الرسول أحدا من المشركين في الوقت الذي رميت فيه القبضة من التراب بإلقائها في الهواء فأصبت وجوههم ، ما فعلته لا يكون له من التأثير مثل ما حدث ، ولكن الله رمى وجوههم كلهم بذلك التراب الذي ألقيته في الهواء على قلته أو بعد تكثيره بمحض قدرته .

فقد روى : " أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى المشركين يومئذ بقبضة من التراب وقال : شاهت الوجوه ثلاثا ، فأعقبت رميته هزيمتهم " xxi .

وروى على بن أبي طلحة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال في استغاثته يوم بدر : " يا رب ، إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا " ، قال له جبريل : خذ قبضة من التراب فارم بها وجوههم ، ففعل فما من أحد من المشركين إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه من تراب تلك القبضة فولوا مدبرينxxii .

{ وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا } . أي : فعل الله ما ذكر لإقامته حجته وتأييد رسوله ، وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا بالنصر والغنيمة وحسن السمعة .

{ إن الله سميع عليم } . أي : إنه تعالى { سميع } لما كان من استغاثة الرسول والمؤمنين ربهم ودعائهم إياه وحده ولكل نداء وكلام ، { عليم } بنياتهم الباعثة عليه والعواقب التي تترتب عليه .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَلَمۡ تَقۡتُلُوهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمۡۚ وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ وَلِيُبۡلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡهُ بَلَآءً حَسَنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} (17)

قوله تعالى : { فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمي وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم 17 ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين } أي لم تهزموا قريشا هذه الهزيمة المشهودة ولم يقتلوا صناديدهم بحولكم وقوتكم مع كثرة عددهم وقلة عددكم ، بل الله أظفركم عليهم ومكنكم منهم ، { وما النصر إلا من عند الله } فهو سبحانه يكتب النصر لمن يشاء من عباده . وقيل : إن الله قتلهم بالملائكة الذين أمد بهم المسلمين . أما قوله : { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمي } فقد اختلف العلماء في المراد بالرمي على عدة أقوال :

منها : أن هذا كان يوم أحد حين رمي أبي بن خلف بالحربة في عنقه فكر أبي منهزما ، فقال له المشركون : والله ما بك من بأس . فقال : والله لو بصق علي –يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم- لقتلني ، أليس قد قال : بل أنا أقتله ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أوعد أبي بن خلف في مكة بالقتل . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بل أنا أقتلك ) فمات عدو الله من ضربة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرجعه إلى مكة بموضع يقال له ( سرف ) . وقد ذكر عن ابن شهاب أنهل ما كان يوم أحد أقبل أبي مقنعا في الحديد على فرسه يقول : لا نجوت إن نجا محمد ، فحمل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد قتله ، فاعترض له رجال من المؤمنين فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فخلوا طريقه فاستقبله مصعب ابن عمير يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتل مصعب بن عمير وأبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ترقوة أبي بن خلف من فرجة بين سابغة البيضة والدرع فطعنه بحربته فوقع أبي عن فرسه ولم يخرج من طعنته دم ، وفي ذلك نزل قوله : { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } لكن الصواب نزل الآية عقيب بدر وليس في أحد .

ومنها : أن هذا كان يوم بدر ؛ فقد روي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يديه يوم بدر فقال : ( يا رب إن تهلك هذه العصابة فلت تعبد في الأرض أبدا ) فقال له جبريل : خذ قبضة من التراب فارم بها وجوههم ، فأخذ قبضة من التراب فرمى بها في وجوههم ، فما من المشركين أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة ، فولوا مدبرين . وذكر أنه لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من العريش بعد دعائه وتضرعه واستكانته فرماهم بالقبضة من التراب وقال : ( شاهت الوجوه ) ثم أمر أصحابه أن يصدقوا الحملة إثرها ففعلوا ، فأوصل الله تلك الحصباء إلى أعين المشركين فلم يبق أحد منهم إلا ناله منها ما شغله عن حاله . ولهذا قال : وما رميت إذ رميت ولاكن الله رمى } أي أن الله هو الذي أوصل ذلك إليهم فأذلهم وأخزاهم به وليس أنتم وما تملكونه من العدة والعتاد .

ومنها : أن ذلك كان في حصب ( حصى ) رماه رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوه المشركين يوم حنين ، ولم يبق في ذلك اليوم أحد إلا وقد أصابه من ذلك .

ومنها : أن المراد هم السهم الذي رمي به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حصن خبير فسار في الهواء حتى أصاب ابن أبي الحقيق وهو على فراشه . وهذا أيضا بعيد والصحيح أن الآية كانت يوم بدر ؛ لأن السورة بدرية ، وذلك أن جبريل عليه السلام قال للرسول صلى الله عليه وسلم : ( خذ قبضة من التراب ) فاخذ من التراب فرمى بها وجوه المشركين . وهو ما بيناه في القول الثاني{[1639]} .

قوله : { وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم } وليبلي من البلاء ، وهو هنا بمعنى النعمة . لا جرم أن النعمة من أشد ما يبتلي به الإنسان فيعلم أن سيشكر أن يكفر ؛ أي لينعم الله على المؤمنين ورسوله الكريم بالظفر فينصرهم عليهم نصرا ظاهرا عزيزا { إن الله سميع عليم } أي أن الله سميع لدعاء نبيه صلى الله عليه وسلم ؛ إذ يناشد ربه ويدعوه في تضرع وتذلل أن يعلك عدوه وعدوهم . وهو سبحانه عليم بما فيه صلاحهم وبما تستقيم عليه أحوالهم ؛ فهو سبحانه محيط علمه بكل شيء .


[1639]:تفسير القرطبي جـ 7 ص 385 وتفسير ابن كثير جـ 2 ص 295 وأسباب النزول للنيسابوري ص 156 وتفسير النسفي جـ 2 ص 98.