تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} (185)

{ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون( 185 ) }

شهر رمضان مبتدأ ، خبره الذي أنزل في القرآن ، أو بدجل من الصيام في قوله تعالى : " كتب عليكم الصيام " .

ومعنى نزول القرآن في رمضان أن ابتداء نزوله كان في شهر رمضان ، تسمية للشيء باسم أوله .

وفي سورة القدر تحديد لليلة ابتدأ فيه نزول القرآن ، قال تعالى : { إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك من ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر } . ( سورة القدر ) .

والملاحظ أن القرآن نزل على محمد صلى الله عليه وسلم في ثلاث وعشرين سنة هي مدة الرسالة . قال تعالى : وقرآنا فرقناه لتقرأه الناس على مكث ونزلناه تنزيلا . ( الإسراء : 106 ) .

وقال عز شأنه : { وقال الذين كفروا لولا نزل عليه الفرقان جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا } . ( الفرقان : 32-33 ) .

روى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن الحسن أنه قال في قول الله عز وجل : { ورتلناه ترتيلا } . قال : كان ينزل آية وآيتين وآيات ، جوابا لهم عما يسألون وردا على النبي صلى الله عليه وسلم .

قال ابن قتيبة : " ولو أتاهم القرآن نجما واحدا لسبق حدوث الأسباب التي أنزل الله بها ، ولثقلت جملة الفرائض على المسلمين ، وعلى من أراد الدخول في الدين " .

وللعلماء في كيفية نزول القرآن آراء ثلاثة :

الرأي الأول : وهو رأي شعبي ، أنه ابتدأ إنزاله في ليلة القدر ثم نزل بعد ذلك منجما في أوقات مختلفة من سائر الأزمان على النبي صلى الله عليه وسلم .

فقول القرآن : { إنا أنزلناه في ليلة القدر } . من باب تسمية الشيء باسم أوله تيمنا به وتعظيما لشأنه ، ( ومبادئ الملل هي التي يؤرخ بها لشرفها وانضباطها ) .

الرأي الثاني : وهو رأي مقاتل بن سليمان ، أنه نزل إلى سماء الدنيا في ثلاث وعشرين ليلة قدر من ثلاث وعشرين سنة ، ينزل في كل ليلة قدر ما قدر إنزاله في تلك السنة ، ثم ينزل به جبريل منجما على رسول الله صلى الله عليه وسلم .

الرأي الثالث : وهو رأي الجمهور ، أن القرآن نزل إلى سماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة ، ثم نزل بعد ذلك منجما في ثلاث وعشرين سنة ، وأصحاب هذا الرأي يذهبون إلى أن القرآن تنزيلات ثلاثة :

أ- التنزل الأول إلى اللوح المحفوظ قال تعالى : بل هو قرآن مجيد*في لوح محفوظ . ( البروج : 21-22 ) .

ب- التنزل الثاني من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في سماء الدنيا ، ودليله قوله سبحانه : إنا أنزلناه في ليلة القدر .

ج- التنزل الثالث من سماء الدنيا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاث وعشرين سنة ، ودليله قوله تعالى : { وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا } .

التفسير :

{ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان . . . }

بين الله أن الحكمة في تخصيص هذا الشهر بالعبادة والصيام هي أنه الشهر الذي أنزل فيه القرآن وأفيضت على البشر فيه هداية الرحمان ، فحق أن يعبد الله تعالى فيه ما لا يعبده في غيره . تذكرا لإنعامه بهذه الهداية . وهي إنزال القرآن الذي هدانا الله تعالى به وجعل آياته بينات من الهدى أي من الكتب المنزلة ، والفرقان الذي يفرق بين الحق والباطل ، فوصفه بأنه هدى في نفسه لجميع الناس ، وأنه من جنس الكتب الإلهية ، ولكنه الجنس العالي على جميع الأجناس فإنه آيات بينات من ذلك الهدى السماوي وكتب الله كلها هدى ولكنها ليست في بيانها كالقرآن .

{ فمن شهد منكم الشهر فليصمه . . . . }

أي من حضر منكم الشهر غير مسافر . أو من رأى منكم هلال الشهر ، والمستيقن من مشاهدة الهلال بأية وسيلة أخرى يجب عليه الصيام كمن شاهده ، ثم بين الله الرخصة للمريض والمسافر فقال سبحانه :

ومن كان مريضا أو عل سفر فعدة من أيام أخر :

أي إذا كان الصوم يجهد المريض أو المسافر فله أن يفطر وعليه عدة ما أفطر من أيام أخر يصومها بدلا من الأيام التي أفطرها في رمضان .

