106- { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } .
المراد ببياض الوجوه بهجتها وسرورها وبسواد الوجوه حزنها وكآبتها .
وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة ( القيامة 22-25 ) .
وقوله سبحانه { ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة ( الزمر 60 ) .
وقوله عز شأنه : { وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة ( عبس 38-42 ) .
قال الزمخشري في تفسير : ( البياض من النور والسواد من الظلمة : فمن كان من أهل نور الحق وسم ببياض اللون وإسفاره وإشراقه وابيضت صحيفته وأشرقت وسعى النور بين يديه ومن كان من أهل الباطل وسم بسواد اللون وكسوفه وكمده واسودت صحيفته وأظلمت وأحاطت به الظلمة من كل جانب نعوذ بالله وبسعة رحمته من ظلمة الباطل وأهله ) 41 .
وذهب بعض العلماء إلى ان السواد والبياض محمولان على حقيقتها وذلك لأن اللفظ حقيقة فيهما ولا دليل يوجب ترك هذه الحقيقة فوجب الحمل على ذلك .
وفي أمثال هذه الألوان للمفسرين قولان :
أحدهما : إليه ميل أبي مسلم ان البياض مجاز عن الفرح والسواد عن الغم وهذا مجاز مستعمل قال تعالى : { وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم ( النحل 58 ) .
ولما سلم الحسن بن علي الامر إلى معاوية قال له رجل : يا أبا مسود وجوه المؤمنين .
وثانيهما أن السواد والبياض محمولان على ظاهرهما وهما النور والظلمة إذ الأصل في الإطلاق الحقيقة ، فمن كان من أهل نور الحق وسم ببياض اللون وإسفاره وإشراقه وابيضت صحيفته وسعى النور بين يديه وبيمينه ، ومن كان من اهل ظلمة الباطل وسم بسواد اللون وكمده واسودت صحيفته وأحاطت به الظلمة من كل جانب .
قالوا والحكمة في ذلك ان يعرف أهل الموقف كل صنف فيعظمونهم أو يصغرونهم بحسب ذلك ويحصل لهم بسببه مزيد بهجة وسرور أو ويل وثبور .
وقد اختار الفخر الرازي ان التعبير القرآني في الآية محمول على المجاز لا على الحقيقة فقال : وهذا مجاز مشهور ، قال تعالى : { وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم ( النحل 58 ) .
ويقال لفلان عندي يد بيضاء وتقول العرب لمن نال بغيته وفاز بمطلوبه ابيض وجهه ومعناه الاستبشار والتهلل ويقال لمن وصل إليه مكروه : أريد وجهه وأغبر لونه ، وتبدلت صورته ، وعلى هذا فمعنى الآية : أن المؤمن يرد يوم القيامة على ما قدمت يداه فإن رأى ما يسره ابيض وجهه بمعنى استبشر بنعم الله وفضله ، وعلى ضد ذلك إذا رأى الكافر أعماله القبيحة محصاة عليه أسود وجهه بمعنى أنه يشتد حزنه وغمه42 .
ومن الطرائف ما روى أن شخصين أحدهما أبيض والآخر أسود تقابلا فقال الأسود :
ألم تر ان سواد العين لا شك نورها
ألم تر أن بياض البدر لا شيء مثله
وهي مغالطة من الأبيض لأن سواد أهل النار ليس سواد الخلقة ولكنه سواد الظلمة والمعصية .
وفي الأثر ( كم من وجه صبيح ولسان فصيح وجسم مليح غذا بين أحشاء النار يصيح ) .
وكان زعيم المنافقين حسن الهيئة جميل الصوت يجيد تزويق الكلام فقال فيه القرآن : { وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أني يؤفكون . ( المنافقون : 4 ) .
وقد ورد في هدى النبوة " إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالهم " .
زمما تقدم يتضح أن الراجح في سواد الوجوه وبياضها ، هو أنهما محمولان على المجاز لا على الحقيقة ، وان بياض الوجه لا يقرب صاحبه إلى الله وان سواد الوجه لا يبعد صاحبه عن الله وإنما يقرب الإنسان من الله العمل الصالح ويبعده عن الله العمل الصالح .
{ فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } .
أي أما الذين اسودت وجوههم فيقال لهم على سبيل التوبيخ أكفرتم بعد إيمانكم ؟ فذوقوا العذاب بسبب كفركم .
