تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَكَيۡفَ تَكۡفُرُونَ وَأَنتُمۡ تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمۡ رَسُولُهُۥۗ وَمَن يَعۡتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدۡ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (101)

101 { وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم }

المفردات :

يعتصم بالله : يستمسك بدينه .

التفسير :

أي : كيف يتصور منكم الكفر أو يسوغ لكم ان تسيروا في أسبابه وآيات الله تقرأ على مسامعكم غضة طرية صبح مساء ورسول الله صلى الله بين ظهرانيكم يردكم إلى الصواب إن أخطأتم ويزيح شبهكم إن التبس عليكم أمر .

وهذا قوله تعالى : { ومالكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد اخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين } ( الحديد 8 ) .

قال ابن كثير : وكما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوما " أي المؤمنين أعجب إيمانا ؟ قالوا الملائكة قال وكيف لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم ؟ قالوا فنحن قال : وكيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم ؟ قالوا : فأي الناس أعجب إ يمانا ؟ قال : قوم يجيئون من بعدكم يجدون صحفا فيؤمنون بما فيها " .

وقوله : { وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله } جملتان حاليتان من فاعل تكفرون وهو ضمير الجماعة وهاتان الجملتان هما محط الإنكار والاستبعاد .

أي أن كلا من تلاوة آيات الله وإقامة الرسول فيهم وازع لهم عن الكفر ودافع لهم إلى التمسك بعرى الإيمان .

قال قتادة : أما الرسول فقد مضى إلى رحمة الله وأما الكتاب فباق على وجه الدهر .

{ ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم } أي ومن يستمسك بدين الله وهو الإسلام ويلتجئ إلى الله في كل أحواله ويتوكل عليه حق التوكل فقد هدي إلى الطريق الذي لا عوج فيه ولا انحراف .

قال القرطبي : واصل العصم المنع فكل مانع شيئا فهو عاصمه والممتنع به معتصم به ولذلك قيل للحبل عصام وللسبب الذي يتسبب به الرجل إلى حاجته عصام وأفصح اللغتين إدخال الباء كما قال عز وجل : { واعتصموا بحبل الله جميعا } .

وقد جاء اعتصمته كما قال الشاعر :

إذا أنت جازيت الإخاء بمثله *** وآسيتني ثم اعتصمت حباليا

فقال : اعتصمت حباليا ولم يدخل الباء وذلك نظير قولهم تناولت بالخطام وتناولت الخطام وتعلقت به وتعلقته25 .

وفي ختام الآية نجد انها محتملة لمعنيين :

المعنى الأول : أن الكفر بعيد عنكم ولا يتأتى منكم الكفر لان الوحي ينزل عليكم والرسول بينكم وفي هذا المعنى ما يومىء إلى إلقاء اليأس في قلوب هذا الفريق من اليهود من أن يصلوا إلى ما يبتغونه من تفريق المؤمنين لأن الوحي والنبي عصمة لهم .

المعنى الثاني : استفهام إنكاري عن احتمال كفرهم مع أن معهم أسباب الإيمان .

قال ابن جرير الطبري : يعني بذلك جل ثناؤه :

وكيف تكفرون أيها المؤمنون بعد إيمانكم بالله وبرسوله فترتدوا على أعقابكم وأنتم تتلى عليكم آيات الله يعني حجج الله عليكم التي أنزلها في كتابه على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وفيكم رسوله حجة أخرى عليكم لله مع آي كتابه يدعوكم جميع ذلك إلى الحق ويبصركم الهدى والرشاد وينهاكم عن الغي والضلال .

يقول لهم سبحانه وتعالى فما وجه عذركم عند ربكم في جحودكم نبوة نبيكم وارتدادكم على أعقابكم ورجوعكم إلى أمر جاهليتكم26 .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَكَيۡفَ تَكۡفُرُونَ وَأَنتُمۡ تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمۡ رَسُولُهُۥۗ وَمَن يَعۡتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدۡ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (101)

قوله تعالى : { وكيف تكفرون } . يعني ولم تكفرون .

قوله تعالى : { وأنتم تتلى عليكم آيات الله } . القرآن .

قوله تعالى : { وفيكم رسوله } . محمد صلى الله عليه وسلم . قال قتادة في هذه الآية : علمان بينان كتاب الله ، ونبي الله ، أما نبي الله فقد مضى ، وأما كتاب الله فأبقاه بين أظهركم رحمةً من الله ونعمة .

أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن العباس الحميدي ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ ، أنا أبو الفضل الحسن بن يعقوب بن يوسف العدل ، أخبرنا أبو أحمد محمد بن عبد الوهاب العبدي ، أنا أبو جعفر بن عوف أخبرنا أبو حيان يحيى بن سعيد بن حيان ، عن يزيد بن حيان قال :سمعت زيد بن أرقم قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم خطيباً ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال " أما بعد : أيها الناس ، إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيبه ، وإني تارك فيكم ثقلين ، أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به ، فحث على كتاب الله ورغب فيه ، ثم قال : وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي " . قوله تعالى : { ومن يعتصم بالله } . أي يمتنع بالله ويستمسك بدينه وطاعته .

قوله تعالى : { فقد هدي إلى صراط مستقيم } . طريق واضح ، وقال ابن جريج ( ومن يعتصم بالله ) أي يؤمن بالله ، وأصل العصمة المنع ، فكل مانع شيئاً فهو عاصم له .