ثم ساقت السورة الكريمة قصتان تدلان أبلغ الدلالة على قدرة الله تعالى وعلى صحة البعث والنشور استمع إلى القرآن وهو يحكي هاتين القصتين بأسلوبه البليغ فيقول :
{ أو كالذي مر على القرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية لناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموت قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ ربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزء ثم ادعهن يأتيك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم }
قال الألوسي ما مخلصه قوله : { او كالذي مر على قرية } . معطوف على ما سبقه وهو قوله : { ألم تر إلى الذي حاج } والكاف اسمية بمعنى بمثل معمولة لأريت محذوفا أي أو أرأيت الذي حاج إبراهيم أو الذي مر على قرية . . وقيل إن العطف هنا محمول على المعنى كأنه قيل أرأيت شيئا عجيبا كالذي حاج إبراهيم في ربه أو كالذي مر على قرية . . " .
و الذي مر على قرية هو عزيز بن شريحا وقيل حزقيال بن بوزى وقيل غير ذلك والقرية قيل المراد بها بيت المقدس وكان خربها " بختنصر " البابلي . . والقرآن الكريم لم يهتم بتحديد الأشخاص والأماكن لانه يقصد العبرة وبيان الحال والشأن وجملة { وهي خاوية على عروشها } في موضع الحال من الضمير المستتر في " مر " الواو رابطة بين الجملة الحالية وبين صاحبها والإتيان بها واجب لخلو الجملة من ضمير يعود على صاحبها وقيل هي حال من القرية وسوغ إتيان الحال منها مع كونها نكرة وقوعها بعد الاستفهام المقدر وهو أرأيت . . ومعنى وهي خاوية على عروشها أن جدرانها ساقطة أي أن الخراب قد عمها والدمار قد نزل بها أصبحت خاوية من أهلها وفارغة ممن كان يعمرها وأصل الخواء الخلو فيقال خوت الدار وخويت تخوي خلاء إذا سقطت وخلت العروش جمع عرش وهو سقف البيت ويسمى العريش وكل شيء يهيأ ليظل أو يكن فهو عريش وعرش .
و قوله تعالى : { قال أني يحيي هذه الله بعد موتها } حكاية لما قاله ذلك الذي مر على تلك القرية ورأى فيما رأى من مظاهر الخراب والدمار .
و المعنى أو أرأيت مثل الذي مر على قرية وهي ساقطة حيطانها على سقوفها وفارغة ممن كان يسكنها فهاله أمرها وراعه شأنها وقال على سبيل التعجب كيف يحيي الله هذه القرية بعد موتها ؟ بأن يعيد إليها العمران بعد الخراب ويجعلها عامرة بسكانها الذين خلت منهم ؟ فقوله : { أني يحيي هذه القرية بعد موتها }بمعنى كيف فتكون منصوبة على الحالية من اسم الإشارة ويجوز أن تكون أني هنا بمعنى متى يحيي الله هذه القرية بعد موتها فتكون منصوبة على الظرفية .
و قال القرطبي : قوله : { قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها } معناه من أي طريق وبأي سبب متى يحيي الله هذه القرية بعد موتها فتكون منصوبة على الظرفية .
و قال القرطبي قوله : { قال أني يحيي هذه الله بعد موتها } معناه من أي طريق وبأي سبب وظاهر اللفظ السؤال عن إحياء القرية بعمارة وسكان كما يقال الآن في المدن الخربة التي تبعد أن تعمر هذه بعد خرابها فكان هذا تلهف من الواقف المعتبر على مدينته التي عهد فيها أهله وأحبته . . " ( 25 ) .
و قوله هذا إنما هو تساؤل عن كيفية الإعادة لا أصل الإعادة لأنه كان مؤمنا بالبعث والنشور إلا أنه لما رأى حال القرية على تلك الصورة من الخراب تعجب من قدرة الله على إحيائها وتشوق إلى عمارتها واعتراف العجز عن طريق الإحياء فماذا كانت نتيجة هذا التساؤل كانت كما حكاها القرآن : { فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم } .
أي بعد ان قال هذا الذي مر على تلك القرية الخاوية على عروشها ما قال ألبثه الله تعالى في الموت مائة عام " ثم بعثه " أي أحياه ببعث روحه إلى بدنه قال كم لبثت أي كم مدة من الزمان لبثها على هذه الحال " قال لبثت يوما أو بعض يوم " .
و قال سبحانه : { فأماته الله مائة عام ثم بعثه } ولم يقل ثم أحياه للدلالة على أنه عاد كهيئته يوم مات عاقلا فاهما مستعدا للنظر والاستدلال وكان ذلك بعد عمارة القرية وللإشعار بسرعته وسهولة تأتيه على الباري سبحانه .
قال ابن الكثير كان أول شيء أحيا الله فيه عينيه لينظر بهما إلى صنع الله فيه كيف يحيي بدنه فلما استقل سويا قال الله له بواسطة الملك كم لبثت ؟ قال لبثت يوما أو بعض يوم وذلك أنه مات أول النهار ثم بعثه الله في آخر النهار فلما رأى الشمس باقية ظن انها شمس ذلك اليوم فقال أو بعض يوم( 26 ) .
و قوله تعالى : { كم لبثت } استئناف مبني على سؤال كأنه قيل : فماذا قال له بعد بعثته ؟ فقيل قال كم لبثت وليظهر له العجز عن الإحاطة بشؤون الله تعالى على أتم وجه وتنحسم مادة استعباده بالمرة .
و كم منصوبة على الظرفية ومميزها محذوف والتقدير كم يوما أو وقتا والناصب لها قوله : لبثت .
و في هذه الجملة الكريمة بيان للناس بأن الموت يشبه النوم وأن البعث يشبه اليقظة بعده وأنه لا شيء محال على الله تعالى فهو القائل : { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة } ( لقمان : 28 ) .
و في الحديث الشريف : " والله لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون ولتحاسبن بما تعلمون ولتجوزن بالإحسان إحسانا وبالسوء سوءا وإنها لجنة أبدا أو لنار أبدا " .
و قوله تعالى : { قال بل لبثت مائة عام } معطوف على مقدر أي ليس الأمر كما قلت أنك لبثت يوما أو بعض يوم إنك لبثت مائة عام ثم أرشده سبحانه إلى التأمل في أمور فيها أبلغ دلالة على قدرة الله تعالى وعلى صحة البعث فقال سبحانه : { فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما } .
قوله : لم يتسنه } أي لم يتغير بمرور السنين الطويلة ولم تذهب طراوته فكأنه لم تمر عليه السنون ولفظ يتسنه مشتق من السنة والهاء فيه أصيلة إذا قدر لام سنة هاء وأصلها سنهة لتصغيرها على سنيهة وجمعها على سنهات كسجدة وسجدات ولقومه سانهته إذا عاملته سنة فسنة وتسنه عند القوم إذا قام فيهم سنة أو الهاء فيه للوقف نحو كتابيه وجزمه بحذف حرف العلة إذا قدر لام سنة واوا وأصلها سنوة لتصغيرها على سنية وجمعها على سنوات .
و قوله : { ننشزها } أي نرفعها يقال أنشز الشيء إذا رفعه من مكانه واصله من النشز بفتحتين وبالسكون وهو المكان المرتفع وقرئ ننشزها بضم النون أي نحييها من أنشز الله الموتى أي أحياهم .
و المعنى قال الله تعالى لهذا الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها إنك لم تلبث يوما أو بعض يوم في الموت كما تظن بل لبثت مائة عام فإن كنت في شك من ذلك فانظر إلى طعامك وشرابك لتشاهد أمرا آخر من دلائل قدرتنا فإن هذا الطعام والشراب كما ترى لم يتغير بمرور السنين وكر الأعوام بل بقي على حالته وانظر إلى حمارك كيف نخرت عظامه وتفرقت أوصله مما يشهد بأنه مرت عليه السنوات الطويلة .
و قوله : { و لنعجعلك آية للناس } معطوف على محذوف متعلق بفعل مقدر قبله بطريق الاستئناف مقرر لمضمون ما سبق والتقدير فعلنا ما فعلنا لترى وتشاهد بنفسك مظاهر قدرة الله ولنجعلك آية معجزة ودليلا على صحة البعث .
