تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتۡلُواْ ٱلشَّيَٰطِينُ عَلَىٰ مُلۡكِ سُلَيۡمَٰنَۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيۡمَٰنُ وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحۡرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلۡمَلَكَيۡنِ بِبَابِلَ هَٰرُوتَ وَمَٰرُوتَۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنۡ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحۡنُ فِتۡنَةٞ فَلَا تَكۡفُرۡۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنۡهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَزَوۡجِهِۦۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنۡ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡۚ وَلَقَدۡ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشۡتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖۚ وَلَبِئۡسَ مَا شَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمۡۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ} (102)

آية السحر

101

المفردات :

تتلوا : تخبر وتحدث أو تقول .

على ملك سليمان : على عهد ملكه وفي زمانه .

السحر : إخراج الباطل في صورة الحق ، وهو في الأصل مصدر سحر يسحر بفتح الحاء فيهما ، والسحر لغة كل ما لطف مأخذه وخفي سببه ، وسحره : خدعه ، جاء في كلامهم : عين ساحرة وعيون سواحر وفي الحديث «إن من البيان لسحرا » ( 243 ) . والمراد هنا ، أمر غريب يشبه الخارق المعجز وليس بالخارق إذ يجري فيه التعلم ، كالذي حصل من سحرة فرعون . حيث أظهروا لموسى حبالهم وعصيانهم أنهم تسعى .

ببابل : بلدة قديمة ، كانت بالعراق ينسب إليها السحر .

هاروت وماروت : اسمان للملكين اللذين أنزل عليهما علم السحر .

فتنة : ابتلاء واختبار .

اشتروه : استبدل ما تتلوا الشياطين بكتاب الله .

خلاق : نصيب في الخير .

التفسير :

102- واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر .

هذه الآية معطوفة على الآية السابقة . التي أفادت أن فريقا من اليهود نبذوا كتاب الله وأعرضوا عنه ثم عطف هنا على هذه الجريمة وهي نبذهم لكتاب الله جريمة أخرى هي إتباعهم الشياطين بمزاولة السحر بدل كتاب الله .

والمعنى أن اليهود لما جاءهم الرسول بالقرآن نبذوه أو نبذوا التوراة التي بشرت به ، واشتغلوا بالسحر . والمراد مما تتلوه الشياطين : أي المتمردون من الإنس والجن . وقد كانت الشياطين في عهد سليمان تلقى كهان اليهود وتتلو عليهم قواعد السحر وتخبرهم كذبا : أن ملك سليمان وسلطانه على الإنس والجن ، والطير والريح ، لم يقم إلا على تلك القواعد ، فكانوا يدونونها عن الجن في كتب لديهم : توارثها الخلف عن السلف حتى وصلت إلى اليهود في المدينة فكانوا يشتغلون بها قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ، ولما بعث رفضوا كتاب الله وفضلوا عليه الاستمرار في السحر .

وقد زعموا أن سليمان جمع كتب السحر من الناس ودفنها تحت كرسيه ، ثم استخرجها ، وهذا من مفتريات الأهواء نسبوها إليه كذبا وبهتانا .

قال الزمخشري وقوله تعالى : على ملك سليمان : أي على عهد ملكه وفي زمانه وذلك أن الشياطين كانوا يسترقون السمع ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفقونها إلى الكهنة ، وقد دونوها في كتاب يقرءونها ويعلمونها للناس ، وفشا ذلك في زمان سليمان عليه السلام حتى قالوا : إن الجن تعلم الغيب ، وكانوا يقولون : ما تم لسليمان ملكه إلا بهذا العلم وبه يسحر الإنس والجن ولريح التي تجري بأمره( 248 ) ،

وما كفر سليمان : تنزيه لسليمان عن الردة والشرك وتبرئة له من عمل السحر الذي كان يتعاطاه أولئك الشياطين وينسبونه إليه زورا وبهتانا( 249 ) .

