تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قُلۡ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسۡتَمَعَ نَفَرٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَقَالُوٓاْ إِنَّا سَمِعۡنَا قُرۡءَانًا عَجَبٗا} (1)

مقدمة السورة:

تفسير سورة الجن

أهداف سورة الجن

( سورة الجن مكية ، وآياتها 28 آية ، نزلت بعد سورة الأعراف )

وهي سورة تصحح كثيرا من المعلومات الخاطئة لأهل الجاهلية عن الجن ، حيث كانوا يزعمون أن محمدا صلى الله عليه وسلم يتلقى ما يقوله لهم من الجن ، فتجيء الشهادة من الجن أنفسهم بهذه القضايا التي يجحدونها ويجادلون فيها ، وبتكذيب دعواهم في استمداد محمد من الجن شيئا .

والجن لم يعلموا بهذا القرآن إلا حين سمعوه من محمد صلى الله عليه وسلم ، فهالهم وراعهم ومسّهم منه ما يدهش ويذهل ، فانطلقوا يحدثون عن هذا الحدث العظيم الذي شغل السماء والأرض ، والإنس والجن والملائكة والكواكب ، وترك آثاره ونتائجه في الكون كله ، وهي شاهدة لها قيمتها في النفس البشرية حتما .

أوهام عن الجن

كان العرب يبالغون في أهمية الجنّ ، ويعتقدون أن لهم سلطانا في الأرض ، فكان الواحد منهم إذا أمسى بواد أو قفر لجأ إلى الاستعاذة بعظيم الجن الحاكم لما نزل فيه من الأرض ، فيقول : أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه . . ثم يبيت آمنا .

كذلك كانوا يعتقدون أن الجن تعلم الغيب ، وتخبر به الكهان فينبئون بما يتنبأون ، وفيهم من عبد الجن ، وجعل بينهم وبين الله نسبا ، وزعم أن له سبحانه وتعالى زوجة منهم تلد له الملائكة . وهكذا نجد كثيرا من الأوهام والأساطير تغمر قلوب الناس ومشاعرهم ، وتصوراتهم عن الجن في القديم ، ولا تزال هذه الأوهام تسود بعض البيئات إلى يومنا هذا .

ونجد في الصف الآخر منكرين لوجود الجن أصلا ، يصفون أي حديث عن هذا الخلق المغيب بأنه حديث خرافة .

وبين الإغراق في الوهم ، والإغراق في الإنكار ، يقرر الإسلام حقيقة الجن ، ويصحح التصورات العامة عنهم ، ويحرر القلوب من خوفها وخضوعها لسلطانهم الموهوم .

الجن في القرآن

تحدث القرآن الكريم عن الجن في عدد من السور ، وقد عالج القرآن الأخطاء الشائعة عن الجن ، وأثبت الحقيقة فيما يتصل بهم ، وأعطى للإنسان صورة واضحة دقيقة متحررة من الوهم والخرافة ، ومن التعسف في الإنكار الجامح ، فالجن عالم نؤمن به وبخصائصه كما وردت في القرآن الكريم ، والجن لا يظهر للعين ولا يراه الإنسان بحاسة البصر .

قال تعالى : إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم . . ( الأعراف : 27 ) .

والجن منهم الضالون المضلّون ، ومنهم السذج الأبرياء الذين ينخدعون ، ومنهم المستقيمون على الطريق القويم والمنهج السليم ، وليس للجن معرفة بالغيب ، وليس لهم قوة ولا حيلة مع قوة الله ، وليس بينهم وبين الله صهر ولا نسب ، وقد كان إبليس من الجن ثم فسق عن أمر ربه وتمحض للشر والفساد والإغواء ، وقد خلق الجن من النار ، كما خلق الإنسان من الطين .

وقد سخرت الجن لسليمان عليه السلام ، فمنهم من كان يبني له المساجد والمنازل والأبنية المختلفة ، ومنهم من كان يغوص في البحر يستخرج له اللؤلؤ والياقوت والأحجار الكريمة ، وسلطه الله على المردة والخارجين على القانون ، فكان يقيدهم في السلاسل والأغلال ، ويسخرهم في الأعمال ، ويرهقهم بألوان العذاب ، وقد جعل الله السيطرة على الجن منحة خاصة لسليمان عليه السلام ، فقد سأل ربه ملكا لا يتهيأ لأحد من بعده ، فأعطاه الله ملك الريح والجن والشياطين والمردة :

قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب* فسخّرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب* والشياطين كل بنّاء وغوّاص* وآخرين مقرّنين في الأصفاد* هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب* وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب . ( ص : 35-40 ) .