و قوله : { انظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما } أي انظر وتأمل في العظام كيف نركب بعضها في بعض بعد أن نوجدها .
و قيل المعنى وانظر إلى العظام أي عظام حمارك التي تفرقت وتناثرت لتشاهد كيف نرفعها من الأرض فنردها إلى أماكنها في جسده .
قال ابن كثير قال السدى وغيره تفرقت عظام حماره يمينا وشمالا حوله فنظر إليها وهي تلوح في بياضها فبعث الله ريحا فجمعها من كل موضع ثم ركب كل عظم في موضعه ذلك كله بمرأى من العزير .
و جاء الضمير في قوله : { لم يتسنه } بالإفراد مع أن المتقدم طعام وشراب لأنهما متلازمان بمعنى أن أحدهما لا يكتفي به عن الآخر فصار بمنزلة شيء واحد فكأنه قال انظر إلى غذائك .
ثم ختم سبحانه الآية بقوله : { فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير } أي فلما تبين له بالأدلة الناصعة وبالمشاهدة الحسية قدرة الله تعالى على الإحياء والإماتة وعلى البعث والنشور قال أعلم أي أستيقن وأومن واعتقد أن الله تعالى على كل شيء قدير وأنه سبحانه لا يعجزه شيء والفاء في قوله فلما تبين له ذلك وتيقنه قال أعلم أن الله على كل شيء قدير وفاعل " تبين " مضمر يفسره سياق الكلام والتقدير فلما تبين له كيفية الإحياء أو فلما تبين له ما أشكل عليه من أمر إحياء الموتى قال أعلم ان الله على كل شيء قدير .
قوله تعالى : { أو كالذي مر على قرية } . وهذه الآية منسوقة على الآية الأولى ، تقديره ( ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه ) وهل رأيت الذي مر على قرية ؟ وقيل : تقديره هل رأيت الذي حاج إبراهيم في ربه ؟ وهل رأيت كالذي مر على قرية ؟ واختلفوا في ذلك المار ، فقال قتادة وعكرمة والضحاك : هو عزيز بن شرخياً ، وقال وهب بن منبه ، هو أرمياء بن حلقيا ، وكان بن سبط هارون ، وهو الحضر وقال مجاهد : هو كافر شك البعث . واختلفوا في تلك القرية فقال وهب وعكرمة وقتادة : هي بيت المقدس ، وقال الضحاك : هي الأرض المقدسة ، وقال الكلبي : هي دير سابر أباد ، وقال السدي : مسلم أباد ، وقيل :دير هرقل ، وقيل : هي الأرض التي أهلك الله فيها الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف وقيل : هي قرية العنب وهي على فرسخين من بيت المقدس .
قوله تعالى : { وهي خاوية } . ساقطة يقال : " خوي البيت " بكسر الواو يخوي خوى ، مقصوراً إذا سقط وخوى البيت بالفتح خواءً ممدوداً إذا خلا .
قوله تعالى : { على عروشها } . سقوفها ، واحدها عرش وقيل : كل بناء عرش ، ومعناه : أن السقوف سقطت ثم وقعت الحيطان عليها .
