{ فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم }
أي إن خرج الموصي في وصيته عن حدود العدل ورأى أمارات ذلك منه من يريد الإصلاح من الناس ، وتوقع أن شرا سيترتب على هذه الوصية التي فيها جور ، أو شاهد نزاعا بين الموصي والموصى لهم ، أن يرشد الموصى إلى سلوك طريق العدل الحق .
وعلى هذا المعنى يكون الضمير في قوله : بينهم . يعود على الموصي والموصى لهم .
ويرى جمهور العلماء أن هذه الآية الكريمة الواردة في الوصي أن الموصي إذ حاد في وصيته عن حدود العدل ، فللوصي حينئذ أن يصلح فيها بحيث يجعلها متفقة ما شرعه الله ، وهي في هذه الحالة لا إثم عليه لأنه قد غير الباطل بالحق ، وعلى الرأي بكون المعنى : أن الموصى إذا رأى الوصية ميلا عن الحق خطأ أو عمد وأصلح بين الموصي لهم بردهم إلى الوجه المشروع فلا إثم عليه في هذا التغيير في الوصية والضمير فيس قوله " بينهم " عائد إلى الموصي لهم .
1- الوصية للأقربين أولى من الأجانب فالصدقة على القريب صدقة وصلة رحم .
2- روى الفخر الرازي رأى أبى مسلم الأصفهاني في الوصية ، ومن رأيه أن الوصية للوارث باقية لم تنسخ ، ولا منافاة بينهما وبين الميراث فالميراث عطية من الله ، والوصية عطية من المالك للوارث ، فمن شاء أن يوصي لابن بار أو وارث أشد حاجة فله ذلك عنده( 56 ) .
3- قال العلماء : المبادرة بكتابة الوصية ليست مأخوذة من هذه الآية ، وإنما هي من حديث ابن عمر . وفائدتها : المبالغة في زيادة الاستيثاق ، وكونهما مكتوبة مشهود بها وهي الوصية المتفق على العمل بها فلو أشهد العدول وقاموا بتلك الشهادة لفظا لعمل بها وإن لم تكتب خطا( 57 ) .
4- روى الدار قطني عن أنس بن مالك قال : كانوا يكتبون في صدرهم وصاياهم : هذا ما أوصى به فلان بن فلان أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وإن الله يبعث من في القبور ، وأوصى من يترك بعده من أهله بتقوى الله حق تقاته وأن يصلحوا ذات بينهم : ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين( 58 ) ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله أصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون . ( البقرة : 132 ) .
قوله تعالى : { فمن خاف } . أي علم ، كقوله تعالى : ( فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله ) أي علمتم .
قوله تعالى : { من موص } . قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر ويعقوب ، بفتح الواو وتشديد الصاد ، كقوله تعالى : ( ما وصى به نوحاً ) ( ووصينا الإنسان ) وقرأ الآخرون بسكون الواو ، وتخفيف الصاد ، كقوله تعالى : ( يوصيكم الله في أولادكم ) ( من بعد وصية يوصي بها أو دين ) .
قوله تعالى : { جنفاً } . أي جوراً وعدولاً عن الحق ، والجنف : الميل .
قوله تعالى : { أو إثماً } . أي ظلماً ، قال السدي وعكرمة والربيع : الجنف الخطأ والإثم العمد .
قوله تعالى : { فأصلح بينهم فلا إثم عليه } . واختلفوا في معنى الآية ، قال مجاهد : معناها أن الرجل إذا حضر مريضاً وهو يوصي فرآه يميل : إما بتقصير أو إسراف ، أو وضع الوصية في غير موضعها فلا حرج على من حضره أن يأمره بالعدل وينهاه عن الجنف فينظر للموصى وللورثة ، وقال آخرون : إنه أراد به أنه إذا أخطأ الميت في وصيته أو جار متعمداً فلا حرج على وليه أو وصيه أو ولى أمور المسلمين أن يصلح بعد موته بين ورثته ، وبين الموصى لهم ، ويرد الوصية إلى العدل والحق ، ( فلا إثم عليه ) ، أي : فلا حرج عليه .
قوله تعالى : { إن الله غفور رحيم } . وقال طاووس : جنفة توجيهه ، وهو أن يوصي لبني بنيه يريد ابنه ولولد ابنته ولزوج ابنته يريد بذلك ابنته . وقال الكلبي : كان الأولياء والأوصياء يمضون وصية الميت بعد نزول قوله تعالى : ( فمن بدله بعد ما سمعه ) الآية وإن استغرق المال كله ولم يبق للورثة شيء ، ثم نسخها قوله تعالى : ( فمن خاف من موص جنفاً ) الآية ، قال ابن زيد : فعجز الموصي أن يوصي للوالدين والأقربين كما أمر الله تعالى ، وعجز الموصي أن يصلح فانتزع الله تعالى ذلك منهم ، ففرض الفرائض .
روي عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة الله ستين سنة ، ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار " ثم قرأ أبو هريرة : ( من بعد وصية إلى قوله غير مضار ) .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.