وقد كان اليهود يعتقدون كفر سليمان ، وأنه ارتدى في آخر عمره وعبد الأصنام وبني لها المعابد ، وكانوا عندما يذكر النبي صلى الله عليه وسلم سليمان بين الأنبياء يقولون : انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل ، يذكر سليمان مع الأنبياء وإنما كان ساحرا يركب الريح .

ولكن الشياطين كفروا : أي ولكن الشياطين من الإنس والجن الذين نسبوا إلى سليمان ما انتحلوه من السحر ودونوه وعلموه الناس هم الذين كفروا .

يعلمون الناس السحر : أي الشياطين يعلمون الناس السحر إغواء وإضلالا . والجملة حال من الضمير ، والمراد من السحر ما يستعان في تحصيله بالتقرب إلى الشيطان مما لا يستقل به الإنسان وذلك لا يستتب إلا لمن يناسبه في الشرارة وخبث النفس فإن التناسب شرط في التضامن والتعاون .

وبهذا تميز الساحر عن النبي والولي .

وأما ما يتعجب فيه كما يفعله أصحاب الحيل بمعونة الآلات أو الأدوية ، أو يصنعه صاحب خفة اليد فغير مذموم وتسميته سحرا من التجوز أو لما فيه من الدقة لأنه في الأصل لما خفي سببه( 250 ) .

وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت : أي اتبع اليهود ما كانت تقرئه الشياطين على الكهنة من أبواب السحر من عهد سليمان .

واتبعوا أيضا ما أنزل على الملكين هاروت وماروت ببابل .

( وهاروت وماروت ملكان أنزلا لتعليم السحر ابتلاء من الله للناس وتمييزا بينه وبين المعجزة . وما روى أنهما مثلا بشرين وركبا فيهما الشهوة فتعرضا لامرأة يقال لها زهرة فحملتهما على المعاصي والشرك ثم صعدت إلى السماء بما تعلمت منهما فمحكى عن اليهود ولعله من رموز الأوائل وحله لا يخفى على ذوي البصائر . وقيل رجلان سميا ملكين باعتبار صلاحهما )( 251 ) .

والمقصود من إنزال السحر على هذين الرجلين المشبهين بالملائكة ، وإلقاؤه في قلبيهما وتعليمهم إياه .

فكانا يعلمان الناس السحر لكي يتخلصوا بتعلمه من سيطرة السحرة من الصابئة ويتقوا شرورهم وكانا يمزجان التعليم بالتحذير : وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر : أي ما يعلمان أحدا حتى ينصحاه ويقولا له إنما نحن ابتلاء من الله فمن تعلم منا وعمل به كفر ومن تعلم وتوقى عمله ثبت على الإيمان فلا تكفر ، باعتقاد جوازه والعمل به .

أو يقولا : إنما نحن مفتونان فلا تكن مثلنا( 252 ) .

وعن الحسن البصري أنه قال في تفسير هذه الآية :

أراد الله أن يبتلى به الناس فأخذ عليهما الميثاق أن لا يعلما أحدا حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر .

وأما الفتنة فهي المحنة والاختبار . ( 253 ) .

فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه : أي فيتعلم الناس من هاروت وماروت من علم السحر ما يتصرفون فيه من الأفاعيل المذمومة ، ما أنهم ليفرقون به بين الزوجين مع ما بينهما من الخلطة والائتلاف ، واختص الإفساد بين الزوجين بالذكر لأنه من الصور التي تظهر فيها مفسدة للسحر بأشد ما تكون ، فلهذا آثر إبرازها ، ليعلم الناس منها مدى ما يصل إليه السحر من الإضرار بالمجتمع ، فإن إفساد الأسرة إفساد للمجتمع ، لما فيه من تشريد الأولاد الذين هم أساسه .