قوله تعالى : { قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها } . وكان السبب في ذلك على ما روى محمد بن إسحاق بن منبه أن الله تعالى بعث أرمياء إلى ناشية بن أموص ملك بني إسرائيل ليسدده في ذلك ويأتيه بالخبر من الله عز وجل ، فعظمت الأحداث في بني إسرائيل ، وركبوا المعاصي فأوحى الله تعالى إلى أرمياء : أن ذكر قومك نعمي وعرفهم أحداثهم وادعهم إلي ، فقال أرمياء : إني ضعيف إن لم تقوني ، عاجز إن لم تبلغني ، مخذول إن لم تنصرني ، فقال الله عز وجل : أنا ألهمك ، فقام أرمياء فيهم ولم يدر ما يقول فألهمه الله في الوقت خطبة بليغة طويلة بين لهم ثواب الطاعة وعقاب المعصية ، وقال في آخرها عن الله تعالى : " وإني أحلف بعزتي لأقبضن لهم فتنة بتحير فيها الحكيم ، ولأسلطن عليهم جباراً فارسياً ألبسه الهيبة وأنزع من صدره الرحمة يتبعه عدد مثل سواد الليل المظلم " ، ثم أوحى الله تعالى إلى إرمياء " إني مهلك بني إسرائيل ، وبافث من أهل بابل " ، وهم من ولد بافث ابن نوح عليه السلام ، فلما سمع أرمياء ذلك صاح وبكى وشق ثيابه ونبذ الرماد على رأسه ، فلما سمع الله تضرعه وبكاءه ناداه : يا أرمياء أشق عليك ما أوحيت إليك ؟ قال : نعم يا رب أهلكني قبل أن أرى في بني إسرائيل ما لا أسر به فقال الله تعالى : وعزتي لا أهلك بني إسرائيل حتى يكون الأمر في ذلك من قبلك ، ففرح أرمياء بذلك وطابت نفسه ، فقال : لا والذي بعث موسى بالحق لا أرضى بهلاك بني إسرائيل ، ثم أتى الملك فأخبره بذلك ، وكان ملكاً صالحاً . فاستبشر وفرح فقال : إن يعذبنا ربنا فبذنوب كثيرة وإن عفا عنا فبرحمته . ثم إ نهم لبثوا بعد الوحي ثلاث سنين لم يزدادوا إلا معصية وتمادياً في الشر وذلك حين اقترب هلاكهم ، فقل الوحي ، ودعاهم الملك إلى التوبة ، فلم يفعلوا ، فسلط الله عليهم بختنصر ، فخرج في ست مائة ألف راية يريد أهل بيت المقدس ، فلما فصل سائراً أتى الملك الخبر ، فقال لأرمياء : أين ما زعمت أن الله أوحى إليك ؟ فقال أرمياء : إن الله لا يخلف الميعاد وأنا به واثق فلما قرب الأجل بعث الله إلى أرمياء ملكاً قد تمثل له رجلاً من بني إسرائيل فقال له أرمياء : من أنت ؟ قال : أنا رجل من بني إسرائيل أتيتك أستفتيك في أهل رحمي ، وصلت أرحامهم ، ولم آت إليهم إلا حسناً ، ولا يزيدهم إكرامي إياهم إلا إسخاطاً لي فأفتني فيهم ، قال : أحسن فبما بينك وبين الله وصلهم وأبشر بخير . فانصرف الملك فمكث أياماً ثم أقبل إليه في صورة ذلك الرجل ، فقعد بين يديه فقال له أرمياء : من أنت ؟ قال : أنا الرجل الذي أتيتك أستفتيك في شأن أهلي ؟ فقال له أرمياء : أما طهرت أخلاقهم بعدلك ؟ قال : يا نبي الله والذي بعثك بالحق ما أعلم كرامة يأتيها أحد من الناس إلى رحمة إلا قدمتها إليهم وأفضل ، فقال له النبي أرمياء عليه الصلاة والسلام : ارجع إليهم أسأل الله الذي يصلح عباده الصالحين أن يصلحهم ، فانصرف الملك ، فمكث أياماً وقد نزل بختنصر وجنوده حول بيت المقدس بأكثر من الجراد ، ففزع منهم بنو إسرائيل فقال ملكهم لأرمياء : يا نبي الله أين ما وعدك الله ؟ قال : إني بربي واثق ، ثم أقبل الملك إلى أرمياء وهو قاعد على جدار بيت المقدس يضحك ويستبشر بنصر ربه الذي وعده ، فقعد بين يديه فقال له أرمياء : من أنت ؟ فقال : أنا الذي أتيتك في شأن أهلي مرتين ، فقال النبي : ألم يأن لهم أن يفيقوا من الذي هم فيه ؟ فقال الملك : يا نبي الله كل شيء كان يصيبني منهم قبل اليوم كنت أصبر عليه ، فاليوم رأيتهم في عمل لا يرضي الله ، فقال النبي : على أي عمل رأيتهم ؟ قال : على عمل عظيم من سخط الله ، فغضب الله وأتيتك لأخبرك ، وإني أسألك بالله الذي بعثك بالحق نبياً إلا ما دعوت الله عليهم ليهلكهم ، فقال أرمياء : يا مالك السماوات والأرض ، إن كانوا على حق وصواب فأبقهم ، وإن كانوا على عمل لا ترضاه فأهلكهم ، فلما خرجت الكلمة من فم أرمياء ، أرسل الله صاعقة من السماء في بيت المقدس فالتهب مكان القربان وخسف بسبعة أبواب من أبوابها ، فلما رأى ذلك أرمياء صاح وشق ثيابه ونبذ الرماد على رأسه وقال : يا مالك السماوات أين ميعادك الذي وعدتني ؟ فنودي أنه لم يصبهم ما أصابهم إلا بفتياك ودعائك ، فاستيقن النبي عليه السلام أنها فتياه ، وأن ذلك السائل كان رسول ربه ، فطار أرمياء حتى خالط الوحوش . ودخل بختنصر وجنوده بيت المقدس ووطئ الشام وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم ، وخرب بيت المقدس ، ثم أمر جنوده أن يملأ كل رجل منهم ترسه فيقذفه في بيت المقدس ، ففعلوا حتى ملؤوه ، ثم أمرهم أن يجمعوا من كان في بلدان بيت المقدس فاجتمع عندهم صغيرهم وكبيرهم من بني إسرائيل ، فاختار منهم سبعين ألف صبي فقسمهم بين الملوك الذين كانوا معه ، فأصاب كل رجل منهم أربعة غلمان ، وكان من أولئك الغلمان دانيال وحنانيا ، وفرق من بقي من بني إسرائيل ثلاث فرق ، فثلثاً قتلهم ، وثلثاً سباهم ، وثلثاً أقرهم بالشام ، وكانت هذه الواقعة الأولى التي أنزلها الله في بني إسرائيل بظلمهم ، فلما ولى عنهم بختنصر راجعاً إلى بابل ومعه سبايا بني إسرائيل أقبل أرمياء على حمار له معه عصير عنب في ركوة ، وسلة تين حتى غشي إيلياء ، فلما وقف عليها ورأى خرابها قال : " أنى يحيي هذه الله بعد موتها " .
وقال الذي قال إن المار كان عزيراً : وأن بختنصر لما خرب بيت المقدس وقدم بسبي بني إسرائيل ببابل كان فيهم عزير ، ودانيال وسبعة آلاف من أهل بيت داود ، فلما نجا عزير من بابل ارتحل على حمار له حتى نزل دير هرقل على شط دجلة ، فطاف في القرية فلم ير فيها أحداً ، وعامة شجرها حامل فأكل من الفاكهة ، واعتصر من العنب فشرب منه ، وجعل فضل الفاكهة في سلة ، وفضل العصير في زق ، فلما رأى خراب القرية وهلاك أهلها قال : ( نى يحيي هذه الله بعد موتها ) قالها تعجباً لا شكاً في البعث .
رجعنا إلى حديث وهب قال : ثم ربط أرمياء حماره بحبل جديد ، فألقى الله تعالى عليه النوم ، فلما نام نزع الله منه الروح مائة عام ، وأمات حماره ، وعصيره وتينه عنده ، فأعمى الله عنه العيون فلم يره أحد ، وذلك ضحىً ، ومنع الله السباع والطير لحمه ، فلما مضى من موته سبعون سنة أرسل الله ملكاً إلى ملك من ملوك فارس يقال له فوشك فقال : إن الله يأمرك أن تنفر بقومك فتعمر بيت المقدس وإيلياء حتى يعود أعمر ما كان ، فانتدب الملك بألف قهرمان ، مع كل قهرمان ثلاثمائة ألف عامل ، وجعلوا يعمرونه ، فأهلك الله بختنصر ببعوضة دخلت دماغه ، ونجى الله من بقي من بني إسرائيل ، ولم يمت ببابل أحد وردهم جميعاً إلى بيت المقدس ونواحيه ، وعمروها ثلاثين سنة ، وكثروا حتى عادوا على أحسن ما كانوا عليه ، فلما مضت المائة أحيا الله منه عينيه ، وسائر جسده ميت ، ثم أحيا جسده وهو ينظر إليه ، ثم نظر إلى حماره فإذا عظامه متفرقة بيض تلوح ، فسمع صوتاً من السماء : أيتها العظام البالية إن الله يأمرك أن تجتمعي ، فاجتمع بعضها إلى بعض ، واتصل بعضها ببعض ثم نودي : إن الله يأمرك أن تكتسي لحماً وجلداً ، فكانت كذلك ثم نودي : إن الله يأمرك أن تحيا ، فقام بإذن الله ونهق ، وعمر الله أرمياء فهو الذي يرى في الفلوات فذلك .