والاستفهام في قوله تعالى : أكفرتم للتوبيخ والتعجب من حالهم قال الألوسي : والظاهر من السياق أن هؤلاء هم اهل الكتاب وكفرهم بعد إيمانهم هو كفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الإيمان به قبل مبعثه وقيل هم جميع الكفار لإعراضهم عما وجب عليهم من الإقرار بالتوحيد حين أشهدهم على أنفسهم { ألست بربكم قالوا بلى } ( الأعراف 172 ) ويحتمل ان يراد بالإيمان الإيمان بالقوة والفطرة وكفر جميع الكفار بعد هذا الإيمان لتمكنهم بالنظر الصحيح والدلائل الواضحة والآيات البينة من الإيمان بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم43 .
و قوله : { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } أي فادخلوا جهنم وذوقوا مرارة العذاب وآلامه بسبب استمراركم على الكفر وموتكم عليه .
قوله تعالى : { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه } . " يوم " نصب على الظرف ، أي في يوم ، وانتصاب الظرف على التشبيه بالمفعول ، يريد تبيض وجوه المؤمنين ، وتسود وجوه الكافرين ، وقيل تبيض وجوه المخلصين ، وتسود وجوه المنافقين . وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ هذه الآية قال تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة .
قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس : إذا كان يوم القيامة رفع لكل قوم ما كانوا يعبدونه ، فيسعى كل قوم إلى ما كانوا يعبدونه ، وهو قوله تعالى( نوله ما تولى ) فإذا انتهوا إليه حزنوا ، فتسود وجوههم من الحزن ، وبقي أهل القبلة واليهود والنصارى لم يعرفوا شيئاً مما رفع لهم ، فيأتيهم الله فيسجد له من كان يسجد في الدنيا مطيعاً مؤمناً ، ويبقى أهل الكتاب والمنافقون لا يستطيعون السجود ، ثم يؤذن لهم فيرفعون رؤوسهم وجوه المؤمنين مثل الثلج بياضا ، ً والمنافقون وأهل الكتاب إذا نظروا إلى وجوه المؤمنين حزنوا حزناً شديداً ، فاسودت وجوههم ، فيقولون : ربنا مالنا مسودة وجوهنا ؟ فو الله ما كنا مشركين . فيقول الله للملائكة : انظروا كيف كذبوا على أنفسهم ، قال أهل المعاني : بياض الوجوه : إشراقها واستبشارها وسرورها بعملها وبثواب الله . واسودادها : حزنها وكآبتها وكسوفها بعملها وبعذاب الله . يدل عليه قوله تعالى( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة ) . وقال تعالى( والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ) وقال( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة ) وقال ( وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ) .
قوله تعالى : { فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم } . معناه : يقال لهم : أكفرتم بعد إيمانكم ( فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) . فإن قيل : كيف قال ( أكفرتم بعد إيمانكم ) . وهم لم يكونوا مؤمنين ؟ قيل : حكي عن أبي بن كعب أنه قال : أراد به الإيمان يوم الميثاق ، حين قال لهم ربهم ( ألست بربكم ؟ قالوا :بلى ) . يقول : ( أكفرتم بعد إيمانكم ) . يوم الميثاق . وقال الحسن : هم المنافقون تكلموا بالإيمان بألسنتهم ، وأنكروا بقلوبهم . وقال عكرمة : أنهم أهل الكتاب ، آمنوا بأنبيائهم وبمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث ، فلما بعث كفروا به . وقال قوم : هم من أهل قبلتنا ، وقال أبو أمامة : هم الخوارج . وقال قتادة : هم أهل البدع .
أخبرنا عبد الواحد بن احمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل أنا سعيد بن أبي مريم ، عن نافع بن عمر ، حدثني ابن أبي مليكة ، عن أسماء بنت أبي بكر ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إني على الحوض حتى أنظر من يرد علي منكم وسيؤخذ ناس دوني ، فأقول : يا رب مني ومن أمتي ، فيقال : لي هل شعرت بما عملوا بعدك ؟ فوالله مابرحوا يرجعون على أعقابهم " .
وقال الحارث الأعور : سمعت علياً رضي الله عنه على المنبر يقول : إن الرجل ليخرج من أهله فما يعود إليهم حتى يعمل عملاً يستوجب به الجنة ، وإن الرجل ليخرج من أهله فما يؤوب إليهم حتى يعمل عملاً يستوجب به النار ، ثم قرأ ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ) الآية ، ثم نادى هم الذين كفروا بعد الإيمان ورب الكعبة .
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الحزقي ، أخبرنا أبو الحسن الطيسفوني ، أنا عبد الله بن عمر الجوهري ، أخبرنا أحمد بن علي الكشمهيني ، أنا علي بن حجر ، أنا إسماعيل بن جعفر ، عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً ، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً ، يبيع دينه بعرض من الدنيا " .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.