تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{تِلۡكَ ٱلۡقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآئِهَاۚ وَلَقَدۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبۡلُۚ كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (101)

{ تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين( 101 ) وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين( 102 ) } .

المفردات :

بالبينات : أي : بالمعجزات الواضحة الدلالة .

التفسير :

{ 101 – تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين } .

أي : تلك القرى التي طال الأمد على تاريخها ، وجهل قومك – أيها الرسول الكريم – أحوالها ، وهي قرى قوم نوح وعاد وثمود وقوم شعيب ، نقصّ عليك ما فيه من العظات والعبر من أخبارها ؛ ليكون في ذلك تسلية لك ، وتثبيتا لفؤادك لصدقك في دعوتك .

{ ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات } .

أي : وتالله لقد جاء كل أمة من تلك الأمم التي خلت ؛ رسولها الذي بعثه الله إليها بالمعجزة الخاصة به الواضحة الدلالة على صدق رسالته ، الموجبة للإيمان .

{ فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل } .

أي فما حدث لأمة من تلك الأمم الضالة الرجوع عما هم عليه من كفر وضلال إلى هداية الرسل وإرشادهم ، بل استمروا على التكذيب وعدم الإيمان طول حياتهم ولم تغنهم الآيات والنذر ؛ لكمال عتوهم وشدة طغيانهم ، فاستحقوا بذلك ما نزل بهم من العذاب .

وقبل : إن المعنى : ما كانوا لو أحييناهم بعد إهلاكهم ورددناهم إلى دار التكليف ؛ ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل إهلاكهم .

قال تعالى : { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون } . ( الأنعام : 28 ) .

{ كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين } .

أي : مثل هذا الختم الذي أغلق الله به قلوب هؤلاء السابقين بسبب اختيارهم الكفر على الإيمان ، يختم الله على قلوبهم جميع الكافرين ، ويجعل عليها سدّا يغلقها ، فلا يسمع هؤلاء الضالون نصحا ، ولا يبصرون حقا ، ولا تلين قلوبهم ، إذ تركوا الحق ، واتبعوا الباطل ، واختاروا طريق الفساد .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{تِلۡكَ ٱلۡقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآئِهَاۚ وَلَقَدۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبۡلُۚ كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (101)

قوله تعالى : { تلك القرى } ، أي : هذه القرى التي ذكرت لك أمرها وأمر أهلها ، يعني : قرى قوم نوح ، وعاد ، وثمود ، وقوم لوط ، وشعيب .

قوله تعالى : { نقص عليك من أنبائها } ، أخبارها لما فيها من الاعتبار .

قوله تعالى : { ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات } ، بالآيات والمعجزات والعجائب .

قوله تعالى : { فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل } ، أي : فما كانوا ليؤمنوا بعد رؤية المعجزات والعجائب بما كذبوا من قبل رؤيتهم تلك العجائب ، نظيره قوله عز وجل : { قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين } [ الأنعام : 28 ] . قال ابن عباس ، والسدي : يعني فما كان هؤلاء الكفار الذين أهلكناهم ليؤمنوا عند إرسال الرسل بما كذبوا من قبل يوم أخذ ميثاقهم ، حين أخرجهم من ظهر آدم ، فأقروا باللسان ، وأضمروا التكذيب ، وقال مجاهد : معناه فما كانوا لو أحييناهم بعد إهلاكهم ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل هلاكهم ، لقوله عز وجل : { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه } [ الأنعام : 28 ] . قال يمان ابن رباب : هذا على معنى أن كل نبي أنذر قومه بالعذاب فكذبوه ، يقول : ما كانوا ليؤمنوا بما كذب به أوائلهم من الأمم الخالية ، بل كذبوا بما كذب أوائلهم ، نظيره قوله عز وجل : { كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون } [ الذاريات :52 ] .

قوله تعالى : { كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين } . أي : كما طبع الله على قلوب الأمم الخالية التي أهلكها ، كذلك يطبع الله على قلوب الكفار الذين كتب أن لا يؤمنوا من قومك .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{تِلۡكَ ٱلۡقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآئِهَاۚ وَلَقَدۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبۡلُۚ كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (101)

هذا وبعد أن انتهت السورة الكريمة من الحديث عما جرى لبعض الأنبياء مع أقوامهم ، ومن بين سنن الله في خلقه ، وبعد أن حذرت وأنذرت ، اتجهت بالخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لتطلعه على النتيجة الأخيرة لابتلاء تلك القرى ، وما تكشف عنه من حقائق تتعلق بطبيعة الكفر وطبيعة الإيمان فقالت : { تِلْكَ القرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا } .

أى : تلك القرى التي طال الأمد على تاريخها ، وجهل قومك أيها الرسول الكريم أحوالها . وهى قرى قوم نوح وعاد وثمود وقوم شعيب ، نقص عليكم ما فيه العظات والعبر من أخبارها . ليكون ذلك تسلية لك وتثبيتاً لفؤادك ، وتأييداً لصدقك في دعوتك .

قال الزمخشرى : قوله - تعالى - : { تِلْكَ القرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا } كقوله : { وهذا بَعْلِي شَيْخاً } في أنه مبتدأ وخبر وحال . ويجوز أن يكون القرى صفة لتلك ونقص خبراً ، وأن يكون { القرى نَقُصُّ } خبراً بعد خبر . فإن قلت : ما معنى { تِلْكَ القرى } ؟ حتى يكون كلاما مفيداً . قلت : هو مفيد ولكن بشرط التقييد بالحال كما يفيد بشرط التقييد بالصفة في قولك : هو الرجل الكريم . فإن قلت : ما معنى الإخبار عن القرى بنقص عليك من أنبائها ؟ قلت : معناه أن تلك القرى المذكورة نقص عليك بعض أخبارها ولها أنباء أخرى لم نقصها عليك " .

وإنما قص الله - تعالى - على رسوله صلى الله عليه وسلم أنباء أهل هذه القرى ، لأنهم اغتروا بطول الإمهال مع كثرة النعم ، فتوهموا أنهم على الحق ، فذكرها الله لمن أرسل إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم ليحترسوا عن مثل تلك الأعمال ، وليعتبروا بما أصاب الغافلين الطاغين من قبلهم .

ثم بين - سبحانه - أنه قد أعذر إليهم بأن وضح لهم الحق بالحجج على ألسنة الرسل فقال : { وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ } أى : ولقد جاء إلى أهل تلك القرى رسلهم بالدلائل الدالة على صدقهم ، فما كانوا ليؤمنوا بعد رؤية المعجزات من رسلهم بما كانوا قد كذبوا به قبل رؤيتها منهم ، لأنهم لجحودهم وعنادهم تحجرت قلوبهم ، واستوت عندهم الحالتان : حالة مجىء الرسل بالمعجزات وحالة عدم مجيئتهم بها .

وقيل إن المعنى : ما كانوا لو أحييناهم بعد إهلالكهم ورددناهم إلى دار التكليف ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل إهلاكهم ، ونظيره قوله - تعالى - { وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ) .

وقوله : { كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله على قُلُوبِ الكافرين } أى : " مثل ذلك الطبع الشديد المحكم الذي طبع الله به على قلوب أهل تلك القرى المهلكة ، يطبع الله على قلوب أولئك الكافرين الذين جاءوا من بعدهم بسبب إيثارهم الضلالة على الهداية .