روى المسلم عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «إن الشيطان ليضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه في الناس ، فأقربهم عنده منزلة أعظمهم عنده فتنة ، يجيء أحدهم فبقول : ما زلت بفلان حتى تركته وهو يقول كذا وكذا ، فيقول إبليس : لا والله ما صنعت شيئا ، ويجيء أحدهم فيقول : ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله ، قال : فيقربه ويدنيه ويلتزمه ويقول : نعم أنت » ( 204 ) .

وسبب التفريق بين الزوجين بالسحر ، ما يخيل إلى الرجل أو المرأة من الآخر من سوء منظر أو خلق أو بغض أو شك أو اتهام أو نحو ذلك .

والمرء عبارة عن الرجل وتأنيثه امرأة ويثنى كل منهما ولا يجمعان( 255 ) .

وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله . أي ما يضر السحرة بهذا أحدا كائنا من كان إلا بعلم الله وإرادته ، فهم إذن لا يستطيعون أن يحدثوا بسحرهم ضررا دون إرادة الله .

ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم . من قبل أنه سبب في إضرار الناس ، هذا مما يعاقب الله عليه من عرف بإيذاء الناس أبغضوه واجتنبوه ولا نفع لهم فيه ، فإنا نرى منتحلي هذه المهن من أفقر الناس وأحقرهم ، وذلك حالهم في الدنيا ، فما بالك بهم في الآخرة يوم يجزي كل عامل بما عمل .

ولقد علموا لمن اشتروا ما له في الآخرة من خلاق . ولقد علم هؤلاء اليهود الذين نبذوا كتاب الله واتبعوا السحر أن من استبدل السحر بكتاب الله وآثره على شرعه سبحانه ، ليس له أي حظ من الجنة ولا أي نصيب من الخير يوم القيامة ؛ لأنه لم يكن له إيمانا ولا عمل صالح يكافأ عليه . الضمير في . علموا . يعود إلى أولئك اليهود الذين ارتكبوا كتاب الله واستبدلوا به السحر .

وهي تفيد أن اختيارهم للسحر لم ينشأ عن جهلهم بضرره ، إنما الذين اختاروه ومالوا إليه متعمدين وعالمين بعاقبته السيئة .

ولبئس ما شروا به أنفسهم ولو كانوا يعلمون . شروا : أي باعوا ، وهي من الأضداد فتأتي بمعنى البيع والشراء .

بيع الأنفس هنا معناه بيع نصيبها من الجنة ونعيمها .

المعنى : ولبئس هذا الذي باعوا به حظ أنفسهم من الخير ، هو تعلم السحر والعمل به ، لو كان عندهم علم وعقل لأدركوا أن هذا السحر ضار مفسد للنفس والعقل والناس ، ولامتنعوا عن تعلمه والعمل به . قال ابن كثير : لبئس البديل ما استبدلوا به من السحر عوضا عن الإيمان ومتابعة الرسل لو كان فيهم علم بما وعظوا .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتۡلُواْ ٱلشَّيَٰطِينُ عَلَىٰ مُلۡكِ سُلَيۡمَٰنَۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيۡمَٰنُ وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحۡرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلۡمَلَكَيۡنِ بِبَابِلَ هَٰرُوتَ وَمَٰرُوتَۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنۡ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحۡنُ فِتۡنَةٞ فَلَا تَكۡفُرۡۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنۡهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَزَوۡجِهِۦۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنۡ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡۚ وَلَقَدۡ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشۡتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖۚ وَلَبِئۡسَ مَا شَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمۡۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ} (102)

قوله تعالى : { واتبعوا } . يعني اليهود .

قوله تعالى : { ما تتلوا الشياطين } . أي : ما تلت ، والعرب تضع المستقبل موضع الماضي ، والماضي موضع المستقبل ، وقيل : ما كنت تتلو أي تقرأ ، قال ابن عباس رضي الله عنه : تتبع وتعمل به ، وقال عطاء تحدث وتكلم به .