وقد اختلف العلماء في المرض المبيح للفطر على ثلاثة أقوال :

الأول : وهو قول أهل الظاهر : أي مرض كان وهو ما يطلق عليه اسم مرض .

الثاني : أن هذه الرخصة مختصة بالمريض الذي لو صام لوقع في مشقة عظيمة تنزيلا للفظ المطلق على أكمل أحواله .

الثالث : وهو قول أكثر الفقهاء أن المرض المبيح للفطر هو الذي يؤدي إلى الضرر في النفس أو زيادة علة غير محتملة كالمحموم إذا خاف أنه لو صام اشتدت حماه . فالمراد بالمرض ما يؤثر في تقويته ، قال الشافعي : إذا أجهده الصوم أفطر وإلا فهو صحيح .

واختلف العلماء أيضا في مقدار السفر المبيح للفطر في رمضان فقال داود الظاهري : أي سفر ولو كان فرسخا . وقال الأوزاعي : السفر المبيح للفطر مسيرة يوم واحد . وقال الشافعي وأحمد مالك : أقله مسيرة يومين أو ستة عشر فرسخا . وقال أبو حنيفة وأصحابه : أقله مسيرة ثلاثة أيام( 69 ) .

{ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } .

اليسر في اللغة السهولة ، ومنه التيسير ، قال صلى الله عليه وسلم بعثت بالحنيفية السهلة السمحة .

ومن كمال رأفته تعالى أنه نفى الحرج أولا ضمنا بقوله : { يريد الله بكم اليسر } . ثم نفاه صريحا بقوله : { ولا يريد بكم العسر } . ويقول سبحانه في آيات أخرى . { يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم*والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما*يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا } . ( النساء : 26-28 ) .

أي أن الله سبحانه يريد التيسير والرأفة وتسهيل طرق الهداية والعبادة حتى يأخذ بيد الإنسان إلى طريق الفلاح والرشاد .

وفي الحديث الشريف يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا . . . " .

وهذه قاعدة أساسية في تكاليف الإسلام كلها ، فهي يسر لا عسر ، وهي توحي للقلب الذي يتذوقها بالسهولة واليسر في أخذ الحياة كلها ، وتطبع نفس المسلم بطابع خاص من السماحة التي لا تكلف فيها ولا تعقيد . سماحة تؤدي معها كل التكاليف وكل الفرائض وكل نشاط الحياة ، كأنما هي مسيل الماء الجاري ، ونمو الشجر الصاعدة في طمأنينة وثقة ورضاء . مع الشعور الدائم برحمة الله وفضله وبره ، وعظيم نعمائه على عباده .

وقد جعل الله الصوم للمسافر والمريض في أيام أخرى لكي يتمكن اضطر من إكمال عدة أيام الشهر فلا يضيع عليه أجرها .

{ ولتكملوا العدة }

أي عدة صوم رمضان فيتدارك المسلم ، ما فاته من صيام بالقضاء .

أو المراد يجب إتمام صيام الشهر لمن كان مقيما صحيحا ، وإتمام عدة القضاء لمن أفطر .

{ ولتكبروا الله على ما هداكم }

أي تذكروه وتكبروه شاكرين له هدايتكم وتوفيقكم لصيام رمضان .

قال الشافعي : سمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن : يقول : ولتكملوا العدة . أي عدة صوم رمضان : ولتكبروا الله . عند إكمالها ، وإكمالها بغروب شمس آخر يوم رمضان .

وصيغة التكبير هي : الله أكبر الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله ، الله أكبر الله أكبر ، الله أكبر ولله الحمد .

قال الشافعي وما زاد من ذكر الله فحسن ، خصوصا الذكر المأثور مثل : الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا ، وسبحان الله بكرة وأصيلا ، لا إله إلا الله ، ولا نعبد إلا إياه ، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ، لا إله إلا الله وحده ، صدق وعده ، ونصر عبده ، وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده ، ولا شيء قبله ولا شيء بعده .

{ ولعلكم تشكرون }

أي أن يستشعر الصائم فضل الله عليه ونعمه وتوفيقه فيفئ قلبه إلى الله راغبا حامدا معترفا له بالربوبية شاكرا له نعمة التوفيق والهداية ، وبذلك تظهر منة الله في هذا التكليف الذي يبدوا شاقا على الأبدان والنفوس وتتجلى الغاية التربوية منه وهي إعداد المؤمن ليكون عبدا ربانيا مطيعا لله مراقبا له معترفا بفضله وجميل نعائمه .