" إن الكون من حولنا حافل بالأسرار ، عامر بالرواح ، حاشد بالقوى ، وهذه السورة من القرآن- كغيرها- تمنحنا جوانب من الحقائق في هذا الوجود ، تعين على بناء تصور حقيقي صحيح للوجود ، وما فيه من قوى وأرواح وحيوانات تعج من حولنا ، وتتفاعل مع حياتنا ، وهذا التصور هو الذي يميز المسلم ، ويقف به وسطا بين الوهم والخرافة ، وبين الادعاء والتطاول ، ومصدره هو القرآن والسّنة ، وإليهما يحاكم المسلم كل تصور آخر ، وكل قول ، وكل تفسير )i .

استماع الجن للقرآن

في كتب السّنة ما يفيد أن الجن قد استمعت للقرآن عرضا دون قصد ، فأسلمت وآمنت ، وانطلقت تدعو قومها إلى الإسلام .

وفي روايات أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم انطلق متعمدا ليبلغ دعوته إلى الجن ، وقد افتقده أصحابه ذات ليلة فاشتد بهم القلق ، وباتوا بشرّ ليلة بات بها قوم ، فلما أصبحوا جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم من قبل حراء ، فقال : ( أتاني داعي الجن فذهبت معهم فقرأت عليهم القرآن ) . والروايتان السابقتان واردتان في الصحيح ، أحداهما عن ابن عباس تقول إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرف بحضور النّفر من الجن ، والرواية الثانية عن ابن مسعود تقول إنهم استدعوه ويوفق البيهقي بين الروايتين بأنهما حادثان لا حادث واحد .

وفي رواية ثالثة لابن إسحاق أن الجن استعمت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة عودته من الطائف قبل الهجرة .

ولعل الجن قد استمعت للنبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مرة ، وكان في استماع الجن للنبي بمكة قبل الهجرة تطييب لخاطره ، وتصديق لدعوته ، وتحقيق للحق بشأن الجن ، وتصحيح لمفاهيم الجاهلية عن الجن ، وإرشاد للمسلمين ليكون إيمانهم عن بيّنة ، وقد ساقت سورة الجن كثيرا من الحقائق عن الألوهية والعقيدة والوحدانية ، وإخلاص العبادة لله سبحانه ، فهي سورة الجن ولكنها توجيه وإرشاد وتعليم للخلق أجمعين .

أسماء السورة

نلاحظ أن السورة في القرآن تسمى بأغرب شيء فيها أو أهم شيء فيها ، فسورة البقرة اشتملت على قصة قتيل ضرب بقطعة من البقرة فدرت إليه الحياة ، وسورة آل عمران اشتملت على قصة مريم ابنة عمران ، وسورة النساء اشتملت على ذكر أحكام النساء ، وسورة المائدة اشتملت على قصة المائدة التي نزلت من السماء استجابة لدعاء عيسى عليه السلام .

كما سمى سبحانه سور كتابه بأسماء تبعث على النظر والاعتبار ، وتوجب التفكير ، فسمى بالأنعام ، وبالحشرات كالنمل والنحل والعنكبوت ، وبما هو ألطف من ذلك كالنور ، كما سمى ببعض الأنبياء كيوسف ويونس وهود ، وببعض الأخلاق كالتوبة ، وببعض الكواكب العلوية كالشمس والقمر والنجم ، وببعض الأوقات كالليل والفجر والضحى ، وببعض المعادن كالحديد ، وببعض الأماكن كالبلد ، وببعض النبات كالتين ، وكل ذلك مما نراه .

وهنا سمى هذه السورة بعالم لا نراه وهو عالم الجن ، وهو عالم لم يعرف في الإسلام إلا من طريق الوحي ، وليس للعقل دليل عليه ، فالمؤمن يؤمن بالغيب ، ويؤمن بالملائكة وبالجن على نحو ما ورد في القرآن .

وسميت السورة سورة الجن لأنها تحدثت عنهم وبدأت بذكرهم ، فقالت : قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا . ( الجن : 1 ) .

مع آيات السورة

2 ، 1- تطالعنا السورة بأن الجن فوجئت باستماع القرآن الكريم ، فقالوا لقومهم : إنا سمعنا كتابا بديعا يهدي إلى الحق وإلى الطريق المستقيم ، فصدّقنا به ، ولن نعود ما كنا عليه من الإشراك بالله .