قوله تعالى : { فأماته الله مائة عام ثم بعثه } . أي أحياه .
قوله تعالى : { قال كم لبثت } . أي : كم مكثت ؟ يقال : لما أحياه الله بعث إليه ملكاً فسأله ، كم لبثت ؟ .
قوله تعالى : { قال لبثت يوماً } . وذلك أن الله تعالى أماته ضحى في أول النهار وأحياه بعد مائة عام في آخر النهار قبل غيبوبة الشمس ، فقال : كم لبثت ؟ قال : لبثت يوماً وهو يرى أن الشمس قد غربت ، ثم التفت فرأى بقية من الشمس .
قوله تعالى : { أو بعض يوم } . بل بعض يوم .
قوله تعالى : { قال } . له الملك .
قوله تعالى : { بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك } . يعني التين .
قوله تعالى : { وشرابك }ز يعني العصير .
قوله تعالى : { لم يتسنه } . أي لم يتغير ، فكان التين كأنه قطف من ساعته ، والعصير كأنه عصر من ساعته . قال الكسائي : كأنه لم تأت عليه السنون . وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب " لم يتسن " بحذف الهاء في الوصل وكذلك ( فبهداهم اقتده ) . وقرأ الآخرون بالهاء فيهما وصلاً ووقفاً ، فمن أسقط الهاء في الوصل جعل الهاء صلة زائدة وقال : أصله " يتسنى " فحذف الياء بالجزم ، وأبدل منه هاء في الوقف ، وقال أبو عمرو : هم من التسنن بنونين : وهو التغير كقوله تعالى : ( من حمإ مسنون ) أي متغير فعوضت من إحدى النونين ياء كقوله تعالى : ( ثم ذهب إلى أهله يتمطى ) أي يتمطط ، وقوله ( وقد خاب من دساها ) وأصله " دسسها " ومن أثبت الهاء في الحالين جعل الهاء أصلية لام الفعل وهذا على قول من جعل أصل السنة " السنهة " وتصغيرها سنيهة ، والفعل من المسانهة وإنما قال : لم يتسنه ولم يثنه مع أنه أخبر عن شيئين ردا للمتغير إلى أقرب اللفظين به ، وهو الشراب واكتفى بذكر أحد المذكورين لأنه في معنى الآخر .
قوله تعالى : { وانظر إلى حمارك } . فنظر فإذا هو عظام بيض فركب الله تعالى العظام بعضها على بعض فكساه اللحم ، والجلد وأحياه وهو ينظر .
قوله تعالى : { ولنجعلك آية للناس } . قيل الواو زائدة مقحمة . وقال الفراء : أدخلت الواو فيه دلالة على أنها شرط لفعل بعدها معناه : ولنجعلك آية ، عبرة ودلالة على البعث ، بعد الموت قاله أكثر المفسرين ، وقال الضحاك وغيره : إنه عاد إلى قريته شاباً وأولاده وأولاد شيوخ وعجائز وهو أسود الرأس واللحية .
قوله تعالى : { وانظر إلى العظام كيف ننشزها } . قرأ أهل الحجاز والبصرة " ننشرها " بالراء معناه نحييها يقال : أنشر الله الميت إنشاراً ونشرة ونشوراً قال الله تعالى : ( ثم إذا شاء أنشره ) وقال في اللازم ( وإليه النشور ) وقرأ الآخرون : بالزاي أي نرفعها من الأرض ، ونردها إلى مكانها من الجسد ونركب بعضها على بعض ، وإنشاز الشيء رفعه وإزعاجه ، يقال : أنشزته فنشز أي رفعته فارتفع . واختلفوا في معنى الآية ، فقال الأكثرون : أراد به عظام حماره ، وقال السدي : إن الله تعالى أحيا عزيراً ثم قال له : انظر إلى حمارك قد هلك وبليت عظامه ، فبعث الله تعالى ريحاً فجاءت بعظام الحمار من كل سهل وجبل ، وقد ذهبت بها الطير والسباع ، فاجتمعت فركب بعضها في بعض وهو ينظر ، فصار حماراً من عظام ليس فيه لحم ولا دم .
قوله تعالى : { ثم نكسوها لحماً } . ثم كسا العظام لحماً ودماً ، فصار حماراً لا روح فيه ، ثم أقبل ملك يمشي حتى أخذ بمنخر الخمار فنفخ فيه فقام الحمار ونهق بإذن الله . وقال قوم : أراد به عظام هذا الرجل ، وذلك أن الله تعالى لم يمت حماره بل أماته هو فأحيا الله عينيه ورأسه ، وسائر جسده ميت ، ثم قال : انظر إلى حمارك فنظر فرأى حماره قائماً كهيئته يوم ربطه ، حياً لم يطعم ولم يشرب مائة عام ، ونظر الرمة في عنقه جديدة لم تتغير ، وتقدير الآية : وانظر إلى حمارك وانظر إلى عظامك كيف ننشزها وهذا قول قتادة عن كعب والضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما والسدي عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما ، لما أحيا الله تعالى عزيراً بعد ما أماته مائة سنة ركب حماره حتى أتى محلته ، فأنكره الناس ومنازله فانطلق على وهم حتى أتى منزله فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة قد أتى عليها مائة وعشرون سنة كانت عرفته وعقلته فقال لها عزير : يا هذه هذا منزل عزير ؟ قالت : نعم هذا منزل عزير وبكت وقالت : ما رأيت أحداً من كذا وكذا سنة يذكر عزيراً قال : فإني أنا عزير ، قالت : سبحان الله : فإن عزيراً قد فقدناه من مائة سنة لم نسمع له بذكر قال : فإني أنا عزير كان الله أماتني مائة سنة ثم بعثني ، قالت : فإن عزيراً كان رجلاً مستجاب الدعوة ويدعو للمريض ولصاحب البلاء بالعافية ، فادع الله أن يرد لي بصري حتى أراك ، فإن كنت عزيراً عرفتك ، فدعا ربه ومسح بيده على عينيها فصحتا وأخذ بيدها وقال : قومي بإذن الله تعالى ، فأطلق الله رجليها فقامت صحيحة ، فنظرت إليه فقالت : أشهد أنك عزير ، فانطلقت إلى بني إسرائيل وهم في أنديتهم ومجالسهم وابن لعزير شيخ كبير ابن مائة سنة وثماني عشرة سنة وبنو بنيه شيوخ في المجلس ، فنادت : هذا عزير قد جاءكم ، فكذبوها ، فقالت : أنا فلانة مولاتكم دعا لي ربه فرد علي بصري وأطلق رجلي وزعم أن الله كان أماته مائة سنة ثم بعثه ، فنهض الناس فأقبلوا إليه فقال ولده : كان لأبي شامة سوداء مثل الهلال بين كتفيه ، فكشف عن كتفيه فإذا هو عزير .
وقال السدي والكلبي : لما رجع عزير إلى قومه وقد أحرق بختنصر التوراة ولم يكن من الله عهد بين الخلق ، فبكى عزير على التوراة ، فأتاه ملك بإناء فيه ماء فسقاه من ذلك الماء فمثلت التوراة في صدره فرجع إلى بني إسرائيل وقد علمه الله التوراة ، وبعثه نبياً ، فقال : أنا عزير فلم يصدقوه فقال : إني عزير قد بعثني الله إليكم لأجدد لكم توراتكم قالوا : أملها علينا ؟ فأملاها عليهم من ظهر قلبه ، فقالوا : ما جعل الله التوراة في صدر رجل بعد ما ذهبت إلا أنه ابنه ، فقالوا : عزير ابن الله ، وستأتي القصة في سورة براءة إن شاء الله تعالى . قوله تعالى : { فلما تبين له } . ذلك عياناً .
قوله تعالى : { قال أعلم } . قرأ حمزة والكسائي مجزوماً موصولا على الأمر على معنى : قال الله تعالى له : اعلم ، وقرأ الآخرون " أعلم " بقطع الألف ورفع الميم على الخبر عن عزير أنه قال : لما رأى ذلك أعلم .