* * *

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} (185)

ثم بين الله تعالى أيام الصيام فقال : { شهر رمضان } . رفعه على معنى هو شهر رمضان ، وقال الكسائي : كتب عليكم شهر رمضان ، وسمي الشهر " شهر " لشهرته ، وأما رمضان فقد قال مجاهد : هو اسم من أسماء الله تعالى ، يقال شهر رمضان كما يقال شهر الله ، والصحيح أنه اسم للشهر سمي به من الرمضاء وهي الحجارة المحماة ، وهم كانوا يصومونه في الحر الشديد فكانت ترمض فيه الحجارة في الحرارة .

قوله تعالى : { الذي أنزل فيه القرآن } . سمي القرآن قرآناً لأنه يجمع السور ، والآي والحروف وجمع فيه القصص ، والأمر والنهي والوعد والوعيد . وأصل القرء الجمع ، وقد يحذف الهمز منه فيقال : قريت الماء في الحوض إذا جمعته ، وقرأ ابن كثير : القرآن بفتح الراء غير مهموز ، وكذلك كان يقرأ الشافعي ويقول ليس هو من القراءة ، ولكنه اسم لهذا الكتاب كالتوراة والإنجيل .

وروي عن مقسم عن ابن عباس : أنه سئل عن قوله عز وجل ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ) وقوله : ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ) ، وقوله : ( إنا أنزلناه في ليلة مباركة ) وقد نزل في سائر الشهور ؟ وقال عز وجل : ( وقرآناً فرقناه ) فقال : أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ في ليلة القدر من شهر رمضان إلى بيت العزة في السماء الدنيا ، ثم نزل به جبريل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم نجوماً في ثلاث وعشرين سنة فذلك قوله تعالى ( فلا أقسم بمواقع النجوم ) .

قال داود بن أبي هند : قلت للشعبي : ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ) أما كان ينزل في سائر الشهور ؟ قال : بلى ، ولكن جبريل كان يعارض محمداً صلى الله عليه وسلم في رمضان ما نزل إليه فيحكم الله ما يشاء ويثبت ما يشاء ، وينسيه ما يشاء .

وروي عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أنزلت صحف إبراهيم عليه السلام في ثلاث ليال مضين من رمضان ، ويروى في أول ليلة من رمضان وأنزلت توراة موسى عليه السلام في ست ليال مضين من رمضان ، وأنزل الإنجيل على عيسى عليه السلام في ثلاث عشرة ليلة مضت من رمضان ، وأنزل الزبور على داود في ثمان عشرة مضت من رمضان ، وأنزل الفرقان على محمد صلى الله عليه وسلم في الرابعة والعشرين من شهر رمضان لست بقين بعدها " .

قوله تعالى : { هدى للناس } . من الضلالة ، وهدى في محل نصب على القطع ، لأن القرآن معرفة " وهدى " نكرة . أي دلالات واضحات من الحلال والحرام والحدود والأحكام .

قوله تعالى : { والفرقان } . أي الفارق بين الحق والباطل .

قوله تعالى : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } . أي فمن كان مقيما في الحضر فأدركه الشهر . واختلف أهل العلم فيمن أدركه الشهر وهو مقيم ثم سافر .

وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال : يجوز له الفطر ، وبه قال عبيدة السلماني لقوله تعالى ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) أي الشهر كله ، وذهب أكثر الصحابة والفقهاء إلى أنه إذا أنشأ السفر في شهر رمضان جاز له أن يفطر ، ومعنى الآية : فمن شهد منكم الشهر كله فليصمه أي الشهر كله ، ومن لم يشهد منكم الشهر كله فليصم ما شهد منه .