3- ثم نزّهوا ربهم عن الزوجة والولد ، فقالوا : علا ملك ربنا وسلطانه أن يكون ضعيفا ضعف خلقه ، الذين تضطرهم الشهوة إلى اتخاذ صاحبة ، أو ملامسة يكون منها الولد ، وكانت العرب تزعم أن الملائكة بنات الله ، جاءته من صهر مع الجن ، فجاءت الجن تكذب هذه الخرافة الأسطورية ، في تسبيح الله وتنزيه له .

4- وأن الجهّال من الجن يقولون قولا شططا عن الصواب ، بنسبة الولد والصاحبة إليه تعالى .

5- وأنهم كانوا يستعظمون أن يجرؤ أحد على الكذب على الله ، فلما قال لهم سفهاؤهم : إن الله صاحبة وولدا ، صدقوهم لأنهم لم يتصوروا أنهم يكذبون على الله .

6- وأن رجالا من الإنس يستعيذون في القفر برجال من الجن فزادوا الجن بذلك طغيانا وغيّا ، إنهم لما استعاذوا بالجن خوفا منهم ولم يستعيذوا بالله ، استذلوهم واجترؤوا عليهم .

7- ظنّت الطائفة الظالمة من الجن أن الله لن يبعث رسولا إلى خلقه يدعوهم إلى توحيده والإيمان برسله واليوم الآخر . أو ظنّوا أن لن يبعث الله أحدا بعد الموت ، وهذا الظن مخالف للاعتقاد في حكمة الله وكماله . وهؤلاء النفر من الجن المؤمن يصححون لقومهم ظنّهم ، والقرآن في حكايته عنهم يصحح للمشركين أوهامهم .

8-9- كان الجن يحاولون الاتصال بالملأ الأعلى ، واستراق شيء مما يدور بين الملائكة ، عن شئون الخلائق في الأرض ، ثم يوحون ما التقطوه لأوليائهم من الكهان والعرافين ، الذين يستغلون الكثير من الحق فيمزجونه بالكثير من الباطل ، ويروجونه بين جماهير الناس .

وبعد رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم حاولت الجن استراق السمع من السماء فلم يتمكنوا ، لأن الحراسة شدّدت على السماء ، ومن حاول استراق السمع ومعرفة الغيب رجم بالشهب فتقتله أو تخبله .

10- إن الجن لا تعلم شيئا عن الغيب المقدّر للبشر ، ولا يدرون الحكمة من حراسة السماء بالشهب ، ولا ماذا قدر الله لعباده في الأرض ، أعذابا أراد الله أن ينزله بهم ، أم أراد بهم ربهم الهدى ، بأن يبعث فيهم رسولا مرشدا يهديهم إلى الحق وإلى طريق مستقيم .

11- من الجن الصالح والطالح ، ومنهم المسلم والجائر ، فهم مثلهم مثل الإنسان في طبيعته ، لديهم استعداد للخير والشر ، إلا من تمحض منهم للشر وهو إبليس وقبيله .

12- إن الله قادر علينا حيث كنا فلا نفوته هربا ، فهم يقدرون ضعف المخلوق أمام الخالق ، ويشعرون بسلطان الله القاهر الغالب .

13- لما سمعنا القرآن صدقنا به وأقررنا بأنه من عند الله ، ومن يصدق بالله وبما أنزله على رسله فلا يخاف نقصا من حسناته ، ولا هوانا ولا جوارا ، لأن المؤمن في حماية الله وعونه ورعايته ، وسينال جزاءه وافرا كاملا .

14- من الجن فريق مؤمن أطاع الله واستقام على الهدى ، وفريق قاسط جائر مائل عن الصواب ، وقد وصل الفريق المؤمن إلى الصواب ، حين اختار الإسلام وحرص على الرشد والاعتدال .

15- أما الجائرون عن سنن الإسلام فشأنهم أن يكونوا حطبا لجهنم ، تتلظى بهم وتزداد اشتعالا ، كما تتلظى النار بالحطب .

16- يلتفت القرآن في الخطاب ، وينتقل من الحديث على لسان الجن إلى مخاطبة الرسول والخلق أجمعين فيقول : لو استقام الإنس والجن على ملة الإسلام لوسعنا عليهم أرزاقهم ، ولبسطنا لهم خيرات الحياة .

17- وهذه النعم للاختبار والابتلاء ، فمن شكر النعمة وأحسن التصرف فيها استحق بقاءها ، ومن أعرض عن منهج الله دخل في العذاب الشاق الذي يعلوه ويغلبه ولا يطيق له حملا .

18- إن السجود أو مواضع السجود – وهي المساجد- لا تكون إلا لله ، فهناك يكون التوحيد الخالص ، ويتوارى كل ظل لكل أحد ، ولكل قيمة ، ولكل اعتبار ، وينفرد الجو للعبودية الخالصة لله .

19- لما قام محمد صلى الله عليه وسلم يعبد الله ، كاد الجن يكونون جماعات بعضها فوق بعض تعجبا مما شاهدوا من عبادته ، وسمعوا من قراءته ، واقتداء أصحابه به قياما وركوعا وسجودا ، وأخذوا ودهشوا من جلال ما سمعوا ، وروعة ما شاهدوا ، وهو دليل على انشغال السماء والأرض والملائكة والجن بهذا الوحي ، وعلى الجدّ الذي يتضمنه : إنه لقول فصل* وما هو بالهزل . ( الطارق : 13 ، 14 ) .

20- قل يا محمد للناس : إنما أعبد الله وحده ، ولا أشرك بعبادته صنما ولا وثنا ولا مخلوقا .

21- قل : إني لا أملك نفعا ولا ضرا ، فالله وحده هو الذي يملك الضرّ ويملك الخير .

22 ، 23- إني لا أجد ملجأ أو حماية من دون الله ، إلا أن أبلغ هذا الأمر ، وأؤدي هذه الأمانة ، فهذا الأمر ليس أمري ، وليس لي فيه شيء إلا التبليغ ، ولا مفر لي من هذا التبليغ ، والرسالة ليست تطوعا ، وإنما هي تكليف صارم جازم لا مفر من أدائه ، فالله من ورائه .

يقول الله تعالى : يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته . . . ( المائدة : 67 ) .

ومن يكذّب برسالات الله فإن له نارا يصلاها ، خالدا فيها إلى غير نهاية .

23- وإذا كان المشركون يركنون إلى قوة وإلى عدد ، ويقيسون قوتهم إلى قوة محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنون القلائل معه ، فسيعلمون حين يرون ما يوعدون ، أي الفريقين هو الضعيف المخذول ، القليل المهزول .

24- ويتجرد الرسول وينفض يده من أمر الغيب ، فالعذاب الذي يتوعد به الكافرين ليس له فيه يد ، ولا يعلم له موعدا ، ولا يدري أقريب هو أم بعيد يجعل الله له أمدا ممتدّا ، سواء عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة ، فكله غيب في علم الله .

25- والله سبحانه هو المختص بالغيب دون العالمين .

26- والرسل الذين يرتضيهم الله لتبليغ دعوته ، يطلعهم على جانب من غيبه ، هو هذا الوحي : موضوعه ، وطريقته ، والملائكة الذين يحملونه ، ومصدره ، وحفظه في اللوح المحفوظ . . . إلى آخر ما يتعلق بموضوع رسالتهم ، مما كان في ضمير الغيب لا يعلمه أحد منهم .

وفي الوقت ذاته يحيط بهؤلاء الرسل الأرصاد والحراس من الحفظة ، للحفظ والوقاية ، يحمونهم من وسوسة النفس وتمنياتها ، ومن الضعف البشري في أمر الرسالة ، ومن النسيان أو الانحراف ومن سائر ما يعتري البشر من النقص والضعف .

والخلاصة : إنه ليدخل حفظة من الملائكة يحفظون قوى الرسول الظاهرة والباطنة من الشياطين ويعصمونه من وساوسهم .

68- وهذه الحراسة الشديدة ليظهر الله للناس أجمعين أن الملائكة قد أبلغوا رسالات ربهم ، غير مشوبة بتخليط من الجن أو من الجنون ، وهو سبحانه محيط علما بجميع أحوال أولئك الوسائط ، وهو سبحانه أحصى كل شيء عددا ، فلا تقتصر إحاطته على ما لدى الرسل ، بل يحيط بكل شيء إحصاء وعدّا ، وهو أدق أنواع الإحاطة والعلم . وبهذا الإيقاع الهائل الرهيب تختم السورة التي بدئت بروعة الجن من سماع القرآن ، وختمت بإحاطة الله الشاملة لمن يؤدون رسالته ، وحمايته لمن يبلغون دعوته ، وقد وسع علمه السماوات والأرض وكل ما في الوجود .

المقصد الإجمالي للسورة

اشتملت سورة الجن على مقصدين :

1- حكاية أقوال صدرت عن الجن حين سمعوا القرآن ، كوصفهم له بأنه كتاب يهدي إلى الرشد ، وأن الرب سبحانه تنزه عن الصاحبة والولد ، وأنهم ما كانوا يظنون أن أحدا يكذب على الله ، وأن رجالا من الإنس كانوا يستعيذون في القفر برجال من الجن ، وأن الجن طلبوا خبر العالم العلوي فمنعوا ، وأن الجن لا يدرون ماذا يحل بالأرض من هذا المنع ، وأن الجن منهم الأبرار ومنهم الفجّار ، ومنهم مسلمون وجائرون عادلون عن الحق .

2- ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتبليغه إلى الحق ، ككونه لا يشرك بربه أحدا ، وأنه لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ، وأنه لا يمنعه أحد من الله إن عصاه ، وأنه صلى الله عليه وسلم لا يدري متى يكون وقت تعذيبهم فالعلم لله وحده ، وأن الغيب لا يعلمه إلا الله ، ثم من اصطفى من الرسل .

استماع الجن للقرآن الكريم

بسم الله الرحمان الرحيم

{ قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنّا سمعنا قرآنا عجبا 1 يهدي إلى الرّشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا 2 وأنه تعالى جدّ ربنا ما اتّخذ صاحبة ولا ولدا 3 وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا 4 وأنّا ظننّا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا 5 وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا 6 وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا 7 }

المفردات :

أوحي إليّ : الوحي شرعا : إعلام الله تعالى أنبياءه ما يريد إبلاغهم به من الشرائع والأخبار بطريق خفي .

النفر : ما بين الثلاثة والعشرة .

الجن : واحدهم جنّي ، كروم ورومي .

عجبا : بديعا مباينا لكلام الناس ، في حسن النظم ودقة المعنى .

التفسير :

1- قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنّا سمعنا قرآنا عجبا .

قل يا محمد لقوم : إن جبريل أخبرني بأن جماعة من الجن ، قد استمعت القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم في صلاة الفجر بعد عودته من الطائف ، فقال الجن لإخوانهم ولقومهم :

إنا سمعنا قرآنا عجبا .

أي : باهرا عجيبا بديعا في حسن نظمه ، ودقة معانيه ، فهو عجيب باهر في أسلوبه ونظامه ورصف معانيه ، وهو عجيب باهر في رشاقة ألفاظه ، وتسلسل أفكاره ، وهو عجيب باهر فيما اشتمل عليه من أحكام وتشريع وآداب ، وأخبار عن الأمم الماضية ، ومشاهد للقيامة والحساب والجزاء ، والصراط والميزان ، والجنة والنار .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{قُلۡ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسۡتَمَعَ نَفَرٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَقَالُوٓاْ إِنَّا سَمِعۡنَا قُرۡءَانًا عَجَبٗا} (1)

مقدمة السورة:

سورة الجن

مكية وآياتها ثمان وعشرون

{ قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن } وكانوا تسعة من جن نصيبين . وقيل سبعة استمعوا قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ذكرنا خبرهم في سورة الأحقاف ، { فقالوا } لما رجعوا إلى قومهم : { إنا سمعنا قرآناً عجباً } قال ابن عباس : بليغاً ، أي : قرآناً ذا عجب يعجب منه لبلاغته .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{قُلۡ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسۡتَمَعَ نَفَرٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَقَالُوٓاْ إِنَّا سَمِعۡنَا قُرۡءَانًا عَجَبٗا} (1)

مقدمة السورة:

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير سورة الجن

مقدمة وتمهيد

1- سورة " الجن " من السور المكية الخالصة ، وتسمى بسورة [ قل أوحي . . . ] ، وعدد آياتها ثمان وعشرون آية بلا خلاف ، وكان نزولها بعد سورة " الأعراف " وقبل سورة " يس " وقد سبقها في ترتيب النزول ثمان وثلاثون سورة ، إذ هي السورة التاسعة والثلاثون –كما ذكر السيوطي- .

أما ترتيبها في المصحف ، فهي السورة الثانية والسبعون .

2- والمتدبر لهذه السورة الكريمة ، يراها قد أعطتنا صورة واضحة عن عالم الجن ، فهي تحكي أنهم أعجبوا بالقرآن الكريم ، وأن منهم الصالح ومنهم غير الصالح ، وأنهم لا يعلمون الغيب ، وأنهم أهل للثواب والعقاب ، وأنهم لا يملكون النفع لأحد ، وأنهم خاضعون لقضاء الله –تعالى- فيهم .

كما أن هذه السورة قد ساقت لنا ألوانا من سنن الله التي لا تتخلف ، والتي منها : أن الذين يستقيمون على طريقه يحيون حياة طيبة في الدنيا والآخرة . .

كما أنها لقنت النبي صلى الله عليه وسلم الإجابات التي يرد بها على شبهات المشركين وأكاذيبهم ، وساقت له ما يسليه عن سفاهاتهم ، وما يشرح صدره ، ويعينه على تبليغ رسالة ربه . .

ويبدو أن نزول هذه السورة الكريمة كان في حوالي السنة العاشرة ، أو الحادية عشرة ، من البعثة –كما سنرى ذلك من الروايات- ، وأن نزولها كان دفعة واحدة . .

قد ذكر المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآيات روايات منها ما أخرجه الشيخان والترمذى ، عن ابن عباس أنه قال : " انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فى طائفة من أصحابه ، عامدين إلى سوق عكاظ بنخلة ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء ، وأرسلت عليهم الشهب ، فرجعت الشياطين إلى قومهم ، فقالوا : مالكم ؟ قالوا : حيل بيننا وبين خبر السماء ، وأرسلت علينا الشهب ، قالوا : حيل بيننا وبين خبر السماء ، وأرسلت علينا الشهب ، قالوا : ما ذاك إلا لشئ حدث ، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها ، فانظروا ما هذا الذى حال بيننا وبين خبر السماء ؟ فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربهما ، فمر النفر - من الجن - الذى أخذوا نحو تهامة ، عامدين إلى سوق عكاظ ، فوجدوا الرسول صلى الله عليه وسلم بنخلة يصلى بأصحابه صلاة الصبح ، فلما سمعوا القرآن ، استمعوا إليه وقالوا : هذا الذى حال بيننا وبين خبر السماء " .

فرجعوا إلى قومهم فقالوا : يا قومنا ، إنا سمعنا قرآنا عجبا ، يهدى إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا آحدا ، وأنزل الله - تعالى - على نبيه { قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ استمع نَفَرٌ مِّنَ الجن } .

وروى أبو داود عن علقمة عن ابن مسعود عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أتانى داعى الجن ، فذهبت معهم ، فقرأت عليهم القرآن . . "

وهناك رواية ثالثة لابن إسحاق ملخصها : أنه لما مات أبو طالب ، خرج النبى صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يلتمس النصرة من أهلها ويدعوهم إلى الإِيمان . . فأغروا به سفهاءهم ، يسبونه ويستهزئون به . .

فانصرف صلى الله عليه وسلم عنهم ، حتى إذا كان ببطن نخلة - هو موضع بين مكة والطائف - قام يصلى من الليل ، فمر به نفر من جن نصيبين - وهو موضع قرب الشام - فاستمعوا إليه ، فلما فرغ من صلاته ، ولوا إلى قومهم منذرين ، قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا ، فقص الله - تعالى - خبرهم عليه . .

وهناك روايات أخرى فى عدد هؤلاء الجن ، وفى الأماكن التى التقوا فيها مع النبى صلى الله عليه وسلم وفيما قرأه الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم ، وفيمن كان معه من الصحابة خلال التقائه بهم . .

ويبدو لنا من مجموع الروايات ، أن لقاء النبى صلى الله عليه وسلم بالجن قد تعدد ، وأنهم تارة استمعوا إليه صلى الله عليه وسلم دون أن يراهم ، وتارة التقى بهم وقرأ عليهم القرآن .

قال الآلوسى : وقد دلت الأحاديث على أن وفادة الجن كانت ست مرات ، ويجمع بذلك بين اختلاف الروايات فى عددهم وفى غير ذلك . وذكر ابن مردويه عن ابن عباس أنه قال : صرفت الجن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين .

.

قال القرطبى : واختلف أهل العلم فى أصل الجن . فعن الحسن البصرى : أن الجن ولد إبليس ، والإِنس ولد آدم ، ومن هؤلاء وهؤلاء مؤمنون وكافرون ، وهم شركاء فى الثواب والعقاب ، فمن كان من هؤلاء وهؤلاء مؤمنا فهو ولى الله ، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء كافرا فهو شيطان .

وعن ابن عباس : أن الجن هم ولد الجان وليسوا بشياطين ومنهم المؤمن والكافر ، والشياطين هم ولد إبليس ، لا يموتون إلا مع إبليس . .

وقال بعض العلماء : عالم الجن من العوالم الكونية ، كعالم الملائكة وقد أخبر الله - تعالى - أنه خلقه من مارج من نار ، أى : أن عنصر النار فيه هو الغالب ، وأنه يرى الأناسى وهم لا يرونه ، أى : بصورته الجبلية ، وإن كان يرى حين يتشكل بأشكال أخرى ، كما رئى جبريل حين تشكل بشكل آدمى .

وأخبر - سبحانه - بأن الجن قادرون على الأعمال الشاقة . وأن الله سخر الشياطين لسليمان يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل . .

وأخبر بأن من الجن مؤمنين ، وأن منهم شياطين متمردين ، ومن هؤلاء إبليس اللعين .

ولم يختلف أهل الملل فى وجودهم ، بل اعترفوا به كالمسلمين ، وإن اختلفوا فى حقيقتهم ، ولا تلازم بين الوجود والعلم بالحقائق ، ولا بينه وبين الرؤية بالحواس ، فكثير من الأشياء الموجودة لا تزال حقائقها مجهولة ، وأسرارها محجوبة ، وكثير منها لا يرى بالحواس . ألا ترى الروح - وهى مما لا شك فى وجودها فى الإِنسان والحيوان - لم يدرك كنهها أحد ولم يرها أحد ، وغاية ما علم من أمرها بعض صفاتها وآثارها . .

وقد بعث النبى صلى الله عليه وسلم إلى الجن ، كما بعث إلى الإِنس ، فدعاهم إلى التوحيد ، وأنذرهم وبلغهم القرآن ، وسيحاسبون على الأعمال يوم الحساب كما يحاسب الناس ، فمؤمنهم كمؤمنهم ، وكافرهم ككافرهم وكل ذلك جاء صريحا فى القرآن والسنة . .

وقد افتتح - سبحانه - السورة الكريمة بأمر النبى صلى الله عليه وسلم بأن يقول الناس ما حدث من الجن عند سماعهم للقرآن . فقال : { قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ استمع نَفَرٌ مِّنَ الجن } .

وفى هذا الأمر دلالة على أن المأمور به شئ هام ، يستدعى من السامعين التيقظ والانتباه ، والامتثال للمأمور به ، وتصديقه صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به .

والنفر : الجماعة من واحد إلى عشرة ، وأصله فى اللغة الجماعة من الإِنس فأطلق على الجماعة من الجن وعلى وجه التشبيه .

أى : قل - أيها الرسول الكريم - للناس ، إن الله - تعالى - قد أخبرك عن طريق أمين وحيه جبريل : أن جماعة من الجن قد استمعوا إليك وأنت تقرأ القرآن . .

فقالوا - على سبيل الفرح والإِعجاب لما سمعوا - : { إِنَّا سَمِعْنَا } من الرسول صلى الله عليه وسلم { قُرْآناً عَجَباً } أى : إنا سمعنا قرآنا جليل الشأن ، بديع الأسلوب ، عظيم القدر .

هذا القرآن { يهدي إِلَى الرشد } أى : إلى الخير والصواب والهدى { فَآمَنَّا بِهِ } إيمانا حقا ، لا يخالطه شك أو ريب { وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً } أى : فآمنا بما اشتمل عليه هذا الكتاب من دعوة إلى إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده ، ولن نشرك معه فى العبادة أحدا كائنا من كان هذا الحد .

والمقصود من أمره صلى الله عليه وسلم بذلك ، دعوة مشركى قريش إلى الإِيمان بالحق الذى جاء به صلى الله عليه وسلم كما آمن جماعة من الجن به ، وإعلامهم بأن رسالته صلى الله عليه وسلم تشمل الجن والإِنس .

وضمير " أنه " للشأن ، وخبر " أن " جملة { استمع نَفَرٌ مِّنَ الجن } ، وتأكيد هذا الخبر بأن ، للاهتمام به لغرابته . ومفعول " استمع " محذوف لدلالة قوله : { إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً } عليه .

ووصفهم للقرآن بكونه { قُرْآناً عَجَباً . يهدي إِلَى الرشد } يدل على تأثرهم به تأثرا شديدا ، وعلى إعجابهم العظيم بنظمه المتقن ، وأسلوبه الحكيم ، ومعانيه البديعة . . ولذا أعلنوا إيمانهم به بدون تردد ، كما يشعر بذلك التعبير بالفاء فى قوله : { فَآمَنَّا بِهِ . . . } .

والتعبير بقوله - تعالى - : { فقالوا إِنَّا سَمِعْنَا . . } يحتمل أنهم قالوا ذلك فيما بينهم ، أو لإِخوانهم الذين رجعوا إليهم ، كما فى قوله - تعالى - فى سورة الأحقاف : { قَالُواْ ياقومنآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ موسى مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يهدي إِلَى الحق وإلى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ } ويحتمل أنهم قالوا ذلك فى أنفسهم على سبيل الإِعجاب ، كما فى قوله - تعالى - : { وَيَقُولُونَ في أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا الله بِمَا نَقُولُ } بل إننا نرجح أن قولهم هذا قد شمل كل ذلك ، لأن هذا هو الذى يتناسب مع إعجابهم بالقرآن الكريم ، ومع حرصهم على إيمان أكبر عدد منهم به .

ثم حكى - سبحانه - أن هذا النفر من الجن بعد استماعهم إلى القرآن وإيمانهم به ، أخذوا فى الثناء على الخالق - عز وجل - فقال حكاية عنهم : { وَأَنَّهُ تعالى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتخذ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدا } .

ولفظ " وأن " قد تكرر فى هذه السورة الكريمة أكثر من عشرمرات ، تارة بالإِضافة إلى ضمير الشأن ، وتارة بالإِضافة إلى ضمير المتكلم .

ومن القراء السبعة من قرأة بفتح الهمزة ، ومنهم من قرأه بكسرها ، فمن قرأ { وَأَنَّهُ تعالى جَدُّ رَبِّنَا . . . } بالفتح فعلى أنه معطوف على محل الجار والمجرور فى قوله { فَآمَنَّا بِهِ . . . } فكأنه قيل : فصدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ربنا . . ومن قرأ بالكسر فعلى أنه معطوف على المحكى بعد القول ، أى : قالوا : إنا سمعنا قرآنا عجبا ، وقالوا : إنه تعالى جد ربنا . .

قال الجمل فى حاشيته ما ملخصه : قوله - تعالى - : { وَأَنَّهُ تعالى جَدُّ رَبِّنَا . . . } قرأه حمزة والكسائى وأبو عامر وحفص بفتح " أنّ " وقرأه الباقون بالكسر .

وتلخيص هذا أن " أنّ " المشددة فى هذه السورة على ثلاثة أقسام : قسم ليس معه واو العطف ، فهذا لا لخلاف بين القراء فى فتحه أو كسره ، على حسب ما جاءت به التلاوة واقتضته العربية ، كقوله { قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ استمع . . . } لا خلاف فى فتحه لوقوعه موقع المصدر ، وكقوله : { إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً } لا خلاف فى كسره لأنه محكى بالقول .

القسم الثانى أن يقترن بالواو ، وهو أربع عشرة كلمة ، إحداها : لا خلاف فى فتحها ، وهى قوله : { وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ . . . } وهذا هو القسم الثالث . والثانية وهى قوله : { وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ الله . . . } كسرها ابن عامر وأبو بكر وفتحها الباقون .

والاثنتا عشرة الباقية ، فتحها بعضهم ، وكسرها بعضهم وهى قوله : - تعالى - : { وَأَنَّهُ تعالى جَدُّ رَبِّنَا . . . } وقوله : { وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ . . . . } { وَأَنَّا ظَنَنَّآ . . . } { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ . . . } { وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ . . . } { وَأَنَّا لَمَسْنَا . . . } { وَأَنَّا كُنَّا . . . } { وَأَنَّا لاَ ندري . . . . } { وَأَنَّا مِنَّا الصالحون . . . } { وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الهدى . . . } { وَأَنَّا مِنَّا المسلمون } .

وقوله : { تعالى } من التعالى وهو شدة العلو . و { جَدُّ رَبِّنَا } الجد - بفتح الجيم - العظمة والجلال .

قال القرطبى : الجد فى اللغة : العظمة والجلال ، ومنه قول أنس : كان الرجل إذا حفظ البقرة وآل عمران جد فى عيوننا . أى : عظم . فمعنى جد ربنا : عظمته وجلاله .

وقيل معنى " جد ربنا . . " غناه ، ومنه قيل للحظ جد ، ورجل مجدود ، أى : محظوظ . وفى الحديث : " ولا ينفع ذا الجد منك الجد " أى : ولا ينفع ذا الغنى منك غناه ، وإنما تنفعه الطاعة . .

وجملة { مَا اتخذ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدا } بيان وتفسير لما قبله .

أى : آمنا به - سبحانه - إيمانا حقا ، وصدقنا نبيه فيما جاءنا به من عنده ، وصدقنا - أيضا - أن الحال والشأن تعالى وتعاظم جلال ربنا ، وتنزه فى ذاته وصفاته ، عن أن يكون له شريك فى ملكه . أو أن تكون له صاحبة أو أن يكون له ولد ، كما زعم الزاعمون من الكافرين الجاهلين .

وفى هذا القول من هذا النفر من الجن ، رد على أولئك المشركين الذين كانوا يزعمون أن الملائكة بنات الله - تعالى - ، وأنهم - أى الملائكة - جاءوا عن طريق مصاهرته - سبحانه - للجن ، كما حكى عنهم - سبحانه - ذلك فى قوله : { وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجنة إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ . سُبْحَانَ الله عَمَّا يَصِفُونَ }