قوله تعالى : { على ملك سليمان } . أي : ملكه وعهده . وقصة الآية : أن الشياطين كتبوا السحر والنيرنجيات على لسان آصف بن برخيا هذا ما علم آصف بن برخيا سليمان الملك ، ثم دفنوها تحت مصلاه حتى نزع الله الملك عنه ولم يشعر بذلك سليمان فلما مات استخرجوها وقالوا للناس : إنما ملكهم سليمان بهذا فتعلموها فأما علماء بني إسرائيل وصلحاؤهم فقالوا : معاذ الله أن يكون هذا من علم سليمان ، وأما السفلة ، فقالوا : هذا علم سليمان ، وأقبلوا على تعلمه ، ورفضوا كتب أنبيائهم ، وفشت الملامة على سليمان ، فلم يزل هذا حالهم حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه براءة سليمان ، هذا قول الكلبي . وقال السدي : كانت الشياطين تصعد إلى السماء ، فيسمعون كلام الملائكة فيما يكون في الأرض من موت وغيره ، فيأتون الكهنة ويخلطون بما يسمعوا في كل كلمة سبعين كذبة ويخبرونهم بها ، فاكتتب الناس ذلك وفشا في بني إسرائيل أن الجن تعلم الغيب ، فبعث سليمان في الناس ، وجمع تلك الكتب ، وجعلها في صندوق ، ودفنه تحت كرسيه وقال : لا أسمع أحداً يقول إن الشيطان يعلم الغيب إلا ضربت عنقه ، فلما مات سليمان وذهب العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان ودفنه الكتب ، وخلف بعدهم من خلف ، تمثل الشيطان على صورة إنسان ، فأتى نفراً من بني إسرائيل فقال : أدلكم على كنز لا تأكلونه أبداً قالوا : نعم قال : فاحفروا تحت الكرسي ، وذهب معهم المكان وقام ناحية فقالوا : ادن قال : لا ولكن هاهنا فإن لم تجدوه فاقتلوني ، وذلك أنه لم يكن أحد من الشياطين . يدنو من الكرسي إلا احترق ، فحفروا وأخرجوا تلك الكتب ، فقال الشيطان : إن سليمان كان يضبط الجن والإنس والشياطين والطير بهذا ، ثم طار الشيطان عنهم ، وفشا في الناس أن سليمان كان ساحراً ، وأخذ بنو إسرائيل تلك الكتب ، فلذلك أكثر ما يوجد السحر في اليهود ، فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم برأ الله تعالى سليمان من ذلك ، وأنزل في عذر سليمان :

قوله تعالى : { وما كفر سليمان } . بالسحر ، وقيل : لم يكن سليمان كافراً بالسحر ويعمل به .

قوله تعالى : { ولكن الشياطين كفروا } . قرأ ابن عباس رضي الله عنه ، والكسائي وحمزة ، ولكن خفيفة النون ، والشياطين رفع ، وقرأ الآخرون ولكن مشددة النون ، والشياطين نصب وكذلك { ولكن الله ولكن الله رمى } ومعنى لكن : نفي الخبر الماضي وإثبات المستقبل . يعلمون الناس قيل : معنى السحر العلم ، والحذق بالشيء قال الله تعالى :{ وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك } أي العالم ، والصحيح : أن السحر عبارة عن التمويه والتخييل ، والسحر وجوده حقيقة عند أهل السنة ، وعليه أكثر الأمم ، ولكن العمل به كفر ، حكي عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال : السحر يخيل ويمرض وقد يقتل ، حتى أوجب القصاص على من قتل به ، فهو من عمل الشيطان ، يتلقاه الساحر منه بتعليمه إياه ، فإذا تلقاه منه بتعليمه إياه استعمله في غيره ، وقيل : إنه يؤثر في قلب الأعيان فيجعل الآدمي على صورة الحمار ويجعل الحمار على صورة الكلب ، والأصح أن ذلك تخييل قال الله تعالى : ( يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ) لكنه يؤثر في الأبدان بالأمراض والموت والجنون ، وللكلام تأثير في الطباع والنفوس ، وقد يسمع الإنسان ما يكره فيحمى ويغضب وربما يحم منه ، وقد مات قوم بكلام سمعوه فهو بمنزلة العوارض والعلل التي تؤثر في الأبدان .

قوله تعالى : { وما أنزل على الملكين ببابل } . أي ويعملون الذي أنزل على الملكين ، أي إلهاماً وعلماً ، فالإنزال بمعنى الإلهام والتعليم ، وقيل : واتبعوا ما أنزل على الملكين ، وقرأ ابن عباس و الحسن الملكين بكسر اللام ، وقال ابن عباس : هما رجلان ساحران كانا ببابل ، وقال الحسن : علجان لأن الملائكة لا يعلمون السحر . وبابل هي بابل العراق سميت بابل لتبلبل الألسنة بها عند سقوط صرح نمرود أي تفرقها ، قال ابن مسعود : بابل أرض الكوفة ، وقيل جبل نهاوند ، والقراءة المعروفة على الملكين بالفتح ، فإن قيل كيف يجوز تعليم السحر من الملائكة ؟ قيل : له تأويلان : أحدهما ، أنهما لا يتعمدان التعليم ، لكن يصفان السحر ويذكران بطلانه ويأمران باجتنابه ، والتعليم بمعنى الإعلام ، فالشقي يترك نصيحتهما ويتعلم السحر من صنعتهما . والتأويل الثاني : وهو الأصح : أن الله تعالى امتحن الناس بالملكين في ذلك الوقت فمن شقى يتعلم السحر منهما فيكفر به ، ومن سعد يتركه فيبقى على الإيمان ، ويزداد المعلمان بالتعليم عذاباًن ففيه ابتلاء للمعلم والمتعلم ، ولله أن يمتحن عباده بما شاء ، فله الأمر والحكم .

قوله تعالى : { هاروت وماروت } . اسمان سريانيان ، وهما في محل الخفض على تفسير الملكين ، إلا أنهما نصبا لعجمتهما ومعرفتهما ، وكانت قصتهما على ما ذكر ابن عباس والمفسرون : أن الملائكة رأوا ما يصعد إلى السماء من أعمال بني آدم الخبيثة في زمن إدريس عليه السلام ، فعيروهم وقالوا : هؤلاء الذين جعلتهم في الأرض خليفة واخترتهم فهم يعصونك . فقال الله تعالى : لو أنزلتكم إلى الأرض وركبت فيكم ما ركبت فيهم لارتكبتم مثل ما ارتكبوا فقالوا : سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نعصيك ، قال الله تعالى : فاختاروا ملكين من خياركم أهبطهما إلى الأرض ، فاختاروا هاروت وماروت وكانا من أصلح الملائكة وأعبدهم ، وقال الكلبي : قال الله تعالى لهم : اختاروا ثلاثة فاختاروا عزا وهو هاروت وعزايا وهو ماروت ، غير اسمهما لما قارفا الذنب وعزائيل ، فركب الله فيهم الشهوة ، وأهبطهم إلى الأرض ، وأمرهم أن يحكموا بين الناس بالحق ، ونهاهم عن الشرك والقتل بغير الحق ، والزنا وشرب الخمر ، فأما عزائيل فإنه لما وقعت الشهوة في قلبه استقبل ربه وسأله أن يرفعه إلى السماء ، فأقاله فسجد أربعين سنة لم يرفع رأسه ، ولم يزل بعد ذلك مطأطئاً رأسه حياء من الله تعالى . وأما الآخران : فإنهما ثبتا على ذلك وكانا يقضيان بين الناس يومهما ، فإذا أمسيا ذكرا اسم الله الأعظم وصعدا به إلى السماء ، قال قتادة : فما مر عليهما شهر حتى افتتنا . قالوا جميعاً وذلك أنه اختصم إليهما ذات يوم الزهرة وكانت من أجمل النساء ، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : وكانت من أهل فارس وكانت ملكة في بلدها فلما رأياها أخذت بقلوبهما فراوداها عن نفسها ، فأبت وانصرفوا ، ثم عادت في اليوم الثاني ، ففعلا مثل ذلك فأبت وقالت : لا إلا أن تعبدا ما أعبد ، وتصليا لهذا الصنم ، وتقتلا النفس ، وتشربا الخمر فقالا : لا سبيل إلى هذه الأشياء فإن الله تعالى قد نهانا عنها ، فانصرفت ثم عادت في اليوم الثالث ومعها قدح من خمر ، وفي أنفسهما من الميل إليها ما فيها ، فراوداها عن نفسها فعرضت عليهما ما قالت بالأمس فقالا : الصلاة لغير الله عظيم ، وقتل النفس عظيم ، وأهون الثلاثة شرب الخمر ، فشربا الخمر فانتشيا ووقعا بالمرأة ، فزنيا فلما فرغا رآهما إنسان فقتلاه ، قال الربيع بن أنس : وسجدا للصنم فمسخ الله الزهرة كوكباً وقال بعضهم : جاءتهم امرأة من أحسن الناس تخاصم زوجا فقال أحدهما للآخر : هل سقط في نفسك مثل الذي سقط في نفسي قال : نعم فقال : وهل لك أن تقضي لها على زوجها فقال له صاحبه : أما تعلم ما عند الله من العقوبة والعذاب فقال له صاحبه : أما تعلم ما عند الله من العفو والرحمة فسألاها عن نفسها ، فقالت : لا إلا أن تقضيا لي على زوجي ، فقضيا لها ، ثم سألاها نفسها فقالت : لا إلا أن تقتلاه فقال أحدهما : أما تعلم ما عند الله من العقوبة والعذاب فقال صاحبه : أما تعلم ما عند الله من العفو والرحمة فقتلاه ثم سألاها نفسها ، فقالت : لا إلا أن لنا صنماً نعبده ، إن أنتما صليتما معي عنده فعلت ، فقال : أحدهما لصاحبه مثل القول الأول وقال صاحبه مثله ، فصليا معها له فمسخت شهاباً .

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، والكلبي والسدي : إنها قالت لهما : لن تدركاني حتى تخبراني بالذي تصعدان به إلى السماء فقالا : باسم الله الأكبر ، قالت : فما أنتم بمدركي حتى تعلمانيه ، فقال أحدهما لصاحبه : علمها فقال : إني أخاف الله ، قال الآخر : فأين رحمة الله تعالى ، فعلماها ذلك فتكلمت به وصعدت إلى السماء فمسخها الله كوكباً ، فذهب بعضهم إلى أنها هي الزهرة بعينها ، وأنكر الآخرون هذا وقالوا : إن الزهرة من الكواكب السبعة السيارة التي أقسم الله بها فقال : { فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس } والتي فتنت هاروت وماروت امرأة كانت تسمى الزهرة لجمالها ، فلما بغت مسخها الله تعالى شهاباً ، قالوا : فلما أمسى هاروت وماروت بعدما قارفا الذنب ، هما بالصعود إلى السماء فلم تطاوعهما أجنحتهما ، فعلما ما حل بهما ، فقصدا إدريس النبي عليه السلام ، فأخبراه بأمرهما وسألاه أن يشفع لهما إلى الله عز وجل وقالا له : إنا رأيناك يصعد لك من العبادات مثل ما يصعد لجميع أهل الأرض ، فاستشفع لنا ، إلى ربك ففعل ذلك إدريس عليه السلام فخيرهما الله بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، فاختارا عذاب الدنيا إذ علما أنه ينقطع فهما ببابل يعذبان . واختلفوا في كيفية عذابهما . فقال عبد الله بن مسعود : هما معلقان بشعورهما إلى قيام الساعة ، وقال عطاء بن أبي رباح : رؤوسهما مصوبة تحت أجنحتهما ، وقال قتادة : كبلا من أقداهما إلى أصول أفخاذهما ، وقال مجاهد : جعلا في جب ملئ ناراً ، وقال عمر بن سعد : منكوسان يضربان بسياط الحديد . وروي أن رجلاً قصد هاروت وماروت لتعلم السحر . فوجدهما معلقين بأرجلهما ، مزرقة أعينهما ، مسودة جلودهما ، ليس بين ألسنتهما وبين الماء إلا أربع أصابع ، وهما يعذبان بالعطش ، فلما رأى ذلك هاله مكانهما فقال : لا إله الله ، فلما سمعا كلامه قالا له : من أنت ؟ قال : رجل من الناس ، قالا : من أي أمة ؟ قال : من أمة محمد صلى الله عليه وسلم قالا : أو قد بعث محمد صلى الله عليه وسلم قال : نعم . قالا : الحمد لله وأظهرا الاستبشار فقال الرجل : وبم استبشاركما قالا : إنه نبي الساعة وقد دنا انقضاء عذابنا .

قوله تعالى : { وما يعلمان من أحد } . أي أحداً " ومن " صلة .

قوله تعالى : { حتى } . ينصحاه أولاً .

قوله تعالى : { يقولا إنما نحن فتنة } . ابتلاء ومحنة .

قوله تعالى : { فلا تكفر } . أي لا تتعلم السحر فتعمل به فتكفر ، وأصل الفتنة : الاختبار والامتحان ، من قولهم : فتنت الذهب والفضة إذا أذبتهما بالنار ، ليتميز الجيد من الرديء ، وإنما وحد الفتنة وهما اثنان ، لأن الفتنة مصدر ، والمصادر لا تثنى ولا تجمع ، وقيل : إنهما يقولان إنما نحن فتنة فلا تكفر سبع مرات . قال عطاء والسدي : فإن أبى إلا التعلم قالا له : " ائت هذا الرماد وأقبل عليه فيخرج منه نور ساطع في السماء فذلك نور المعرفة ، وينزل شيء أسود شبه الدخان حتى يدخل مسامعه وذلك غضب الله تعالى " ، قال مجاهد : إن هاروت وماروت لا يصل إليهما أحد ، ويختلف فيما بينهما شيطان في كل مسألة اختلافة واحدة .

قوله تعالى : { فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه } . وهو أن يؤخذ كل واحد عن صاحبه ، ويبغض كل واحد إلى صاحبه .

قوله تعالى : { وما هم } . قيل أي : السحرة وقيل : الشياطين .

قوله تعالى : { بضارين به } . أي بالسحر .

قوله تعالى : { من أحد } . أي أحداً .

قوله تعالى : { إلا بإذن الله } . أي : بعلمه وتكوينه ، فالساحر يسحر والله يكون . قال سفيان الثوري : معناه إلا بقضائه وقدرته ومشيئته .

قوله تعالى : { ويتعلمون ما يضرهم } . يعني : أن السحر يضرهم .

قوله تعالى : { ولا ينفعهم ولقد علموا } . يعني اليهود .

قوله تعالى : { لمن اشتراه } . أي اختار السحر .

قوله تعالى : { ما له في الآخرة } . أي في الجنة .

قوله تعالى : { من خلاق } . من نصيب .

قوله تعالى : { ولبئس ما شروا به } . باعوا به .

قوله تعالى : { أنفسهم } . حظ أنفسهم ، حيث اختاروا السحر والكفر على الدين والحق .

قوله تعالى : { لو كانوا يعلمون } . فإن قيل : أليس قد قال ولقد علموا لمن اشتراه ؟ فما معنى قوله تعالى :{ لو كانوا يعلمون } ؟ بعدما أخبر أنهم علموا ؟ قيل : أراد بقوله ولقد علموا يعني الشياطين ، وقوله : لو كانوا يعلمون يعني اليهود ، وقيل : كلاهما في اليهود ولكنهم لما لم يعملوا بما علموا فكأنهم لم يعلموا .