والدليل عليه ما أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو منصور عن مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس ، " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر ، وأفطر الناس معه ، فكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قوله تعالى : { ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر } . أباح الفطر لعذر المرض والسفر ، وأعاد هذا الكلام ليعلم أن هذا الحكم ثابت في الناسخ ثبوته في المنسوخ ، واختلفوا في المرض الذي يبيح الفطر ، فذهب أهل الظاهر إلى أن ما يطلق عليه اسم المرض يبيح الفطر ، وهو قول ابن سيرين . قال طريف بن تمام العطاردي : دخلت على محمد بن سيرين في رمضان ، وهو يأكل فقال : إنه وجعت أصبعي هذه ، وقال الحسن وإبراهيم النخعي : هو المرض الذي تجوز معه الصلاة قاعداً . وذهب الأكثرون إلى أنه مرض يخاف معه من الصوم زيادة علة غير محتملة ، وفي الجملة أنه إذا أجهده الصوم أفطر ، وإن لم يجهده فهو كالصحيح . وأما السفر ، فالفطر فيه مباح والصوم جائز عند عامة أهل العلم ، إلا ما روي عن ابن عباس وأبي هريرة وعروة بن الزبير وعلي ابن الحسين أنهم قالوا لا يجوز الصوم في السفر ومن صام فعليه القضاء ، واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم : " ليس من البر الصوم في السفر " وذلك عند الآخرين في حق من يجهده الصوم فالأولى له أن يفطر ، والدليل عليه ما أخبرنا به عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد ابن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا آدم أخبرنا شعبة أخبرنا محمد بن عبد الرحمن الأنصاري قال : سمعت محمد بن عمرو بن الحسبن بن علي عن جابر بن عبد الله قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فرأى زحاماً ، ورجلاً قد ظلل عليه فقال : ما هذا ؟ قالوا : هذا صائم ، فقال : ليس من البر الصوم في السفر " . والدليل على جواز الصوم ما حدثنا الأستاذ أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري ، أخبرنا أبو نعيم الإسفرايني أخبرنا أبو عوانة أخبرنا أبو أمية أخبرنا عبد الله القواريري أخبرنا حماد بن زيد أخبرنا الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال : " كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ، فمنا الصائم ومنا المفطر ، فلا يعيب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم " . واختلفوا في أفضل الأمرين ، فقالت طائفة : الفطر في السفر أفضل من الصوم ، روي ذلك عن ابن عمر وإليه ذهب سعيد بن المسيب والشعبي ، وذهب قوم إلى أن الصوم أفضل وروي ذلك عن معاذ بن جبل وأنس وبه قال إبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ، وقالت طائفة : أفضل الأمرين أيسرهما عليه ، لقوله تعالى : ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) وهو قول مجاهد ، و قتادة وعمر بن عبد العزيز ، ومن أصبح مقيماً صائماً ثم سافر في أثناء النهار لا يجوز له أن يفطر ذلك اليوم عند أكثر أهل العلم ، وقالت طائفة : له أن يفطر ، وهو قول الشعبي وبه قال أحمد ، أما المسافر إذا أصبح صائماً فيجوز له أن يفطر بالاتفاق ، والدليل عليه ما أخبر عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع أخبرنا الشافعي أخبرنا عبد العزيز ابن محمد بن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان ، فصام حتى بلغ كراع الغميم ، وصام الناس معه ، فقيل له يا رسول الله إن الناس قد شق عليهم الصيام ، فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون ، فأفطر بعض الناس وصام بعضهم ، فبلغه أن ناساً صاموا ، فقال : أولئك العصاة " . واختلفوا في السفر الذي يبيح الفطر ، فقال قوم : مسيرة يوم ، وذهب جماعة إلى مسيرة يومين ، وهو قول الشافعي رحمه الله ، وذهب جماعة إلى مسيرة ثلاثة أيام ، وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي .

قوله تعالى : { يريد الله بكم اليسر } . بإباحة الفطر في المرض والسفر .

قوله تعالى : { ولا يريد بكم العسر } . قرأ أبو جعفر : العسر واليسر ونحوهما بضم السين ، وقرأ الآخرون بالسكون . وقال الشعبي : ما خير رجل بين أمرين فاختار أيسرهما إلا كان ذلك أحبهما إلى الله عز وجل .

قوله تعالى : { ولتكملوا العدة } . قرأ أبو بكر بتشديد الميم وقرأ الآخرون بالتخفيف ، وهو الاختيار لقوله تعالى : ( اليوم أكملت لكم دينكم ) والواو في قوله تعالى : ( ولتكملوا ) واو النسق ، واللام لام كي ، تقديره : " ويريد لكي تكملوا العدة " ، أي لتكملوا عدة أيام الشهر بقضاء ما أفطرتم في مرضكم وسفركم ، وقال عطاء : ولتكملوا العدة : أي عدد أيام الشهر .

أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع أخبرنا الشافعي أخبرنا مالك عن عبد الله ابن دينار عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الشهر تسع وعشرون ، فلا تصوموا حتى تروا الهلال ، ولا تفطروا حتى تروه ، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين " .

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين الحيري أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي أخبرنا محمد بن يحيى أخبرنا يزيد بن هارون أخبرنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تقدموا الشهر بصوم يوم ولا يومين ، إلا أن يوافق ذلك صوماً كان يصومه أحدكم ، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ثم أفطروا " .

قوله تعالى : { ولتكبروا الله } . ولتعظموا الله .

قوله تعالى : { على ما هداكم } . أرشدكم إلى ما رضي به من صوم شهر رمضان ، وخصكم به دون سائر أهل الملل . قال ابن عباس : هو تكبيرات ليلة الفطر .

وروى الشافعي وعن ابن المسيب وعروة وأبي سلمة أنهم كانوا يكبرون ليلة الفطر يجهرون بالتكبير ، وشبه ليلة النحر بها إلا من كان حاجاً فذكره التلبية .

قوله تعالى : { ولعلكم تشكرون } . الله على نعمه ، وقد وردت أخبار في فضل شهر رمضان وثواب الصائمين . أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الحسني المروزي أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سراج الطحان أخبرنا أبو أحمد بن قريش بن سليمان أخبرنا علي ابن عبد العزيز المكي أخبرنا أبو القاسم بن سلام حدثني إسماعيل بن جعفر عن أبي سهل نافع بن مالك عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا دخل رمضان صفدت الشياطين ، وفتحت أبواب الجنة ، وغلقت أبواب النار " .

أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد بن الجراح أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي أخبرنا أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي أخبرنا أبو كريب محمد بن العلاء أخبرنا أبو بكر محمد ابن عياش عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا كان أول ليلة في شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن ، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب ، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب ، وينادي مناد : يا باغي الخير أقبل ، ويا باغي الشر أقصر ، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة " .

أخبرنا أبو بكر أحمد بن أبي نصر بن أحمد الكوفاني الهروي بها أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن عمر بن محمد النجيبي المصري بها المعروف بأبي النجاش قيل له أخبركم أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد المقبري البصري بمكة المعروف بابن الأعرابي أخبرنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني أخبرنا سفيان ابن عيينة عن الزهري أخبرنا أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ، ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه " .

أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا أبو سعيد خلف بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي نزار حدثنا الحسين ين أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن أسد الصفار ، أخبرنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن أبي إسحاق العنزي أخبرنا علي بن حجر بن إياس السعدي ، أخبرنا يوسف بن زياد عن علي بن زيد ابن جدعان عن سعيد بن المسيب عن سلمان قال : " خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان فقال : يا أيها الناس إنه قد أظلكم شهر عظيم ، وفي رواية قد أطلكم بالطاء ، أطل : أشرف ، شهر عظيم ، شهر مبارك ، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر ، شهر جعل الله صيامه فريضة ، وقيام ليله تطوعاً ، من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه ، ومن أدى فيه فريضة كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه وهو شهر الصبر ، والصبر ثوابه الجنة ، وشهر المواساة ، أي المساهمة ، وشهر يزاد فيه الرزق ومن فطر فيه صائماً كان له مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار ، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء ، قالوا : يا رسول الله ليس كلنا نجد ما نفطر به الصائم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يعطي الله هذا الثواب لمن فطر صائماً على مذقة لبن أو تمرة أو شربة من ماء ، ومن أشبع صائماً سقاه الله عز وجل من حوضي شربة لا يظمأ بعدها حتى يدخل الجنة ، ومن خفف عن مملوكه فيه غفر الله له وأعتقه من النار حتى يدخل الجنة ، وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار ، فاستكثروا فيه من أربع خصال : خصلتين ترضون بهما ربكم ، وخصلتين لا غنى بكم عنهما ، أما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن لا إله إلا الله وتستغفرونه ، وأما اللتان لا غنى بكم عنهما فتسألون الله الجنة ، وتعوذون به من النار " .

أخبرنا الإمام أبوعلي الحسين بن محمد القاضي ، أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمش الزيادي ، أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص التاجر أخبرنا إبراهيم بن عبد الله بن عمر بن بكير الكوفي ، أخبرنا وكيع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل عمل ابن آدم يضاعف له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، قال الله تعالى إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ، يدع الصائم طعامه وشرابه وشهوته من أجلي ، للصائم فرحتان ، فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه ، والخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك ، الصوم الجنة ، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ، ولا يفسق ، فإنه سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم " .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا سعيد بن أبي مريم ، أخبرنا محمد بن مطرف ، حدثني أبو حازم عن سهل ابن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " في الجنة ثمانية أبواب منها باب يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون " . أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة ، أخبرنا أبو طاهر بن أحمد بن الحارث أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي ، أخبرنا عبد الله بن محمود ، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال ، أخبرنا عبد الله بن المبارك عن راشد بن سعد عن يحيى بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحلي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الصيام والقرآن يشفعان للعبد يقول الصيام : أي رب إني منعته الطعام والشراب والشهوات بالنهار فشفعني فيه ، ويقول القرآن : رب إني منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان " .